الرئيسية / مـنـوعـات / التبصرة والنَظَر في حكم الأخذ من الشعر

التبصرة والنَظَر في حكم الأخذ من الشعر

التبصرة والنَظَر في حكم الأخذ من الشعر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ..
قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه : حدثنا ابن أبي عمر المكي حدثنا سفيان بن عبدالرحمن ابن حميد بن عبدالرحمن ابن عوف سمع سعيد بن المسيب يحدث عن أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا ) .
وقد اختلف في هذا الحديث من حيث الرفع والوقف . قال مسلم عقبه : قيل لسفيان : فإن بعضهم لا يرفعه ، قال : لكني أرفعه . وجزم الدارقطني بأنه موقوف .
فالحديث محل نظر من هذا الوجه .

وهل النهي فيه للتحريم ، اختلف أهل العلم في هذا على رأيين :
الأول : أنه يحرم لمن أراد الأضحية أن يأخذ من شعره وظفره شيئا ، واختاره الإمام أحمد وهو من مفرداته كما في الإنصاف .
وعمدتهم حديث أم سلمة رضي الله عنه .

الثاني : أن النهي الوارد ليس للتحريم ، وهو قول الجمهور الحنفية والمالكية والشافعية. وهو الصواب ، واختلفوا فيما بينهم فبعضهم حمله على الكراهة وبعضهم قال بالإباحة .
واستدلوا على ذلك بأدلة منها :
الدليل الأول : أن القول بالتحريم مخالف لقواعد الشريعة وأصولها فإن الأضحية سنة ومستحب فعلها لا واجبة ، ولا يترتب على مخالفة المستحب محرما ، وإلا لكان تركه أولى من فعله ؛ لأن ترك السنة أولى من ارتكاب المحرم وهذا محل اتفاق بين علماء الإسلام لا يخالف فيه أحد .

الدليل الثاني : حديث عائشة رضي الله عنها قالت : فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي, ثم قلدها, وأشعرها , وأهداها, فما حرم عليه شيء كان أحل له ” أخرجاه في الصحيحين .
وقد استدل بهذا الحديث من جهة أن البعث بالهدي أبلغ من إرادة الأضحية .

الدليل الثالث : تصريح السلف بنكارة الحديث وممن أنكره راوي الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها سعيد ابن المسيب رحمه الله ، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عقب حديث أم سلمة : حدثني الحسن بن علي الحلواني حدثنا أبو أسامة حدثني محمد بن عمرو حدثنا عمرو بن مسلم بن عمار الليثي قال : كنا في الحمام قبيل الأضحى فاطلى فيه ناس فقال بعض أهل الحمام إن سعيد بن المسيب يكره هذا أو ينهى عنه ، فلقيت سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له فقال : يا ابن أخي هذا حديث قد نسي وترك .

وصنيع مسلم رحمه الله وإخراجه لهذا الأثر عن سعيد بن المسيب عقب حديث أم سلمة إشارة منه إلى عدم الأخذ بظاهر الحديث .

قال ابن عبد البر رحمه الله (5/229 الاستذكار) بعد ذكره إجازة سعيد للاطلاء : هذا منه ترك للعمل من حديثه عن أم سلمة . اهـ

وقال رحمه الله (10/258 التمهيد) : فترك سعيد لاستعمال هذا الحديث وهو راويته دليل على أنه عنده غير ثابت أو منسوخ وقد أجمع العلماء على أن الجماع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحي فما دونه أحرى أن يكون مباحا . اهـ
وقال الليث بن سعد لما ذكر له حديث أم سلمة : قد رُوي هذا, والناس على غيره .

وقد أنكر عكرمة مولى ابن عباس هذا الحديث حيث قال بعد أن ذكر له : ألا يعتزل النساء والطيب ! . وذلك على سبيل الاستنكار .

وقال ابن عابدين رحمه الله في حاشيته : ومما ورد في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إذا دخل العشر وأراد بعضكم أن يضحي فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ظفرا ” فهذا محمول على الندب دون الوجوب بالإجماع . اهـ

وقد يقال بأن من عين أضحيته فيحرم عليه الأخذ من شعره وظفره ، حيث إن الأضحية تكون واجبة إذا عينت ، وذلك لما ورد في بعض ألفاظ الحديث عند مسلم وغيره : ” إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ظفرا ” ، والعمدة على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن النهي غير محمول على التحريم إطلاقا ، والله أعلم . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *