رابعًا: ينبغي لأهل الإسلام الحرص الأكيد على حضور صلاة العيد، فإنها متأكدة في حقهم، وقد لازم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد ولم يتركها في عيد من الأعياد منذ شُرِعَت حتى مات عليه الصلاة والسلام.
ومِنْ تأكُّدِها أن الفتيات الصغيرات والنساء المعذورات ومَن لا جلباب لها كلهن أُمِرْنَ بها، حتى أَمَرَ مَن لا جلباب لها أن تُلْبِسَها صاحبتُها، فغيرهن من باب أولى.
ومما يدل على ذلك ما رواه الشيخان عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: «أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة [وفي لفظ: يعتزلن المُصلَّى] ويشهدن الخير ودعوة المسلمين».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «… ولهذا رجَّحنا أن صلاة العيد واجبةٌ على الأعيان كقول أبي حنيفة وغيره، وهو أحد قولي الشافعي، وأحد القولين في مذهب أحمد، وقول مَن قال: لا تجب. في غاية البُعد، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شُرع فيها التكبير»(1).
والمستحب للمسلم سماع الخطبة لِمَا في الاجتماع عليها من الخير والدعاء والذِكر والعلم.
خامسًا:صلاة العيد لا أذان لها ولا إقامة، فقد روى البخاري ومسلم (2) عن ابن عباس وجابر قالا: «لم يكن يُؤذَّنُ يوم الفطر ولا يوم الأضحى. وقال جابر بن سُمرة: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذانٍ ولا إقامة» رواه مسلم(3).
كما أنه ليس لها سُنةٌ قبلية، ولهذا مَن صلاها في المصلَّى – كما هي السُّنة – لا يُصلِّي شيئًا أول ما يحضر بل يجلس، ولكن مَن صلاها في مسجد جماعة فإنه يصلي ركعتين تحية المسجد كما هي السُّنة، حتى ولو كان وقت نهي، لأنهما من ذوات الأسباب التي لا حرج على المسلم أن يصلي لأجلها وقت النهي.
سادسًا:تُشْرَع التوسعة على الأهل والعيال في أيام العيد بأنواع ما يحصل لهم به بسط النفس وترويح البدن بما أحلَّ الله، وهذا من هديه صلى الله عليه وسلم.
ومما يدلُّ على هذا ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مِزمارةُ الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم؟! فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «دَعْهُمَا»، فلما غفل غمزتُهما فخرجَتَا. رواه البخاري ومسلم(4).
جاء في رواية: «يا أبا بكر، إن لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا».قال الحافظ البغوي: ويوم بُعاث يومٌ مشهور كان فيه مقتلةٌ عظيمةٌ للأوس على الخزرج، وقد مكثت هذه الحرب مائة وعشرين سنة، حتى جاء الإسلام، وكان شِعْرُ الجاريتين في غنائهما فيه وصف الحرب والشجاعة، وفي هذا معونةٌ لأمر الدِّين، فأما الغناء بذكر الفواحش وذكر الحُرَم والمجاهرة بمنكر القول فهو المحظور من الغناء، وحاشاه أن يجري شيءٌ من ذلك بحضرته صلى الله عليه وسلم فيُغفل النكير له(5).
ومما يحسن التنبيه إليه أن إباحة الغناء في يوم العيد على الصفة المذكورة آنفًا إنما هو للبنات الجواري الصغيرات، وهو جائز بالدُّف دون غيره من آلات الطرب، وأن لا يكون ذلك عادةً لهن يتعودن فيها الغناء بعادة المغنيات، وقد نبهت لهذا أمُّ المؤمنين عائشة كما في رواية عند ابن ماجه (6) قالت: «وليستا بمغنيتين».
سابعًا:التهنئة بالعيد أمرٌ حسنٌ طيبٌ لفعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد ثبت عن جبير بن نفير رحمه الله قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبَّل الله منا ومنك (7).
ثامنًا:العيد فرصةٌ لتجاوز الانفعالات النفسية، ووصل ما انقطع من أواصر القربى والصداقة.
فكم هو جميل أن يكون في يوم العيد نبذُ التهاجر والحرص على التواصل، وخاصةً صلة الرحم، والإنسان الحصيف هو مَن يعمل بالصلة ويُقابل بالإحسان.
ففي الحديث أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأُحسِن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: «لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم (8).
فلكين العيد نقطة تحوُّل في طيبة النفس وسلامة الصدر والتعالي على أوضار النفوس وشُحِّها.
تاسعًا: من أبواب الخير التي يتنبه لها ذوو النفوس الكريمة وأصحاب المروءة والشهامة – وخاصةً في مناسبات الأفرح – تحسس أصحاب الحاجات وسد الفاقات.
أَمَا وقد استعددتَ للعيد.. فأضف إلى استعدادك بمستلزمات العيد استعدادًا آخرَ كريمًا، ألا وهو سعيك للتفريج عن كربة من حولك من البؤساء والمعدِمين.
فتش عن أصحاب الحاجات من الأقارب والجيران وإخوانك المسلمين، وتَلَمَّس حاجاتهم وأدخِل السرور على قلوبهم وأولادهم ونسائهم.
تذكَّر صبيحةَ العيد حين يُقبَّل الأولاد، ويشيع الفرح بين الآباء والأمهات، ويتنامى الأُنس بين الأزواج والزوجات.. وحين يجتمع الشمل للأُسر والعائلات.
تذكَّر إذَّاك يتامى لا يجدون في تلك الصبيحة الباسمة ابتسامة أبٍ يحنو عليهم ولا أم تعطف عليهم وتهيؤهم لعيدهم.
وإذَّاك تذكَّر أياميً من النساء لا يجدن حنان زوج ترتفع في كنفه عن سؤال الناس.
تذكَّر إخوانًا لك مشردين وخائفين تطولهم أيد الظلم في أصقاع شتى من الدنيا.
تذكَّر كل ذلك وجُد بما تستطيع في تلك المواقف، لتحوز رضا الله وإكرامه لك.