الرئيسية / اخبار منوعه / غنيمة العشر الاوائل من ذي الحجة

غنيمة العشر الاوائل من ذي الحجة

أقسم الله – سبحانه و تعالى –بالفجر وأردفها بالأيام العشر،قال تعالى:”وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ”(الفجر:1-2)،وكان القسم بالفجر لأنه هو أخر الليل و

مقدمة النهار لما فى إدبار الليل و إقبال النهارمن الآيات الدالة على كمال قدرة الله تعالى،وأنه وحده المدبر لجميع الأمور الذى لا تنبغى العبادة إلا له،

ويقع فى الفجر صلاة فاضلة معظمة يحسن أن يقسم الله بها ، و لهذا أقسم بعده باليالى العشرة،وهى على الصحيح ليالى عشر رمضان،أو عشر ذى

الحجة،فأنها ليال مشتملة على أيام فاضلة،يقع فيها من العبادات و القربات ما لا يقع فى غيرها وقد ذهب ابن عباس – رضى الله عنهما – إلى أن الليالى

العشر،هى:العشر الأول من ذى الحجة([1]) و القسم بهذه الأيام ـ نهارها و ليلها ـ يدل على فضلها و مكانتها عند الله؛لأن الله لا يقسم إلا بعظيم،و قد

ذكرها -سبحانه و تعالى- ووصفها فى كتابه العزيز بالأيام المعلومات،قال تعالى: “وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ في أَيّامٍ مَعْلُومَاتٍ”(الحج:28) قال ابن عباس- رضي

الله عنهما-:”الأيام المعلومات:أيام العشر”([2])،وقد جاءت الأحاديث الصحاح التى تبين عظم هذه الأيام حتى عد العمل الصالح فيها -أى عمل صالح

بشرط الإخلاص والمتابعة لرسولنا -أفضل من الجهاد فى سبيل الله الذى فرض على هذه الأمة الإسلامية ولا يتساوى الجهاد في سبيل الله مع العمل

الصالح في هذه الأيام إلا في حالة واحدة لا نظير لها وهي حالة المجاهد الذي خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء،فعن ابن عباس – رضي الله

عنها- قال :قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-:”ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه ) . قالوا ولا الجهاد ؟ قال ( ولا الجهاد إلا رجل

خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء “([3]) وهذه الأيام فيها يوم عرفة الذى يغفر الله فيه لعباده، وقد أكمل الله الدين فيه وهى أجل نعمة أنعم الله

بها على عباده،قال تعالى:” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ

غَفُورٌ رَّحِيمٌ”(المائدة:3)،يقول السعدى:”وفي أيام عشر ذي الحجة، الوقوف بعرفة،الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان، فما رئي

الشيطان أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزل الأملاك والرحمة من الله لعباده، ويقع فيها كثير من أفعال الحج والعمرة، وهذه أشياء

معظمة، مستحقة لأن يقسم الله بها”([4]). فهذه الأيام فيض من ربنا المنان الرحمن الذي هو أرحم بعباده من الأم بولدها،لأنه يعلم سبحانه ضعف

عباده،وقصر عمرهم فعوضهم بهذه الأيام المباركة(أيام العشر من ذي الحجة)،فحري على كل عاقل أن يغتنمها،وأن يعيش في ظل نفحاتها،يغتنم فيها

صحته قبل مرضه،وشبابه قبل هرمه،وليعلم الجميع أن المفرطين على أنفسهم المضيعين لأوقاتهم،ولهذه الفرص والمنح الربانية يندمون أشد الندم يوم

القيامة و يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا من أجل أن يعملوا صالحا:” حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا

كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ” (المؤمنون:99-100) بل إن العبد الصالح الذى أطاع الله و بذل غاية جهده فى إرضائه يتمنى كذلك

أن يرجع إلى الدنيا كى يزداد من طاعة الله،لأنه يعلم جيدا أن خير العباد من طال عمره و حسن عمله،من أجل ذلك أثرت أن أقدم باقة من الأعمال

الصالحة التى من الممكن أن تصبح تجارة رابحة مع الله،و يمكن كذلك أن ينشرها كل مسلم بين إخوانه حتى يعم الخير،و من هذه الأعمال:

1- التوبة وإخلاص العبادة لله: إن مقام التوبة لعظيم ،يقول ابن القيم:”ومنزل التوبة أول المنازل وأوسطها وآخرها فلا يفارقه العبد السالك ولا يزال

فيه إلى الممات وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به فالتوبة هي بداية العبد ونهايته وحاجته إليها في النهاية ضرورية كما أن

حاجته إليها في البداية كذلك وقد قال الله تعالى:”وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”( النور : 31)([5]). وإذا نقى الإنسان نفسه من

الذنوب استطاع أن يترقى فى منازل العبودية،ولا يستطيع أن ينتقل من مرحلة إلى أخرى إلا بتجريد الإخلاص لله،قال تعالى:” قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي

وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شريك له و بذلك أمرت و أنا أول المسلمين”(الأنعام:161-162) 2ـ الإكثار من ذكر الله: الذكر أفضل عبادة يتقرب

بها العبد إلى الله،لذا قال تعالى:” وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ” (العنكبوت:45) وذكر الله سبب لفلاح العبد في الدنيا والآخرة،قال تعالى:” وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ

تُفْلَحُونَ”( الأنفال:45)، عن مصعب بن سعد حدثنى أبى قال كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال « أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة

». فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب أحدنا ألف حسنة قال « يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة “([6]). وذكر الله له

فوائد جمة لا تعد ولا تحصى،ولقد ذكر ابن القيم -في كتابه الوابل الصيب- أكثر من سبعين فائدة للذكر,ومن أعظم فوائد الذكر أن الله يذكر من يذكره قال

تعالى:”فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ”(البقرة:152) بل يذكره- سبحانه وتعالى- فى الملأ الأعلى ،كما أن دوام الذكر فى الطريق, والبيت ,

والحضر , والسفر , والبقاع , تكثيرا لشهود العبد يوم القيامة , فان البقعة , والدار ,والجبل, والأرض, تشهد للذاكر يوم القيامة , قال تعالى:” يَوْمَئِذٍ

تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (الزلزلة : 4-5)(3) 3ـ قراءة القرآن و تدبره ومعايشته: حاول أن تعيش مع القرآن فى هذه الأيام،حتى تذكرنا هذه

الأيام بأخواتها(ليالى رمضان) التى رطبنا فيها لساننا بقراءة القرأآن و سمعنا و جوارحنا،وأعلم أن الأمة لن تحقق الرفعة والقيادة إلا بالقرآن”إن الله

يرفع بهذا الكتاب قوما ويضع به آخرين”([7]). فحاول أن تختم القرآن فى هذه الأيام،وتعيش معه قلبا وقالبا. 4ـ الإكثار من النوافل: عن أم المؤمنين أم

حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما ، قالت : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، يقول :” ما من عبد مسلم يصلى لله كل يوم ثنتى

عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا فى الجنة أو إلا بنى له بيت فى الجنة ». قالت أم حبيبة فما برحت أصليهن بعد. وقال عمرو ما برحت

أصليهن بعد. وقال النعمان مثل ذلك “([8]). و هذه النوافل هى: (ركعتان قبل الفجر،أربع ركعات قبل الظهر واثنان بعده،واثنان بعد المغرب،واثنان بعد

العشاء) يضاف إلى ذلك بقية السفن مثل:صلاة الضحى – قيام الليل شرف المؤمنين) – أربع ركعات قبل العصر،حتى يحرم جسدك على النار…

والمداومة على النوافل تجلب الخير للعبد ،حيث إن الله عز وجل يحبه ،ويتولى أمره ،ويكون من أولياء الله الصالحين ،قال تعالى في الحديث

القدسي:”ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي

يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه”([9]). ولو جمعنا الوقت الذى تستغرقه هذه النوافل لا يتجاوز النصف ساعة،بنصف ساعة

ستحصل على محبة الله،و يا عجبا أن كثيرا من الناس يبذلون عمرهم كله من أجل من يحبون من البشر،فهل فعلوا ذلك مع رب البشر؟! 5ـ الصدقة : إن

الصدقة لها تأثير عجيب فى رفع أنواع البلاء،ولو كانت من فاجر أو ظالم،بل من كافر– فما بالنا إذا كانت من مؤمن –،ففى الترمذى عن معاذ بن جبل

قال:كنت مع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فى سفر،فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقال:” ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة ،

والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، وصلاة الرجل من جوف الليل)شعار الصالحين،ثم تلا((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا

وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) (السجدة:16)([10]) و الصدقة تقى الإنسان من النار،قال –صلى الله عليه وسلم –) فاتقوا النار و لو بشق تمرة )

([11]) فليكثر أحدنا من الصدقات على اليتامى و الفقراء و المساكين و الأرامل و المحتاجين. 6ـ الصيام فى هذه الأيام كلها أو بعض منها، فعن ههنيدة

بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبى– صلى الله عليه وسلم– قالت:كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم يصوم تسعا من ذى الحجة) ([12]) 7-

صلاة العيد والاستماع إلى الخطبة وذبح الأضاحي: صلاة العيد واجتماع الناس لإظهار شعائر المسلمين والشعور بفرحة العيد بالبدء بالطاعة والبعد عما

يغضب الله دائما من أهم ما يميز المسلم،ولكن قد يترك بعض الناس صلاة العيد،أو يصلي ويترك الخطبة فيضيع منه الأجر،وفرحة اللقاء بإخوانه. ومن

أجلّ الأعمال – أيضا- في هذه العشر التي يظهر فيها التذلل وتعظيم الرب ذبح الأضحية تقربًا لله، وهي سنة مؤكدة على الصحيح من مذاهب الفقهاء؛لذا

قال سبحانه:? فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ? (الكوثر:2)،وقد ثبت في الصحيحين:”أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده

وسمّى وكبّر، ووضع رجله على صفاحهما”.([13]) فينبغي للمسلم القادر في ماله أن لا يفرط في هذه الشعيرة العظيمة متى ما كان الأمر متيسرًا له؛

لأنها سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وواظب عليها نبينا محمد اتباعًا له، وحضَّ عليها وشدد في تركها. و أخيرا حاول أن يراك الله فى هذه

الأيام –و فى غيرها –على طاعة،وقدم لنفسك،وإذا كان هذا اهتمامك بالنوافل و السنن فليكن اهتمامك أكثر بالفرائض (المحافظة على الصلاة،أداء

الزكاة،برالوالدين، صلة الأرحام وغير ذلك من الفرائض). واعلم أن العبد إذا قدم الخير فى هذه الدنيا–ولا عذر له عند الله،حيث هيأ الله له الزمان و

المكان–سوف–يجد هذا الخير محضرا يوم القيامة عند الله،بل و أعظم مما تتخيل،قال تعالى:” وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً

وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ “(المزمل:20)

الهوامش: [1] ) الدر المنثور في التأويل بالمأثور 10/254،للإمام السيوطي.

2) تفسير ابن كثير 1/560.

3 ) أخرجه البخاري في كتاب العيدين باب فضل العمل في أيام التشريق.

4 ) تفسير السعدي 1/923.

5 ) مدارج السالكين ،لابن القيم 1/178.

6 ) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة باب فضل التهليل والتسبيح
والدعاء.

7 ) رواه مسلم في صلاة المسافرين باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها.

8 ) رواه مسلم في صلاة المسافرين باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن

9) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب التواضع.

10) رواه ابن ماجه ،قال الشيخ الألباني : صحيح

11 ) متفق عليه.

12 ) رواه أبو داود ،وقال الشيخ الألباني : صحيح.

13) متفق عليه،وعلى صفاحهما أي على صفحة العنق منها وهي جانبه فعلى ذلك يكون أثبت وأمكن لئلا تهرب الذبيحة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *