الرئيسية / مـنـوعـات / سر اختيار الجزيرة العربية

سر اختيار الجزيرة العربية

سر اختيار الجزيرة العربية
البيئة، الوثنية، النار
اقرأ وتأن ولا تستعجل سترى في المقال العجب والله الموفق ( هذه الجملة بقلمي ناقل المبحث )

توطئة:
ثَمَّةَ أسرارٌ كثيرة لا يستطيع العلماءُ حصرها في اختيار الله – عزَّ وجلَّ – لتكون الجزيرةالعربية مَهْدَ آخر رسالات السَّماء، وآخر إشارات بزوغ الفجر الجديد.

إنَّنا حين نتأمل ما جاء عن مكَّة في الإصحاح الستين من سفر أشعيا في الفصل الثاني والعشرين ما نصه: “قومي استنيري فنورك جاء، ومجد الرَّب أشرق عليك، ها هو الظلام يغطي الأرض، والسواد الكثيف يشمل الأمم، أما عليك فيشرق الرب، كنت مهجورة مكروهة، لا أحدَ يعبر فيك، والآن أجعلك فخر الدُّهور، وبهجة جيل فجيل، لن يسمع بالظلم في أرضك، ولا بالدمار والخراب داخل حدودك، وجميع شعبك من الأبرار، يرثون الأرض إلى الأبد، القليل منهم يصير ألفًا، والصغير يصير أمة عظيمة”، ندرك المغزى من الحكمة الإلهيَّة؛ لكون مكَّة كانت مهجورة لا أحد يعبر فيها.

ومهما تفقد الإنسان تلك الأسرار يَجد أنَّ الطريق ما زال ممتدًا أمامه لا نهاية له.

لكن الإنسان يحيا دائمًا وهو مولع باكتشاف الغامض، وكشف المستور، فيمضي لتقصي تلك الأسرار، والإتيان على بعضها بقدر الله – عزَّ وجلَّ.

فحينًا بعد حين يكشف الله لبعض عباده عن هذه الأسرار، فمنها على سبيل المثال أسرار خلقية “لطبيعة أبناء الجزيرة العربية”، ومنها أسرار علميَّة، وأخري فكرية وثقافية، ومنها أسرار سياسية وجُغرافية، وأخرى اجتماعية؛ بل هناك أسرار نفسية وعقلية، وحتَّى أولئك الذين تسمَّوا بالمناطقة والفلاسفة، والباحثون عما وراء الطبيعة، خاضوا بحر الأسرار العظيم، فأخرجوا لنا بعض تلك الأسرار، وخاض من خاض في بحر التفسير والسنة، وكل ذلك بسبب تلك الآية، التي حَيَّرت العقول، وطاشت بالألباب، ووقفوا لها خاشعين خاضعين، حتَّى أولئك الغربيون الذين اكتشفوا أخيرًا – خدعة وخطأ – دِقَّة خط جرينيتش؛ ليثبتوا للدُّنيا كلها وللعالم أجمع أنَّ خط مكة أكثر دقة، وأنه وسط العالم.

قال الله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، فمعنى قوله: {وَسَطًا}؛ أي: وسطًا في المكان، وسطًا في الخِلقة، وسطًا في المشاعر والأحاسيس، وسطًا في الأخلاق، بل وسطًا في الدعوة إليه – سبحانه – ووسطًا في كل شيء.

هذا الوسط أو هذه الوسطيَّة لها أسرار كامنة، تُكتشف حينًا بعد حين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

هذا الاختيار الإلهي – وكفى به سببًا وسرًّا – لا يَمنعنا – على أيَّة حالٍ – من أنْ نبحثَ، ونخوض غمار تلك الأسرار، التي وراء هذا الاختيار، فسرُّ اختيار الجزيرة العربية يرتبط بتلك البيئة الوثنية، التي كانت تستوجب النار.
البيئة

“هل كانت مصادفة عابرة أنْ يظهرَ هذا الرسول بهذا الدين، في هذا الموضع من الأرض في هذا الزَّمان؟ إن هنالك نظامًا مقدورًا أو قصدًا مقصودًا، وتدبيرًا معينًا، وترتيبًا موضوعيًّا لتلتقي هذه الظواهر كلها حيث التقت؛ كي تؤدي دورًا معينًا ليس أقل نتائجه: تخطيط خريطة العالم في عالم الظاهر، وفي عالم الشعور على هذا الوضع، الذي صارت إليه الأمور منذ ذلك التاريخ البعيد”[1].

إنَّ من أهم القضايا من وجهة نظري، التي يَجب أنْ تطرح في واقعنا المعاصر: معرفةَ طبيعة المجتمع، الذي عاش فيه النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – في بدء الدعوة، وعقائده وثقافته، وعلاقاته وطريقة مُواجهته للأحداث، وأسلوبه الدَّعوي؛ لنستطيع فَهْم التجربة النبوية بشكل عام وشامل وعميق، مع كيفيَّة نقل هذه التجربة إلى واقعنا المعاصر عند مُواجهتنا للمجتمع، الذي نتحرَّك فيه، فيما إذا كانت الأوضاع والمعطيات العامَّة متوافقة في سلوك كلاَ المجتمعين، مع استبعاد المؤثرات الخاصَّة التي تحكم بعض الأساليب المطروحة في التجربة.

إنَّ دراسة هذه البيئة التي نشأ فيها الإسلامُ يتطلب النَّظر في أمرين غاية في الأهمية؛ لأنه دون التمعن في هذين الأمرين تكون الرُّؤية غير واضحة، والدِّراسة غير ناضجة، ناقصة غير وافية وغير متكاملة أيضًا، وهذان الأمران هما:
الأول: يتعلق باختيار البيئة ذاتها؛ بمعنى: لماذا كانت الرِّسالة الخاتمة في هذه البقعة من الأرض دون غيرها؟ أي: لماذا كانت الجزيرة العربيَّة هي مهبط الوحي، والحضن الآمن للرسالةالخاتمة؟

الأمر الآخر:يتعلق باختيار النبي محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – حال كونه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، رغم أنَّه جاء يتلو عليهم آيات ربه – عزَّ وجلَّ.

وهذان الأمران يَجب دراستهما في ظل دراسة أحوال الجاهليَّة لأسباب عدة؛ منها:
1 – أنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – نشأ في تلك البيئة الجاهليَّة[2]، وأنَّه – عليه الصلاة والسلام – كان أميًّا، ككثير من أبناء قريش؛ ولكنَّه لم يُمارس ما مارسوه، وتربوا عليه حال كونه “أُمِّيًّا” في بيئة “جاهلية”، وهذا ما يدعو للعجب والدَّهشة.

أخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله – تعالى -: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2]، قال: هو محمد؛ {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: 2]، قال: القرآن؛ {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، قال: هو الشرك[3].

2 – أنَّ الجزيرة العربيَّة كانت بيئة هادئة بعيدة عن الأفكار الهدَّامة “المبتكرة” عقديًّا، تنعم بتلك الأفكار السطحيَّة البدوية الساذجة، حال كونها بعيدة عن تلك التيارات الفكرية المنحرفة، التي كانت سائدة في روما وفارس واليونان، وتلك ميزة مهمة.

قال أحد رهبان الكنيسة: كانت أطراف المدينة – أي: روما – جميعًا ملأى بالجدل ترى ذلك في الأسواق، وعند باعة الملابس، وصيارفة النقود، وباعة الأطعمة، فأنت تريد أن تبدل قطعة من ذهب، فإذا بك في جدل عمَّا خُلق، وعما لم يخلق، وأنت تريد أن تقف على ثمن الخبز، فيجيبك مَن تسأله: الأب أعظم أم الابن؟ والابن خاضع له، وأنت تسأل عن حمَّامك، وهل ماؤه ساخن، فيجيبك غلامك: لقد خلق الابن من العدم[4].

3 – تعلق هذين الأمرين بأحوال الجاهليَّة ألزم لهما من تعلقهما بالإسلام؛ إذ الإسلامُ جاء والعرب على تلك الحالة من الفَوضى والهمجيَّة والأمية، وقد ظل الأمر على ذلك أربعين سنة هي فترة عمر النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قبل البَعْثة، فدراسة هذين الأمرين في هذه الفترة يبيِّن لنا حقيقةَ الوضع للبيئة وللنبي معًا.

4 – أمية النبي تثبت لنا حقيقة وتنقض مضادها.

تثبت لنا صدقه فيما جاء به وتلك حقيقة، وتنفي كذبه كما نفاه أعداؤه قبل محبِّيه.

يقول شارح الطحاوية: “فإنَّ النبوة إمَّا يدَّعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين”[5].

فالصِّدق والكذب صورتان مُتقابلتان متضادتان؛ ولذلك وصف مسيلمة بصفتين: تصغير في اسمه؛ لتحقيره وإذلاله، فسُمي مسيلمة.

والثانية: وصمه بالكذاب؛ لكذبه على الله، فصار مسيلمة الكذاب، وصار محمد الصادق الأمين، فصدق النبي لازم له؛ لأنَّ ما جاء به لا يحتمل إلا أمرًا واحدًا؛ لذا وصفه قومه بالصادق الأمين، ثُمَّ عادوا ووصفوه بالساحر الكذَّاب لماذا؟ لأنَّه بدأ يعادي نظام البيئة، وذوو الألباب منهم كانوا يدركون أنَّه ما كان ليصدق مع الناس، ويكذب على الله، وما كان ليكذب بعد الأربعين، وأنَّي له بمثل هذا الكتاب؟! {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48]، “والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوة النبوة؟!”[6].

5 – دَور الفطرة السليمة في نشأة الولد، مهما كان المجتمع الذي نشأ فيه، وهذا أمر مهم بالنسبة لتربية الأولاد ليس مجاله ها هنا.

لذلك نقول: إنَّ دراسة البيئة التي نشأ فيها الإسلام، وتربَّى فيها النبي محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – عنصر هام من عناصر دراسة السيرة النبوية؛ لأنَّ معنى دراسة البيئة “دراسة الحرب القادمة”، وفن قيادة الحرب موجود في ثنايا سيرة النبي محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – لأن الحقيقة التَّاريخيَّة تؤكد مقولة أنَّ التاريخ دورات، وأنه يعيد نفسه بأنماط مختلفة، ونَحن ماضون في حلقته، سائرون في دروبه؛ حتَّى تقوم الساعة على الوثنية.
البيئة الوثنية[7]

هذا هو التعبير المتعارف عليه حال كون الأمم لا تعبد الله – عزَّ وجلَّ – وتفرده بالعبودية، وقد دخل ضمن هذا التعبير اليهود والنَّصارى – وكلاهما أهل كتاب – ومعهما قريش تحمل معها بقايا مُتناثرة من ملة إبراهيم – عليه السلام – لكن النَّاظر في أمر قريش يجد أنَّ الوثنية ألزم لها من غيرها، فاليهود والنَّصارى في تلك الأزمان كانوا قائمين على نتف يسيرة من الحق، أخذوا منه قليلاً وتركوا منه كثيرًا، وبقية الأمم غارقة في الشهوات والملذات حالها كحال قريش، إلا أن قريشًا كانت تختص بخصيصة عن غيرها، وهي الثبات على “البيئة الوثنية”؛ لاعتقادهم أنَّها ملة إبراهيم – عليه السلام – بل والافتخار بتلك العروبة والعصبية القبلية، وبأنهم من نسل إسماعيل – عليه السلام – وذلك على عكس اليهود والنَّصارى، الذين كانوا على استعدادٍ بعد تحريفِ وتبديل الدِّين لتغيير بلادهم ولغتهم ودياناتهم، كما فعلوا ذلك كثيرًا عبر التاريخ – الممعن في القدم، والمعاصر أيضًا – فكانت الوثنية في قريش أعظم من غيرها، وكان ذلك الشرك يستلزم النار.

النار

وكانت النَّار هي أصلَ العقاب الأرضي للبيئة الوثنية؛ لأنَّ الموت على الشِّرك يستلزم النار في الآخرة؛ ولذا كان من علامات قيام الساعة أنَّ الحشر يبدأ بنار تخرج من قعر عدن، ثم تنتشر في الأرض كلها؛ لأنَّ الأرض وقتئذٍ ستكون بيئة وثنية؛ لأنَّ كل نسمة طيبة تقبض، فلا يبقى إلا شرار الناس، فعودة أصل العقاب بعودة البيئة الوثنية، ومن أجل تلك العلة كانت مكة بعيدة عن الزَّلازل والبراكين والنار، حتى قيام الساعة؛ بل إنَّ العذاب العام رفع عن الأرض؛ بسبب دعاء النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أولاً، ثم بسبب وجوده في تلك البقعة المباركة ثانيًا، وهذه الرحمة العامة الشاملة من أسرار اختيار مكة.
سر اختيار الجزيرة العربية

“ظلت شبه الجزيرة العربية، وكأنَّها واحة حصينة آمنة من الغزو، إلاَّ في بعض أطرافها، آمنة من انتشارِ الدَّعوة الدينية، مسيحية أو مجوسيَّة، إلا في قليل من قبائلها، وهذه ظاهرة قد تبدو في التاريخ عجيبة، لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها، وفى أخلاقهم وميولهم ونزعاتهم”[8].
موقع شبه الجزيرة الجغرافي

“فشبه جزيرة العرب مستطيل غير مُتوازي الأضلاع، شماله فلسطين وبادية الشَّام، وشرقه الحيرة ودجله والفُرات وخليج فارس، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدن، وغربه بحر القلزم “البحر الأحمر”، فهو إذًا حصين بالبحر من غربه وجنوبه، حصين بالصحراء من شماله، وبالصحراء وخليج فارس من شرقه، وليست هذه المناعة وحدَها التي عصمته من الغزو الاستعماري أو الغزو الديني؛ بل عصمه كذلك ترامي أطرافه، فطول شبه الجزيرة يبلغ أكثر من ألف كيلو متر، وعرضه يبلغ نَحو الألف من الكيلومترات، وعصمه أكثر من هذا جدبُه جدبًا صرف عَيْنَ كل مستعمر عنه، فليس في هذه الناحية الفسيحة من الأرض نهر واحد، وليست لأمطارها فصول معروفة يُمكن الاعتماد عليها، وتنظيم الصناعة إيَّاها، وفيما خلا اليمن الواقعة جنوب شبه الجزيرة، والممتازة بخصب أرضها، وكثرة نزول المطر فيها، فسائر بلاد العرب جبال ونجود وأودية غير ذات زرع، وطبيعة جرداء لا تيسر الاستقرار، ولا تجلب الحضارة، وهي لا تشجِّع على حياة غير حياة البادية، وما تقضي به من الارتحال الدائم، واتِّخاذ الجمل سفينة للصَّحراء، وانتجاع مراعي الإبل، والاستقرار ريثما تأتي الإبل عليها، ثم الارتحال من جديد انتجاعًا لمرعى جديد.

وهذه المراعي التي ينتجعها بدو شبه الجزيرة، إنَّما تدور حول عين من العيون، تتفجر عن ماء المطر الذي يتسلل خلال أرض البلاد الحجرية، فينبت تفجره الخضرة المنتثرة ها هنا وهناك في واحات تحيط بهذه العيون، طبيعي في بلاد هذه حالها أن تكونَ كصحراء إفريقيَّة الكبرى، لا يقيم بها مقيم، ولا تعرف الحياةُ الإنسانية إليها سبيلاً، وطبيعي ألا يكون لمن يحل بهذه الصحراء غرض أكثر من ارتيادها والنَّجاة بنفسه منها، إلا في هذه النَّواحي القليلة التي تنبت الكلأ والمرعى، وطبيعي أن تظل هذه النواحي مجهولة من الناس؛ لقِلَّة مَن يغامر بحياته لارتيادها، وقد كانت بلاد العرب فيما سوى اليمن مَجهولة بالفعل من أهل تلك العصور القديمة”[9].
موقع مكة

“في وسط طريق القوافل المحاذي للبحر الأحمر ما بين اليمن وفلسطين، تقوم عدَّة سلاسل من الجبال تبعد نحو الثمانين كيلو مترًا من الشاطئ، وهي تُحيط بواد غير فسيح، تكاد تحصره لولا منافذ ثلاثة، يصله أحدها بطريق اليمن، ويصله الثاني بوادٍ قريب من البحر الأحمر “بحر القلزم” عند مرفأ جدَّة، ويصله الثَّالث بالطريق المؤدي إلى فلسطين، في هذا الوادي المحصور بين الجبال تقوم مكَّة، ومن العسير معرفة تاريخ قيامها، وأكثر الظَّن أنَّه يرجع إلى ألوف من السنين خَلَت، والثابت أنَّ واديها اتُّخذ من قبل أن تُبنى موئلاً لراحة رجال القوافل؛ بسبب ما كان به من بعض العيون، وأنَّ رجال القوافل هؤلاء كانوا يجعلون منها مضارب لخيامهم، سواء منهم القادمون من فلسطين مُتَّجهين إلى اليمن، والراجح أن إسماعيل بن إبراهيم أول من اتَّخذها مقامًا وسكنًا، بعد أن كانت مجرد محلة للقوافل، وسوقًا للتجارة يقع فيها التبادل بين الآتِين من جنوب الجزيرةوالمنحدرين من شمالها”[10].
سر اختيار الجزيرة العربية مهدًا لنشأة الإسلام

يقول الإمام/ أبو الأعلى المودودي – رحمه الله -: “وإذا نظرت نظرة في جغرافية العالم، علمت أنَّ بلاد العرب هي أنسب أرض للرسالة العالمية، فهي بين آسيا وأفريقيا، وأقرب ما تكون لأوروبا، ولا سيَّما بالنسبة لذلك الزَّمان الذي كانت فيه أمم أوروبا الراقية المتمدنة تسكُن في الأقسام الجنوبية منها، وبعدها عن بلاد العرب يعدل بُعد الهند عن هذه البلاد، ثم إذا قرأت ما قالت كتب التاريخ عن ذلك الزَّمان، عرفت أنه ما كانت في الدُّنيا أمة أنسب وأجدر بهذه الرِّسالة العالمية من الأُمَّة العربية، فقد أخذت أسباب الوهن والانحلال تُدرك سائر الأمم الراقية والقُوى العظيمة، بعد أن أقامت الدنيا وأقعدتها، بينما كانت الأمة العربية – إذ ذاك – موفورة الجأش حامية الدم، وكان نمو المدنية، وارتقاء الحضارة وانتشار الترف في الأمم الأخرى – قد أفسد عليها عاداتها وخصالها.

أمَّا الأمة العربية فما كانت إلى ذلك العهد على مدنية تجعلها ناعمة البال، مولعة بالبذخ والترف، مائلة إلى السفائل والرذائل، وكانت هذه الأُمَّة بمنجاة تامة في القرن السادس الميلادي، من الآثار السيئة المنتشرة في أمم الأرض المتمدنة الأخرى، وكان فيها من الصِّفات الإنسانية العالمية جميع ما يُمكن أن يكون في أمة لم تصدمها المدنية بعواصفها، وكان العرب شجعانًا مقاديم، لا يقيمون وزنًا للرهب والخوف، باسطي الأيدي، قائمين بالعهود، أحرار الفكر والنَّظر، يُحبون الحرية والاستقلال، ويُؤثرونهما على كل شيء آخر، ولم تكن أعناقهم خاضعة لأمة أجنبية، وكانت عاطفة الاستماتة في الذود عن أعراضهم تجري في عروقهم، وكانوا يعيشون عيشة ساذجة لا تَعرف التَّرف والتنعم، لا ريب أنَّه كانت فيهم كثير من السيئات والمنكرات.

ولكن الحقَّ أنَّه ما كان منشأ هذه السيئات إلاَّ أنه ما خلا فيهم رسول من الله منذ ألفين وخمسمائة سنة؛ أي: منذ زمن إبراهيم – عليه السلام – إلى بعثة النبي محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – وما قام فيهم زعيم يزكِّيهم، ويُعنى بإصلاح أخلاقهم وتعليمهم المدنيَّة والحضارة، وكانت الجاهليَّة مُنتشرة فيهم لما عاشوا عيشة الحرية في الصَّحراء قرونًا من الزَّمان، وقد بلغ تَماديهم في هذه الجاهليَّة أنه لم يكُن لأحد ليقبلَ تهذيبهم وإخراجهم من ظلمات البهيمية إلى نور الإنسانيَّة.

ولكنهم كانوا مع كل ذلك أهلاً لأنْ يُقيموا الدنيا ويقعدوها، إذا عُنِيَ بإصلاحهم وتعليمهم رجل عبقري، وقاموا على أثر دعوته وتعليمه بغاية سامية ورسالة شريفة في الدُّنيا، فإلى مثل هذه الأمة الفتية الباسلة المقدامة، كانت تَحتاج الرِّسالة العالمية لنشر كلمتها وتعميم دعوتها في سائر أرجاء الدُّنيا ونواحيها، ثم انظر نظرة في اللغة العربيَّة، فإنَّك إذا قرأت هذه اللغة، ودرست آدابها، ظهر لك – من دون أدنى ارتياب – أنَّه لا يُمكن أن تكون في الدنيا لغة أنسب من هذه اللغة لأداء الأفكار العالية، والإفصاح عن أدق معاني العلم الإلهي، والتأثير في القلوب، فبالجمل الصغيرة من هذه اللغة تؤدي الموضوعات المهمة، وتكون قوية التأثير في القلوب، إلى مثل هذه اللغة كانت تحتاج معاني القرآن الكريم، فمن حكمة الله البالغة، ورحمته الشاملة بعباده إذًا أن اختار أرض العرب على غيرها للنبوة العالمية”[11].

ويقول الشيخ/ إبراهيم شاهين – حفظه الله: “إنَّ الله مهد لهذا الدِّين باختيار تلك البقعة المباركة، فحماها بالبحارِ الحاكمة، حتَّى إذا جاء الإسلام، حماهُ من الحكومات والإمبراطوريات القويَّة، فكان مانعًا مائيًّا كبيرًا جدًّا، ومَحْضنًا طبيعيًّا رائعًا، ثم ترك الجزء الأعلى منفتحًا حتَّى يصل الخير منها إلى غيرها، إنه الجزء الذي ستنطلق منه الحضارة الإنسانية يمنة ويسرة تغذي العالم، ثم إنَّ الله جعل أرضَها صحراواتٍ ليس فيها شيء؛ حتَّى لا تكون مطمعًا للدول الحاكمة التي حولها فيزهدون فيها؛ ولذلك لما ظهر البترول صارت مطمعًا لكل طامع، وقد أخبر رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أن أرض العرب كانت مروجًا وأنهارًا[12]، ثم جاءها التصحر والقحل، والسر في ذلك لكي تحتفظ بنفسها، كالمادة الخام، حتى إذا جاء الإسلام نهضوا به؛ ولذلك كانت تلك البلاد بلا أي معللات حضارية، ثم إن الله اختار هذا المكان لتخرج منه أمة دعوية، فإن الله استخرجها لشيء لم يكن موجودًا في الأمم؛ ولذلك لم تكُن أمة صناعية، ولم تكن كذلك أمَّة زراعية، فدل ذلك على أن الهدف الأسمى أنْ تكون أمة دعوية؛ لأنَّ العالم يحتاج إلى الهدى؛ لذلك كانت المهمة الأولى هي مهمة الدعوة، وهذا هو الدور التاريخي لهذه الأمة”[13].

ويقول دكتور/ محمد سعيد البوطي: “الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تكون بعثته – عليه الصلاة والسلام – في هذه البقعة من العالم دون غيرها، وأن تكونَ نشأة الدعوة الإسلامية على يد العرب قبل غيرهم، ولبيان هذا ينبغي أولاً أن نعلم خصائص العرب وطباعهم قبل الإسلام، وأنْ نتصورَ البقعة الجغرافيَّة التي كانوا يعيشون فيها وموقعها مما حولها، وأن نتصور في مُقابل ذلك ما كانت عليه الأمم الأخرى إذ ذاك؛ كالفرس والروم واليونان والهنود، من العادات والطباع والخصائص الحضارية”، “أما الجزيرة العربية فقد كانت هادئة، بعيدة، بل مُنعزلة عن مظاهر هذه الاضطرابات كلها، فلم يكُن لدى أهلها من الترف والمدنية الفارسية؛ مما يجعلهم يتفننون في خلق وسائل الانحلال، وفلسفة مظاهر الإباحية والانحطاط الخُلُقي، ووضعها في قوالب من الدين، ولم يكُن لديهم من الطغيان العسكري الرُّوماني ما يبسطون به أيديهم بالتسلُّط على أيِّ رقعة من حولهم، ولم يؤتوا من ترف الفلسفة والجدل اليُوناني ما يُصبحون به فريسة للأساطير والخُرافات، كانت طبائعهم أشبه ما تكون بالمادة الخام، التي لم تنصهر بعد في أي بوتقة مُحوَّلة، فكانت تتراءى فيها الفطرة الإنسانيَّة السليمة، والنَّزعة القوية إلى الاتِّجاهات الإنسانية الحميدة؛ كالوفاء والنجدة والكرم والإباء والعِفَّة، إلا أنَّه كانت تعوزهم المعرفة التي تكشف لهم الطريق إلى كل ذلك.

إذ كانوا يعيشون في ظُلمة من الجهالة البسيطة والحالة الفطرية الأولى، فكان يغلب عليهم – بسبب ذلك – أن يضلوا الطَّريق إلى تلك القيم الإنسانية، فيقتلوا الأولاد بدافع الشرف والعِفَّة، ويتلفوا الأموال الضرورية بدافع الكرم، ويُثيروا فيما بينهم المعارك بدافع الإباء والنَّجدة، وهذه الحالة هي التي عبر الله – عزَّ وجلَّ – عنها بالضلال حينما وصفهم بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]، وهي صفة – إذا ما نسبت إلى حال الأمم الأخرى إذ ذاك – تدُلُّ على الاعتذار لهم أكثر من أنْ تدل على تسفيههم أو تعييرهم بها؛ ذلك أنَّ الأمور الأخرى كانت تستهدي لانحرافاتها العظيمة بمشاعل الحضارة والثَّقافة والمدنية، فكانت تتقلب في حمئة الفَسَاد عن تبصر وتخطيط وتفكر، ثُمَّ إنَّ الجزيرة العربية تقع – بالنسبة لرقعتها الجغرافيَّة – في نقطة الوسط بين هذه الأمم، التي كانت تموج من حولها، والنَّاظر إليها اليوم يجد – كما يقول الأستاذ/ محمد مبارك – كيف أنَّها تقف في الوسط التَّام بين حضارتين جانحتين:
إحداهما: حضارة الغرب المادية، التي قدمت عن الإنسان صورة بتراء لا تقع حتى على جانب جزئي من الحقيقة.

وأخراهما: الحضارة الرُّوحية الخياليَّة في أقصى الشرق، كتلك التي كانت تعيشُ في الهند والصين وما حولها، فإذا تصورنا حالة العرب في جزيرتهم قبل الإسلام.

وحالة الأمم المختلفة الأخرى المحيطة بهم، سهل علينا أن نستجليَ الحكمة الإلهيَّة التي اقتضت أنْ تتشرف الجزيرة العربيَّة دون غيرها بمولده وبعثته – صلَّى الله عليه وسلَّم – وأنْ يكونَ العرب هم الطليعة الأُولى التي تحمل إلى العالم مشعل الدَّعوة إلى الدين الإسلامي، الذي تعبَّد الله به الجنس البشريَّ كله، من أقصى العالم إلى أقصاه، وهي ليست – كما يظن البعض – أن أصحاب التدين الباطل والحضارات الزائفة يصعُب فيهم العلاج والتوجيه؛ لافتخارهم بما هم عليه من الفساد؛ لرُؤيتهم إياه شيئًا صالحًا، أمَّا الذين لا يزالون يعيشون في فترة البحث والتنقيب، لا ينكرون جَهْلهم، ولا يدعون ما لم يُؤتَوه من مدنية وعلم وحضارة، فهم أطوع للعلاج والتوجيه- نقول: ليست هذه هي الحكمة؛ لأنَّ مثل هذا التحليل يصدق بالنسبة لمن كانت قُدرته محدودة، وطاقته مخلوقة، فهو يفرق بين ما هو سهل وصعب عليه، فيفضل الأوَّل، ويتهرَّب من الثاني؛ طمعًا في الراحة وكراهية للنصب، ولو تعلقت إرادة الله – تعالى – بأنْ يَجعل مشرق الدعوة الإسلامية من جهة ما في أرض فارس أو الروم أو الهند، لهيَّأ لنجاح الدَّعوة فيها من الوسائل ما هيأ لها في الجزيرة العربية.

وكيف يعز ذلك عليه وهو خالق كل شيء ومبدع كل وسيلة وسبب؟! ولكن الحكمة في هذا الاختيار من نَوع الحكمة، التي اقتضت أن يكون الرَّسول أميًّا، لا يتلو من كتابٍ، ولا يخطه بيمينه؛ كما قال الله – تعالى – حتَّى لا يرتاب الناس في نبوته – عليه الصلاة والسلام – وحتَّى لا تتكاثر لديهم أسباب الشَّك في صدق دعوته، إنَّ من تتمة هذه الحكمة الإلهية أن تكونَ البيئة التي بُعث فيها – عليه الصلاة والسلام – أيضًا بيئة أمية، بالنسبة للأمم الأخرى التي من حولها؛ أي: لم يتطرق إليها شيء من الحضارات المجاورة، ولم تتعقد مناهجها الفكرية بشيء من تلك الفلسفات التائهة من حولها؛ ذلك أنَّه كان يُخشى من دخول الرِّيبة في صدور النَّاس إذا ما رأوا النبي متعلمًا، مطلعًا على الكتب القديمة وتاريخ الأمم البائدة، وحضارات الدول المجاورة، كذلك يُخشى من دخول هذه الرِّيبة في الصدور، إذا ما ظهرت الدَّعوة الإسلامية بين أمة لها شأن في الحضارة والمدنية والفلسفة وتاريخ ذلك، كدولة الفرس أو اليُونان أو الرُّومان؛ إذ ربَّ مرتابٍ مبطل يزعُم أنَّها سلسلة التجارب الحضارية والأفكار الفلسفية أبدعت أخيرًا هذه الحضارة الفذة والتشريع المتكامل.

ولقد أوضح القرآن الكريم هذه الحكمة بصريح العبارة حينما قال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، فلقد اقتضت إرادة الله – تعالى – أن يكون رسوله أميًّا، وأن يكون القوم الذين ظهر فيهم هذا الرسول أميين أيضًا في غالبيتهم العظمى، حتى تكون معجزة النبوة والشريعة الإسلامية واضحة في الأذهان، لا لبس بينها وبين الدعوات البشرية المختلفة، وهذا ينطوي – كما هو واضح – على رحمة عظيمة بالعباد.

وهنالك حِكَم أخرى لا تخفى على الباحث نجملها فيما يلي:
1 – من المعلوم أن الله – عزَّ وجلَّ – قد جعل البيتَ الحرامَ مَثَابة للناس وأمْنًا، وجعله أول بيت وضع للناس للعبادة وإقامة الشَّعائر الدينيَّة، وحقَّق في ذلك الوادي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – ومن لوازم هذا كله ومُتمِّماته: أن تكون هذه البقعة المباركة نفسها مهدًا للدعوة الإسلامية، التي هي ملَّة أبينا إبراهيم، وأن تكون بعثة خاتم الأنبياء ومولده فيها، كيف لا وهو من نسل إبراهيم – عليه الصلاة والسلام؟!

2 – البقعة الجغرافية للجزيرة العربيَّة ترشحها للقيام بعبء مثل هذه الدعوة؛ بسبب أنها تقع – كما قلنا – في نقطة الوسط بين الأمم المختلفة التي من حولها، وهذا مما يجعل إشعاعات الدولة الإسلامية تنتشر بين جميع الشعوب والدول المحيطة بها في سهولة ويسر، وإذا أعدت النَّظر إلى سير الدعوة لإسلامية في صدر الإسلام وعصر الخلفاء الراشدين، وجدت مصداقَ ذلك جليًّا واضحًا.

3 – اقتضت حكمة الله – تعالى – أنْ تكونَ اللغة العربية هي لُغة الدعوة الإسلامية، وأن تكونَ هي الأداة المباشرة الأولى لترجمة كلام الله – عزَّ وجلَّ – وإبلاغه إيَّانا، ولعلنا لو أمعنا في خصائص اللُّغات وقارنا بينها، لوجدنا أنَّ اللغة العربية تَمتاز بكثير من الخصائص، التي يعزُّ وجودها في اللغات الأخرى.

فأجدر بها أنْ تكونَ لغة المسلمين الأولى في مُختلف ربوعهم وبلادهم”[14].

ويقول صاحب “الظلال” – رحمه الله – في سر هذا الاختيار: “وحين ننظر اليوم من وراء الحوادث واستقرائها، ومن وراء الظروف ومقتضياتها، وبعد ما سارت هذه الدعوة في الخط الذي سارت فيه، وأنتجت فيه نتاجها، حين ننظر اليوم هذه النظرة ندرك طرفًا من حكمة الله فياختيار هذه البقعة من الأرض، في ذلك الوقت من الزَّمان؛ لتكون مقر الرسالة الأخيرة، التي جاءت للبشرية جميعًا، والتي تتضح عالميتها منذ أيامها الأولى.

كانت الأرض المعمورة – عند مولد هذه الرِّسالة الأخيرة – تكاد تتقسمها إمبراطوريات أربع: الإمبراطورية الرُّومانية في أوروبا وطرف من آسيا وأفريقيا، والإمبراطورية الفارسيَّة وتمد سلطانها على قسم كبير من آسيا وأفريقيا، والإمبراطورية الهندية، ثم الإمبراطورية الصينية، وتكادان تكونان مُغلقتين على أنفسهما ومعزولتين بعقائدهما واتِّصالاتهما السياسية وغيرها، وهذه العُزلة كانت تجعل الإمبراطوريتين الأوليين هما ذواتا الأثر الحقيقي في الحياة البشرية وتطوراتها.

وفي هذا الوقت جاء الإسلام، جاء لينقذ البشرية كلها مما انتهت إليه من انحلال وفساد واضطهاد وجاهليَّة عمياء في كل مكان معمور، وجاء ليهيمن على حياة البشرية ويقودها في الطريق إلى الله على هدى وعلى نور، ولم يكن هنالك بدٌّ من أن يسيطر الإسلام لتحقيق هذه النقلة الضخمة في حياة البشر، فلم يكُن هنالك بُدٌّ من أن يبدأ رحلته من أرض حُرَّة لا سلطانَ فيها لإمبراطورية من تلك الإمبراطوريات، وأنْ ينشأ قبل ذلك نشأة حرة لا تسيطر عليه فيها قوة خارجة على طبيعته، بل يكون فيها هو المسيطر على نفسه وعلى مَن حوله، وكانت الجزيرةالعربيَّة، وأم القرى وما حولها بالذات، هي أصلح مكان على وجه الأرض لنشأة الإسلام يومئذ، وأصلح نقطة يبدأ منها رحلته العالمية التي جاء من أجلها منذ اللحظة الأولى.

لم تكُن هناك حكومة منظمة ذات قوانين، وتشريعات وجُيُوش، وشرطة وسلطان شامل في الجزيرة، تقف للعقيدة الجديدة، بسلطانها المنظم، وتَخضع لها الجماهير خضوعًا دقيقًا، كما هو الحال في الإمبراطوريات الأربع.

ولم تكن هنالك ديانة ثابتة كذلك ذات معالم واضحة؛ فقد كانت الوثنية الجاهليَّة ممزقة، ومعتقداتها وعباداتها شتَّى، وكان للعرب آلهة شتَّى من الملائكة والجن والكواكب والأصنام، ومع أنَّه كان للكعبة وقريش سُلطان ديني عام في الجزيرة، فإنه لم يكُن ذلك السلطان المحكم الذي يقف وقفة حقيقيَّة في وجه الدين الجديد، ولولا المصالح الاقتصادية والأوضاع الخاصَّة لرُؤساء قريش، ما وقفوا هذه الوقفة في وجه الإسلام، فقد كانوا يدركون ما في عقائدهم من خلخلة واضطراب، وكانت خلخلة النظام السياسي للجزيرة إلى جانب خلخلة النظام الدِّيني، أفضل ظرف يقوم فيه دين جديد، متحررًا من كل سلطان عليه في نشأته، خارج عن طبيعته.

وفي وسط هذه الخلخلة كان للأوضاع الاجتماعيَّة في الجزيرة قيمتها كذلك في حماية نشأة الدعوة الجديدة، كان النظام القبلي هو السائد، وكان للعشيرة وزنها في هذا النظام، فلما قام محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – بدعوته، وجد من سيوف بني هاشم حماية له، ووجد من التوازن القبلي فُرصة؛ لأنَّ العشائر كانت تشفق من إثارة حرب على بني هاشم؛ بسبب حمايتهم لمحمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – وهم على غير دينه؛ بل إنَّها كانت تشفق من الاعتداء على كل مَن له عصبية من القلائل الذين أسلموا في أوَّل الدعوة، وتدع تأديبه – أو تعذيبه – لأهله أنفسهم، والموالي الذين عذِّبوا لإسلامهم عذبهم سادتهم، ومن ثم كان أبو بكر – رضي الله عنه – يشتري هؤلاء الموالي، ويعتقهم، فيمتنع تعذيبهم بهذا الإجراء، وتمتنع فتنتهم عن دينهم، ولا يخفى ما في هذا الوضع من ميزة بالقياس إلى نشأة الدين الجديد.

ثم كانت هنالك صفات الشَّعب العربي نفسه من الشجاعة والأريحيَّة والنخوة، وهي استعدادات ضرورية لحمل العقيدة الجديدة والنهوض بتكاليفها.

وقد كانت الجزيرة في ذلك الزمان تزخر بحضانة عميقة لبذور نهضة، وكانت تجيش بكفايات واستعدادات وشخصيات تتهيأ لهذه النهضة المذخورة لها في ضمير الغيب، وكانت قد حَفَلَت بتجارب إنسانيَّة معينة من رحلاتها إلى أطراف إمبراطوريتي كسرى وقيصر، وأشهرها رحلة الشتاء إلى الجنوب، ورحلة الصيف إلى الشمال، المذكورتان في القرآن في قوله – تعالى -: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 1-4]، وتضافرت أسباب كثيرة لحشد رصيد ضَخْم من التَّجارب مع التفتح، والتأهب لاستقبال المهمة الضخمة، التي اختيرت لها الجزيرة، فلما جاءها الإسلام، استغلَّ هذا الرصيد كله، ووجه هذه الطاقة المختزنة، التي كانت تتهيأ كنوزها للتفتح، ففتحها الله بمفتاح الإسلام، وجعلها رصيدًا له وذخرًا، ولعل هذا بعض ما يفسر لنا وجود هذا الحشد من الرِّجال العظام في الصحابة في الجيل الأول في حياة الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم[15].
الأسرار العلمية لاختيار الجزيرة العربية “أو مكة على وجه خاص”

يقول دكتور/ زغلول النجار – حفظه الله -: “ومن الأسرار العلمية مركزية مكة المكرمة للكون، وفي ذلك يقول المصطفى – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كانت الكعبة خشعة على الماء، فدحيت منها الأرض))[16]، والخشعة: أكمة لاطئة بالأرض، والجمع خشع، يروى عنه – صلَّى الله عليه وسلَّم – قوله: ((دحيت الأرض من مكة، فمدها الله – تعالى – من تحتها، فسميت أم القرى))[17]، وذكر كلٌّ من ابن عباس وابن قتيبة – رضي الله عنهم أجمعين – أنَّ مكة المكرمة سميت بأمِّ القرى؛ لأنَّ الأرض دحيت من تحتها؛ لكونها أقدم الأر

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *