الرئيسية / مـنـوعـات / حِكَمِ فريضة الحج التي فرضها الله علينا

حِكَمِ فريضة الحج التي فرضها الله علينا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ بعض الإخوة الأكارم رَغِبَ أن يكون موضوع هذا الدرس عن حِكَمِ فريضة الحج التي فرضها الله علينا، وكنت قد ذكرت في الخطبة يوم الجمعة بعضاً من هذه الحِكَم، وأنا أستجيب لهذه الرغبة، فأجعل جُلَّ هذا الدرس أو بعضه بحسب التيسير في موضوع الحج.
بادئ ذي بدء أقول: الإسلام عقيدةٌ وشريعة، لخَّصها الله سبحانه وتعالى في آيةٍ واحدة، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
( سورة الكهف: من آية ” 110 ” )
هذه العقيدة ” لا إله إلا الله ” فلو ضغطتها كلها ضغطاً كثيفاً كثيفاً، لانتهت بقوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد: من آية ” 19 ” )
لذلك قال العلماء: نهاية العلم لا إله إلا الله، هي كلمةٌ خفيفةٌ على اللسان، ثقيلةٌ في الميزان.
وهنا نقطة دقيقة أتمنى على الله عزَّ وجل أن يوفقني إلى توضيحها، وهي أنّ فهم الآية شيء، وأن تكون في مستواها شيءٌ آخر، بل شتانَ بين فهم الآية وأن تكون في مستواها، فقد تفهم قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
ولكن إذا كنتَ في مستواها فإن إيمانك بهذه الكلمة، أو بأنه لا إله إلا الله يحملك قطعاً وحتماً على طاعة الله، فمن كان في سلوكه خَلَل ففي عقيدته خلل و، من كان في سلوكه معصية فإيمانه بأنه لا إله إلا الله لم يُسْتَكْمَل بعد، فنحن إذا قسَمنا الإسلام إلى عقيدة، فهذه العقيدة تنتهي بقول لا إله إلا الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ لا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلا تَتْرُكُ ذَنْبًا ))
( سنن ابن ماجة: عَنْ ” أُمِّ هَانِئٍ ” )
وإذا تركنا العقيدة جانباً، فهناك جانب العبادات التي تتمثَّل بقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾
( سورة الكهف )
في الإسلام جانب نظري، وجانب إعتقادي، وجانب فكري، وجانب عقلي هذه كلها مرادفات، وفي الإسلام جانب سلوكي،وجانب عملي تطبيقي، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال يؤكِّد ذلك:
(( تعلموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ))
وقال أيضاً:
(( كل علمٍ وبالٌ على صاحبه ما لم يعمل به ))
ف جانب العمل قَسَمَهُ العلماء قسمين، عباداتٌ ومعاملات، علاقتك مع الله تنظِّمُهَا العبادات، وعلاقتك مع الناس تنظمها المعاملات، لذلك فأحكام البيع والشراء، والزواج والطلاق، والإيجار والشرِكات، والمُضاربة، المُزارعة والمساقاة، وأحكام الوديعة واللقطة والأيْمَان، كل هذه الأحكام مهما اتسعت، وتعددت، وتشعَّبت فإنها تنضوي كلها تحتها تحت عنوان المعاملات، وهي علاقتك بالخلق.
أما علاقتك بالحق فهذه تنظمها العبادات، وفي مقدمتها الصلاة، والصلاة في كل مكان وزمان، في الصحة والمرض والغنى والفقر، وفي الحَضَر والسفر، فلا يمكن أن ينقطع الإنسان عن الصلاة إلا في حالتين ؛ الإغماء والجنون، ولو كان في مرضٍ شديد فله أن يصلّي بالإيماء، أو بجفنه، أو بعينه.
قلت لكم قبل قليل: الله سبحانه وتعالى أمرنا بأوامر بعضها عبادات وبعضها مُعاملات، والمعاملات جاءت أحكامها الكُلِّيَةَ في كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله، وجاء العلماء المجتهدون فاستنبطوا الأحكام التفصيلية من هذه النصوص الكلية فكان الفقه، فالفقه هو أحكامٌ مستنبطةٌ من الكتاب والسُنَّة، والفقه أحكام اجتهادية، وأما العبادات فأحكام الله التي أَلْزَمَ عباده بها، فالصلاة مثلاً ” الصلاة عماد الدين من أقام فقد أقام الدين “، فهدف الصلاة أن تصل بها إلى الله، والصيام لعلكم تتقون، وهو أن تصل به إلى الله، والصلاة عبادة بدنية، والصيام عبادة بدنية، أما الزكاة فعبادةٌ مالية، وأما الحَج فهو عبادةٌ بدنيةٌ، وماليةٌ، وروحيةٌ، مكانيةٌ وزمانيةٌ في وقتٍ واحد، ويبدو أنالحج من أعلى العبادات مستوىً، لأسبابٍ كثيرة..
بادئ ذي بدء، الله سبحانه وتعالى خلق الكون لنستدلَّ به على ذاته، وعلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، فالكون تجسيدٌ لأسمائه الحسنى ولصفاته الفضلى، ومن أسمائه العليم، فهو العليم الحكيم، وهو الرؤوف الرحيم، وهو القدير الغني، وهو السميع البصير، فكل هذه الأسماء الحسنى لا بدَّ أن تعرفها من خلال الكون، فالكون دالٌ على عظمته، والشيء الثاني أن العبادات لو تأمَّلت فيها تأمُّلاً صحيحاً، لكان هذا التأمُّل طريقاً إلى معرفة الله سبحانه وتعالى.
فالحج بشكلٍ مختصر أن الله سبحانه وتعالى يقول لك: أن يا عبدي تعالَ إليّ أمَّا الصلاة، فصلِّ وأنت في بيتك، وأنت في بلدتك، وأنت بين أهلك، وأنت في مجتمعك وأنت بين قومِك، والزكاة، ادفع من مالك، والصوم، دعِ الطعام والشراب، لكن الحجَّ تعالَ إليّ، كما قال الله عزَّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم:
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) ﴾
( سورة الصافات )
إنّ الإنسان يسافر بدافع التجارة، وقد يُسافر بدافع التعلم، وقد يسافر بدافع الإستجمام والسياحة، فالحج بشكلٍ أو بآخر رحلةٌ إلى الله عزَّ وجل، تعالَ إليّ واترك همهومك دع عنك هذه الشهوات التي أثقلت ظهرك وتعال إليَّ، دع هموم المعاش في بلدك وتعالَ إليّ، دع هموم العمل في بلدك وتعالَ إليّ، دع هموم صحَّتك في بلدك وتعالَ إلي، وأكثرُ الذين حجوا بيت الله الحرام يؤكِّدون هذه الحقيقة، وهذه حكمة الله البالغة ؛ أن الهموم التي يحملها الإنسان في بلده سواءٌ أكانت هموم المعاش، أو هموم العمل، أو هموم الأُسرة، أو هموم الصحة، ُيجَمِّدُها الله سبحانه وتعالى كلها، ويريحك منها ما دمت في ضيافته في بيت الله الحرام، فهذه فرصة للإنسان لكي ينسلخ عن هموم الدنيا، خلِّ عنك وتعالَ، دع عنك الهموم كلها، تعالَ إليّ يا عبدي، فهو أمر إلهي، وخالق الكون يقول لك:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾
( سورة آل عمران: من آية ” 97 ” )
تترك أهلك وولدك، وتتحمل مشاق السفر، وتنفق من مالك عشرات الألوف من أجل أن تلبِّي هذه الدعوة، ثم ترجع كما ذهبت ؟ هذا مستحيلٌ في حق الله عزَّ وجل، ولا تصدِّق أن إنساناً يترك بيته وأهله وبلده وعمله، ويدفع عشرات الألوف، ويتحمَّل المخاطر والازدحام والحَرَّ من أجل أن يتواجد جسمياً في عرفات، أو من أجل أن يطوف حول الكعبة طوافاً مادياً أو من أجل أن يسعى بين الصفا والمروة سعياً مادياً، فالله سبحانه وتعالى جلَّ وعلا أن يكون أمره كذلك.
قال لك: تعالَ إليّ لأذيقك طعم القرب، تعال إليّ لتعرف طعم المحبَّة، تعال إلي لترى أن الله عزَّ وجل هو كل شيء.. وأن كل شيء سوى الله باطل، وأن كل نعيمٍ لا محالة زائل..
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل وكل نعم لا محالة زائل
فالحج فرصةٌ واحدة في العمر، وقد تكررها مراتٍ كثيرة بحسب الذي حَصَّلْتَهُ في هذه المرة.
إذاً يجب أن نستنبط عظمة الله عزَّ وجل لا في خلقه فحسب، بل في تشريعه وليس في تشريعه فحسب، بل في عباداته، ولا في الصلاة والصيام والزكاة فحسب، بل في الحج.
فلو أن إنساناً كان بعيداً بُعداً كبيراً عن الدين، ورأى الحجاج يطوفون ويسعون ويرجمون، ولم يعرف الأحوال النفسية التي ترافق هذه المناسك لظنَّ بالحج الظنون، إذاً أول شيء كما أن الكون خلقه -هذه الكلمة دققوا بها – ومن خلال الكون تتبدَّى عظمته، كذلك هذه العبادة أمره ومن خلال هذه العبادة يجب أن تتبدَّى عظمة الله عزَّ وجل، سواءاً بسواء.
فالله عزَّ وجل حينما قال لك: تعال إلي قطع عنك الهموم، وحينما أمرك أن تنفق من مالك الحلال من أجل أن تصل إلى بيته الحرام، جعلك تنفق من أجله حتَّى تُحِسَّ أن لك عنده حظوة، فإذا دعوت إنسانًا وتكلَّفتَ في الدعوة تشعر أنك قدَّمت له شيئًا، والله عزَّ وجل غني عنك..
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾
( سورة الحج: من آية ” 37 ” )
فقد أمرك أن تبتعد عن مكان الهموم، وعن هموم المعاش، وهموم العمل والأسرة، والصحة، وقال لك: تعالَ، وأنفق أجرة الطريق، ورسم الدخول، وأجرة الإقامة وثمن الطعام والشراب، وثمن الهدي، وبهذا الإنفاق تشعر أنك قدَّمت شيئاً، كأن الله عزَّ وجل يعينك على أن تُقبل عليه، فيقدِّم لك المبرر والمسوِّغ كي تُقبِل عليه، إذاً حكمة هذه العبادة أنْ تغادر بيتك، وبلدتك، ومكان إقامتك، وأهلك، وزوجتك، وأولادك، وعملك، وعزك، وشأنك وجاهك، وهذه الأشياء التي تَسْعَد بها دعها كلها وتعالَ إليّ، هذا أول معنى، تركتها وتجشَّمت مشاق السفر، فشعرت أن لك عند الله حظوة، وكأن الطريق إلى الله عزَّ وجل صار سالكاً وأبواب السماء قد فُتِحَت لك، حتّى أصبح الإقبال على الله ميسراً لك، وكأن أنوار الله عزَّ وجل أصبحت قريباً منك، وأصبحت المناجاة في مقدورك وكأنك تصنعها، وكأن القرب والإقبال أصبحا قريبي المنال، هذا هو المعنى الأول.
فقد حملك على أن تقبل عليه، فحملك على أن تَنْعُمَ بقربه، ثمحملك على أن تسعد بالاتصال به، فهذا هو المعنى الأول.
أما حينما أمرك أن تُحْرِم هناك، وأن تدخل بيته الحرام من المواقيت مُحرماً وخلعت عنك الثياب المخيطة، فلو أن الحج سُمِحَ فيه بالثياب، لجاء هذا بالزي الفلاني، وهذا بالثوب الفلاني، وهذا الثوب غالي الثمن، وهذا ألوانه زاهية، وهذا خيط خياطةً راقية، لعادَ التفاوتُ بين الناس، ويعود النظر إلى ما عند الناس، فأمَرَك أن ترتدي ثوبين أبيضين بسيطين غير مخيطين من أجل شيءٍ واحد ؛ من أجل أن يكون الناس كلهم سواسيةً في نظر الله عزَّ وجل وهم كذلك، لذلك فلا فرق بين الكبير والصغير، ولا الغني والفقير، ولا الذي له سيطٌ ولا خامل الذِكْر، الكل عند الله سواء، كأن الله يشعرك أن يا عبدي هناك رحلةٌ أخيرة تُنزَع منك كل هذه الأقنعة المُزَيِّفة، فالمال تتركه والجاه والأهل تتركهم، وكذا الزوجة والأولاد، وكل الميزات التي تنعم بها في بلدك لا بدَّ من التخلِّي عنها، إذاً كأن الحج رحلةٌ قبل الأخيرة.
في الرحلة الأخيرة تدع كل شيء بلا عودة، إنها مغادرةٌ بلا عودة، لكن الرحلة قبل الأخيرة مغادرةٌ موقوتةٌ مع العودة، من أجل التدرُّب على الرحلة الأخيرة التي لا عودة فيها فدع عنك الدنيا قبل أن تدعك، دعها عنك قبل أن تدعك هي، وتخلَّ عنها قبل أن تتخلى عنك اعرِفْ حقيقتها قبل أن تصطدم بها، هذا هو حجمك، عبدٌ ضعيفٌ فقيرٌ، أشعث أغبر ذو طمرين يقف على أرض الله الواسعة في الموقف في عرفات، أو حول البيت الحرام، أو بين الصفا والمروة، عبد حجمك صغيرٌ، وشأنُك حقير، فهذا الحجإن صح التعبير يُحَجِّمُ الإنسان، يريه حقيقته كما، قال الله عزَّ وجل:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾
( سورة الأنعام: من آية ” 94 ” )
لقد تركت هموم المعاش، وتجشَّمت مشاق السفر، وخلعت عنك كل الزينة هذه كلها تمهيدات لإِحكام الصلة، لأن الإنسان قد يصلي في بلده، قد يصلي صلاةً شكلية، ويعيقه عن هذه الصلاة همومه، ومشكلاته، أو دنياه، وقد يُعيقه ماله، أوشأنه، فالله عزَّ وجل أعانك على نفسك في الحج، وقال لك: تعالَ إليّ لأحُطَّ عنك ذنوباً أثقلت ظهرك، لذلك ” إذا رجع العبد إلى الله عزَّ وجل نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله “.. فبشكل أو بآخر الحج صُلْحٌ مع الله، بالتعريف الدقيق هو صلحٌ مع الله.
فإذا صالحت إنسانًا له شأن لم تَنَمْ من فرحك، وأحياناً يصالحُ إنسانٌ زوجتَه فيقول لك: الحمد لله كابوسٌ زال عني، أو إذا هي صالحته، يقول لك: يا أخي الحمد لله الأمور رجعت إلى مجاريها، فكيف إذا صالحت رب السماوات والأرض ؟! كيف إذا صالحت من بيده ملكوت كل شيء، من بيده أمر حياتك وموتك، إذا صالحته فهنيئاً لك، فالحج مشروع صلح مع الله.
لكن أيها الإخوة الأكارم ؛ والله الذي لا إله إلا هو كما ذكرت لكم في درس العقائد قديماً أن في الكون شيئًا واجب الوجود، وممكن الوجود، ومستحيل الوجود، فالله سبحانه وتعالى واجب الوجود، ونحن من باب ممكن الوجود، أما المستحيل فأن يكون مع الله إلهٌ آخر وهذا مستحيل، بل من هذه المُستحيلات أن تذهب إليه ولا يكرمك ..
” إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثم زارني، وحُق على المزور أن يكرم الزائر “.
فالإنسان ذاهبٌ إلى بيت الله، لا يبتغي إلا الحج، لا يبتغي شيئاً آخر من حطام الدنيا، فإذا ذهبت كذلك فمن المستحيل على الله عزَّ وجل أن ترجع بِخُفِّي حُنَيْن، بل لا بد أن ترجع إلى بلدك وقد جبرك الله عزَّ وجل، جبر كسرك، وحقق رغبتك، وأعانك على أمر دينك ودنياك.
هناك تشبيهٌ رأيته مناسباً لهذا المقام، وكأنك إذا ذهبت إلى هناك..
(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))
( صحيح البخاري: عن ” أَبَي هُرَيْرَةَ ” )
كأنك فتحت مع الله صفحةً جديدة بيضاء، وانتهى الحساب، ودخلتَ في مسامحة وعلى كلٍّ انتهى الحساب القديم ، وفُتِحت صفحةٌ بيضاء، وهل من شعورٍ أعظم عند المؤمن من أن تفتح لك مع الله صفحةٌ جديدة ؟ إذاً أنت الآن عُدْتَ من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، وهذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه، إنه الإحساس بامغفرة الله عزَّ وجل لك، ومغفرة الله عزَّ وجل لا يعرفها إلا من ذاقها.
شيء آخر قد بدا هو أن الحج بشكل يغلبُ عليه أنه دعاء كله، ففي طواف القدوم دعاء، وفي السعي بين الصفا والمروة دعاء، وفي الإقامة بمنى دعاء، وفي الوقوف بعرفة دعاء، وفي الوقوف بمزدلفة دعاء، وفي أثناء رمي جمرة العقبة دعاء، وفي طواف الإفاضة دُعاء، وفي الإقامة بمنى في أيام النحر وأيام التشريق ورجم الجمرة الأولى والثانية والكُبرى دعاء، وفي طواف الوداع دعاء، وكما قال عليه الصلاة والسلام:
(( الدعاء هو مخ العبادة))
إنّ مخ العبادة الدعاء، فإذا دعوته لا بدَّ أن يستجيب لك، فإذا كان الدعاء مستجابًا وأنت في بلدك، فكيف بالدعاء وأنت في بيته ؟ فإذا طلبت من إنسان وأنت في ضيافته حاجة، أعتقد اعتقاداً جازماً أن إمكان تلبيتها مئةٌ في المئة، فأنت في بيته، وفي إكرامه وضيافته لذلك فالإحساس بأنك ضيف الله عزَّ وجل، ضيف الرحمن، هذا الإحساس صارخ، وتستطيع أن تحسَّ به وأنت هناك في بيت الله الحرام.
وثمّة شيء آخر، أنك إذا ذهبت إلى هناك لا ينبغي أن تشعر أنك قد حججت البيت، لا، ينبغي أن تشعر أن الله عزَّ وجل جلَّ وعلا سمح لك أن تزور بيته، وشرَّفك وتفضَّل عليك بأن أعانك على زيارة بيته، وهذا الشعور يجب أن يكون واضحاً عند الحاج، لأنك إذا قلت: يا رب لقد شرَّفتني بزيارة بيتك الحرام، وهذا كرم منك، فقد أكرمك الله بزيارته وبتجلِّيه على قلبه.
فلذلك هذه الأحوال التي يعانيها الحاج لا أقول لكم: إن قلةً قليلةً يعانيها، لا والله كل حاج، لأنّ رحمة الله وفضله يسع كل عباده، بشرط واحد أن يكون الانطلاق إلى الحجبإخلاص، لا تبتغي لا سمعةً ولا رياءً، ولا زينةً ولا وجاهةً، ولا تجارةً ولا عملاً، ولا إقامةً ولا ولا، فإذا كان الهدف خالصاً لوجه الله عزَّ وجل، فهو سبحانه وتعالى يتكفَّلُ أن يُكرمك إكراماً لا تنساه مدى الحياة.
فأنت إذا طُفْتَ حول الكعبة، تدعو الله عزَّ وجل: ” ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار “.
ماذا بقي ؟ في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، هذا الدُعاء الذي أُثِرَ عن النبي عليه الصلاة والسلام ادعُ به:
((اللهم إنك عفوٌ كريم تحب العفو فاعفُ عني يا كريم))
هو يحب أن يعفو عنك، وها أنت ذا تطلب منه العفو، إذاً لا بدَّ أن تشعر بالعفو وكما قلنا قبل قليل: فتحت لك مع الله صفحةٌ جديدة، فإذا قلت:
(( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها مردي ))
وإذا قلت:
((واجعل الحياة زاداً لي من كل خير ))
فما دامت الحياة فيها زيادةٌ لي من الخير فأحيني يا رب..
(( واجعل الموت راحةً لي من كل شر ))
تشعر أن حياتك خير، وأن انتهاء الحياة خير،ف هذه الأدعية في بيت الله الحرام أو عند النبي العدنان تحس أن لها وَهْجًا، لأنك لو دعوت بها آلاف المَّرات وأنت في بلدك لا تذوق طعمها، إلا إذا دعوت بها وأنت في بيته، وأنت في في ضيافته، وأنت متعرضٌ لكرمه في الطواف دعاء، فإذا وصلت إلى الحجر الأسود، والنبي عليه الصلاة والسلام قّبَّلَ الحجر الأسود وبكى كثيراً، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
(( اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ ))
( سنن ابن ماجة )
لذلك أجمع أهل العلم على أن الحجر الأسود يمينُ الله في أرضه، لذلك عند تقبيله تدعوا وتقول:
(( بسم الله الله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، ووفاءاً بعهدك، وعهداً على طاعتك ))
لكن أيها الإخوة الأكارم ؛ أتمنى أن كل من أتيح له أن يقبِّل الحجر الأسود أن لا ينسى هذا التقبيل طوال حياته، كلما شعر بالتقصير تذكَّر أنّه قبَّل الحجر الأسود، وعاهد الله عزَّ وجل على طاعته، فهل أنت في مستوى هذه الطاعة ؟ وهل أنت ذاكرٌ لهذا العهد ؟ “عهداً على طاعتك”، فكلما قطعتَ شوطاً وقفتَ أمام الحجر الأسود، وسرتَ أمامه عَرْضَاً، وقلت: بسم الله الله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، واتباعاً لسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم ووفاءاً بعهدك، وعهداً على طاعتك “، وبعد هذا الطواف الذي هو سبعة أشواط، تتوجَّهُ إلى المسعى، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ” بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ بما بدأ الله به “.. تتلوا قوله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾
( سورة البقرة: من آية ” 158 ” )
وأيضاً في الطواف دعاء، فالله عزَّ وجل أعطاك أمكنة، وحركات يجب أن يرافقها الدعاء، فهل أنت في مستوى الدعاء ؟ لذلك إذا أزمع الإنسانُ الحجَّ فأنا أنصح له أن يكثر من حفظ الأدعية، لأنك لو فتحت الكتاب هكذا فإنّ رونق الدعاء يتلاشى، وروحانية الإقبال تذهب، ، وهناك أشخاص يفتحون الكتاب ويرفعون أصواتهم بالدعاء إلى درجة أنهم يشوِّشون على كل من يسعى ويطوف، وهناك من يرفع صوته ليرُدَّ النساء خلفه، وصوت المرأة عورة لذلك تفقهوا قبل أن تحُجّوا، فيجب أن تدعو من ذاكرتك، فإذن أعدَّ الإنسانُ نفسَه قبل الحج بشهرين أو ثلاثة، وجمع الأدعية كلها، وحفظها إلى درجة أنه أصبح يدعو بها من ذاكرته وقلبه فعندئذٍ يستطيع أن يلتفت إلى الله، أما إذا فتح الكتاب وفُتِحت ورقة معه بالخطأ فغيَّر، فإنّ هذا الحال الطيب الذي يظن أنه سيصل إليه قد يتفلَّت منه.
ثم إن الدعاء إذا تعلمته أو أمسكت بهذا المفتاح السحري، فإنّه أكبر سلاح، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ” الدعاء سلاح المؤمن “.
لأنك بالدعاء تنتصر على أقوى إنسان، لأن الله معك، قال له: “يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ” ما قولك ؟ وما ظنك بإنسان الله سبحانه وتعالى معه ؟ فإذا دعوت الله في الحج ينبغي أن يصبح الدعاء رفيقاً لك في بلدك، كلما واجهتك مشكلة، أو ألمَّت بك مُلِمَّة أوشعرت بالضيق، أو لاح لك شبحُ مصيبة، أو أخافك إنسان، أو أوقعك القلقُ في شعورٍ وحزن، في هذه الحالات ادعُ الله عزَّ وجل..
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾
( سورة غافر: من آية ” 60 ” )
لا تسألن بُنَيَّ آدم حاجـــةً وسل الذي أبوابه لا تُحجَبُ
الله يغضب إن تركتَ سؤاله وبُنَيَّ آدم حين يُسألُ يغضب
إنَّ العبدَ إنْ سألته يغضب، أما الله عزَّ وجل فيغضب إن تركت سؤاله.
فالطواف إلى صلاة ركعتين في مقام سيدنا إبراهيم، وأكثر الحجَّاج يصرون على أن يصلُّوا خلف المقام، وفي أيام الطواف الشديد يصبح هذا المصلي عقبةً كؤودًا أمام الطائفين، مع أن العلماء أجمعوا على أن أي مكانٍ في الحرم المكي الشريف صالحٌ لصلاة ركعتين بعد الطواف، فهناك أشخاص يضعون حواجز من أجل أن يصلي بعضهم في هذا المقام في ازدحام وتعسر، فهذا الذي يذهب إلى هناك من دون فقه يؤذي المسلمين كثيراً.
فأنا اصبحت أُلِحّ كثيراً على أن الإنسان ينبغي أنُ يفحَص قبل أن يذهب إلى الحج هل تعرف مناسك الحج وواجباته وأركانه والسنن المُستحبات ؟ فمن أجل أن يفعل سنة يرتكب معصيةٌ كبيرة، أهكذا الحج ؟ من أجل أن تُقَبِّل الحجر تؤذي عشرات المسلمين، أبهذا أمرك النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فلذلك: ” تفقهوا قبل أن تحجوا “.
قلت في نفسي: إن الحج يحتاج إلى إعدادين ؛ إعداد فقهي، وإعداد نفسي فالإعداد الفقهي يجب أن تدرُسَ أحكام الحج الكُبْرَى والفرعية، إلى أن تصل إلى دقائق الأعمال لأنك هناك قد تواجه مشكلة، ما حكمها، أعليها دم ؟ أهي سنةٌ أم هي واجبٌ ؟ هل عليَّ شيءٌ ؟ أم لا شيء عليَّ ؟ هذا الأمرُ ينبغي أن يكون واضحاً عند كل أخ، فلا بدَّ من أن يتلقَّى دروساً مكثفةٌ في أحكام الحج، وأركانه، وواجباته، وسننه، ومستحبَّاته، وآدابه، وحكمته، من أجل أن تكون هذه المعلومات زاداً للأخ الذي يحجُّ البيت، أما الإعداد النفسي فأنْ تكون قد أَنَبْتَ إلى الله إنابةً صحيحة، وتبتَ إليه من كل الذنوب، فتوبتك واستقامتك، وعملك الطيِّب وتحرِّيك المالَ الحلالَ هو الإعدادُ النفسي للحج، لذلك قال الله عزَّ وجل في الحديث القدسي:
(( إذا أصححت لعبدي جسمه، ووسعت عليه في المعيشة، فأتت عليه خمسة أعوام لم يَفِد إليَّ لمحروم ))
الإمام البوصيري رضي الله عنه قال واصفًا النبي عليه الصلاة والسلام:
خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المُفْرَدِ العلم
في هذا البيت في حقيقتان ؛ أولاً: في بالقرآن آيةٌ واحدة أضاف الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذاته، قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾
( سورة الجن: من آية ” 19 ” )
من هو عبد الله ؟ إنه النبي عليه الصلاة والسلام، أضافه اللهُ إلى ذاته، لذلك قال البصيري:
خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديت بالرفع مثل المفرد العلم
وقد خاطب الله عزَّوجل الأنبياءَ بأسمائهم صراحةً، فناداهم بأسمائهم..
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ﴾
( سورة مريم: من آية ” 7 ” )
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
( سورة المائادة: من آية ” 116 ” )
لكن الله عزَّ وجل لم يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام إلا باسمين ؛ يا أيها النبي، ويا أيها الرسول، ولم يقل له: يا محمد، ولقد ذكر اسمَه في معرض الإِخبار، لا في معرض النداء، فقال تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾
( سورة الفتح: من آية ” 29 ” )
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾
( سورة الأحزاب: من آية ” 40 ” )
أما إنّه لم يقل له: يا محمد..
خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ نوديتَ بالرفع مثل المفرد العلم

وقياساً على هذه الحقيقة، فقد أضاف الله عزَّ وجل البيت الحرام إلى ذاته فقال:

﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) ﴾
( سورة البقرة )
إذاً الكعبة المُشَرَّفة أضيفت إلى الله عزَّ وجل، فهي أقدس مكانٍ على وجه الأرض، والصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وهذا الشيءُ – سبحان الله – ملموسٌ لأنّ الإنسان أحياناً حتى تنعقد الصلة يحتاج إلى بذل جهد كبير، وهناك في بيت الله الحرام بجهدٍ بسيط تنعقد هذه الصلة، فكأن الله عزَّ وجل أزال الحُجُب، وكما يقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي عن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
( من صحيح مسلم : عن ” أبي هريرة ” )
وفي حديث آخر:
(( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))
( صحيح البخاري : عن ” أبي هريرة ” )
وكأن الله سبحانه وتعالى هنا نزل إلى السماء الدنيا، وخاطب عباده فغفر لهم ورحمهم، وقذف في قلبهم النور، وتجلَّى عليهم، فسَعِدوا وأسْعَدوا.
فلا أريد أن أطيل عليكم، فمن ذاق عرف، ومن سار على الدرب وصل، ومن توجَّه إلى بيت الله الحرام فلا بدَّ أن يعود وقد امتلأ قلبه محبةً لله عزَّ وجل.
وشيء آخر أنّ الله عزَّ وجل في عرفات يُباهي الملائكَةَ، فيقول: “انظروا عبادي، جاءوني شعثاً غبراً، فاشهدوا أني قد غفرت لهم “، فلا يستطيع الإنسان بعرفات أن يكون في حالة غفلةٍ، لأن هذا اليوم كما قال عليه الصلاة والسلام:
((أشرف يومٍ في السنة))
فأشرف الشهور رمضان، وأشرف أيام السنة يوم الموقف.. عرفات.. وأعظم أيام الأسبوع يوم الجمعة، فالجمعة أشرف أيام الأسبوع، ورمضان أشرف أشهر السنة والموقف في عرفات، أشرف أيام السنة قاطبة، فلذلك حينما يأتي الإنسانُ وكأن عرفات موعد اللقاء الأكبر مع الله عزَّ وجل..
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾
( سورة البقرة: من آية ” 198 ” )
كما هداكم إليه، فهذه المناسك المتنوعة ؛ من طوافٍ، إلى سعيٍ، إلى صلاةٍ إلى وقوفٍ في عرفة، إلى وقوفٍ في مزدلفة، إلى رمي الجمار، هذه المواقف المتعددة جعلها الله عزَّ وجل مناسبةً كي تقبل عليه منها، فإذا وصل الإنسان إلى رمي الجمرات، وقد سألني أخ كريم فقال لي: والله أنا لما حججت لم يستقِم الرميُ معي، بعض الحصيات وصلت، وبعضها لم يصل، بعضُها كبير، وبعضُها صغير، يا ترى يصح رجمي ؟ سبحان الله، خطر ببالي هذا الخاطر فقلت له: لو اخترت حصيات في وزنٍ واحد، وكان الوزن مناسباً، ووقفت أمام مكان الرمي، ورميت وفق الأصول الشرعية مئةً في المئة، وأصبت المرمى إصابةً صحيحة، وعدتَ إلى بلدك، وعصيت الله عزَّ وجل، فإن الشيطان هو المنتصر، فمهما أتقنت رمي الجمرات وعصيت الله عزَّ وجل فالشيطان هو المنتصر، فإذا أطعتَ الله عزَّ وجل بعد الحج، فأنت المنتصر، لذلك قال الإمام الغزالي: ” لا يحصل إرغام أنف الشيطان إلا بطاعة الله “.
فأنت مِن الآن إذا أردت أن ترغم أنفه من دون أن ترجمه فأطع الله عزَّ وجل وأنت في بلدك، وانتهى الأمر، طاعتك لله عزَّ وجل وأنت في بلدك إرغامٌ لأنف الشيطان، عليه لعنة الله.
شيءٌ آخر، أن الإنسان حينما يرجم الشيطان يشعر أن هذه المعرفة التي حَصَلَت له تقتضي معاداة الشيطان، وهذه المعرفة التي حصلت له من لوازمها الحقيقية أن تعاديَ الشيطان، وأن تبعدهُ عنك، وعن خواطرك، وسلوكك، وعاداتك، وعن كل أعمالك اليومية ولا أملك إلا أن أقول لكم: من ذهب إلى بيت الله الحرام مخلصاً بهذا الذهاب، ومن أحرم من الميقات، وضبط نفسه..
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾
( سورة البقرة: من آية ” 197 ” )
ومن سعى وطاف وصلى ووقف ورمى، وأقام بمنى، فهذه المشاعر لا بدَّ أن تكون بالنسبة إليه معالم الهُدَى التي ينتظرها من الله عزَّ وجل، وبعد الحج إذا توجَّهَ إلى الحرم النبوي الشريف، فالمشاعر هناك من نوعٍ آخر، أي إن هذا الهدى كان على يد النبي عليه الصلاة والسلام.
قلت لكم يوم الجمعة في الخطبة أن العتبي وهو أحد التابعين كان في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام أمام حجرته الشريفة، فجاء أعرابي وسلم على النبي عليه الصلاة والسلام وقال: أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة وجاهدت في الله حق الجهاد، وبعدها قال: يا رسول الله سمعت الله يقول:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) ﴾
( سورة النساء )
وها أنا ذا يا رسول الله قد جئت إليك فاستغفر لي الله عزَّ وجل، يروى أن هذا التابعي الجليل العُتبي أدركته سنةٌ من النوم، فنام، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام يقول له:
(( يا عُتبي الْحَقْ الأعرابيَّ ويشِّره أن الله قد غفر له ))
يقول العالم ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) ﴾
هذه الآية تَصِحُّ بعد وفاة رسول الله، فتصحُّ في حياته، وتصح بعد مماته، فكل إنسانٍ ضاقت به الدنيا، وضعفت حيلته، أو أخافه شيء، أو أقلقه شيء، إذا ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتلا هذه الآية:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) ﴾
هذا الأعرابي قال بيتين من الشعر:
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنـــه فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ
وقد سمعت من أناس كثيرين، واللهِ وهم صادقون أنَّ أشياء كثيرة أقلقتهم، فلما وقفوا أمام قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وتلوا هذه الآية، واستشفعوا به، فَرَّجَ الله سبحانه وتعالى عنهم كربهم، وما هم فيه.
وتعليل هذه القصة أن الأب أحياناً يريد أن يقيم علاقةً طيبةً بين ابنه وأمه، فإذا سأل الابن أباه شيئاً فإنَّه يُمَكِّن الأمَّ من تلبية هذه الرغبة، وبهذا تنمو العلاقة الطيِّبة بين الأم وابنها، فالله سبحانه وتعالى إذا وقع الإنسان في ضيق، فوقف أمام هذا القبر العظيم، أمام مقام رسول الله عليه أتم الصلاة و التسليم، فإنّ الله يكرمه إكراماً لهذا النبي، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام عن نفسه:
(( أنا حيٌ طري في قبري ))
وقال:
(( حياتي خيرٌ لكم ومماتي خيرٌ لكم ))
والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *