الرئيسية / مـنـوعـات / قبل أن تحج

قبل أن تحج

قبل أن تحج

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الحاج الكريم، اعلم – وفقنا الله وإياك لمرضاته، وأبعدنا الله وإياك عن مساخطه.

أنه يجب عليك قبل أن تحج أن تتأدب بعدة آداب، منها:

أولاً: تعلُّم كيفية الحج، وشروطه، وأركانه، وواجباته، وسننه القولية والفعلية، ومحظوراته، قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -: \”يا حبَّذا لو أن الحاجَّ تعلَّم أحكام الحج قبل أن يحج؛ ليعبد الله على بصيرة، ويحقق متابعة النبي – صلى الله عليه وسلم – ولو أن شخصًا أراد أن يُسَافِر إلى بلد، لرأيتَه يسأل عن طريقها؛ حتى يصل إليها عن دلالة، فكيف بمن أراد أن يسلك الطريق الموصلة إلى الله – تعالى – وإلى جنته؟! أفليس من الجدير به أن يسأل عنها قبل أن يسلكها ليصل إلى المقصود؟\”[1].

ثانيًا: تُبْ إلى الله توبة نصوحًا، محقِّقًا لجميع شروطها، ومن ذلك الندم على ما اقترفتَه من ذنوب وآثام، والعزم على عدم العودة إليها في المستقبل، وأيضًا قُمْ بردِّ الحقوق إلى أهلها، وتحلَّل من أصحابها، وأرجع الودائع، أو وَكِّل بها أمينًا حتى تعود.

ثالثًا: اطلب العفو والصفح والمسامحة، وخاصةً من والديك، وأهلك وأولادك، وسائر أصحابك.
اكتب وصيتَك قبل سفرك؛ فإنك لا تدري ما يقدره الله عليك، ووضح فيها ما لك وما عليك، وأشْهِد على ذلك.

رابعًا: وفِّر لمن تعول من زوجات وأولاد ما يحتاجون إليه خلال فترة غيابك عنهم، فقد قال – عليه الصلاة والسلام -: ((كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع مَن يقوت))[2].

خامسًا: احرِص على أن يكون زادك حلالاً، ومالُك طيبًا؛ فـ: ((إن الله طيبٌ لا يَقبَل إلا طيبًا))[3].
وقال ابن عمر: \”أفضل الحاجِّ أخلصُهم نية، وأزكاهم نفقة، وأحسنهم يقينًا\”[4].
وأما إذا كان حجُّك من سحتٍ، فحظك منه المشقة والتعب؛ وقد أنشد بعضهم شعرًا، فقال:
إِذَا حَجَجْتَ بِمَالٍ أَصْلُهُ سُحُتٌ * فَمَا حَجَجْتَ وَلَكِنْ حَجَّتِ الْعِيرُ[5] لا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ كُلَّ طَيِّبَةٍ * مَا كُلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرُورُ
وقال آخر:
يَحُجُّونَ بِالمَالِ الذي يَجْمَعُونَهُ * حَرَامًا إلى البَيْتِ العَتِيقِ المُحَرَّمِ
وَيَزْعُمُ كُلٌّ مِنْهُمُ أَنَّ وِزْرَهُ * يُحَطُّ وَلَكِنْ فَوْقَهُ فِي جَهَنَّمِ

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:
\”ما حكم من حج من مال حرام – يعني: فوائد بيع المخدرات – ثم يرسلون تذاكر الحج لآبائهم ويحجون، مع علم بعضهم أن تلك الأموال جمع من تجارة المخدرات، هل هذا الحج مقبول أم لا؟\”.
فأجابوا: \”كون الحج من مال حرام لا يمنع من صحة الحج، مع الإثم بالنسبة لكسْب الحرام، وأنه ينقص أجر الحج، ولا يُبطِله\”[6].

سادسًا: احرص على اصطحاب الرفقة الصالحة التي تذكِّرك إذا نسيتَ، وتعلِّمك إذا جهلتَ، وتُعِينك إذا عجزتَ، وتشجِّعك على الطاعة إذا فترتَ، قال ابن جماعة في منسكه: \”وينبغي أن يستعمل مكارم الأخلاق مع رفقته، وأن يبذل لهم المجهود من غير مضرة، ولا سيما بذل الماء لذوي العطش\”.

سابعًا: أَخلِص النية لله، وجرِّدها له وحده، فقد أمرك الله بذلك، فقال: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196].
قال السعدي – رحمه الله -: \”وفيه الأمر بإخلاصهما – الحج والعمرة – لله تعالى\”[7].
وشرع الله لك أن تلبِّيه بقولك: ((لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك))[8].
واحذر مما ينقص أجر الحج، ويخل به؛ كالرياء والسمعة، بل إذا لبيتَ بالحج فادعُ الله بما دعا به إمامُك – عليه الصلاة والسلام – حينما قال: ((اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة))[9].
والإخلاص في الحج عزيز؛ فقد روي أن رجلاً قال لابن عمر – رضي الله عنهما -: \”ما أكثرَ الحاج\”؟ فقال ابن عمر: \”ما أقلَّهم!\”، ثم رأى رجلاً على بعير على رحل رثٍّ، خطامه حبال، فقال: \”لعل هذا\”، وقال شريح: \”الحاج قليل، والركبان كثير، ما أكثر مَن يعمل الخير، ولكن ما أقل الذين يريدون وجهه!\”.
خَلِيلَيَّ قُطَّاعُ الفَيَافِي إلى الحِمَى * كَثِيرٌ وَأمَّا الواصِلُونَ قَلِيلُ [10]

تامنًا: احرص على أن يكون حجُّك كما حج نبيُّك – عليه الصلاة والسلام – وذلك بمتابعتِك له في كافة أفعاله وأقواله وأحواله، فقد قال – عليه الصلاة والسلام -: ((لتأخذوا مناسكَكم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحجُّ بعد حجتي هذه))[11]، فكأنه يقول لكل حاج: تابعوني؛ أَحرِمُوا من الِميقات كما أحرمتُ، ولبُّوا كما لبَّيتُ، وطُوفُوا بالبيت سبعًا كما طفتُ، وَقِفُوا في عرفاتٍ كما وقفتُ، وهكذا افعلوا في جميع مناسك الحج!
وهذا عمر بن الخطاب يتابع النبي – صلى الله عليه وسلم – في كل شيء؛ حتى إنه لما أتى إلى الحَجرِ الأسود قبَّله كما قبَّله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقال: \”إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبي – صلى الله عليه وسلم – يقبِّلك ما قبَّلتك\”[12].
وقد استنبط العلماء من هذا الأثر فوائدَ جمة؛ منها: \”التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يفعله ولو لم تُعلَم الحكمة فيه\”[13].
وهذا عبدالله بن عمر تابَع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في كل شيء، وفعل كما فعل، ولما استلم الحجر الأسود أكَّد على اتباعه للسنة بقوله: \”اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، واتباعًا سنَّةَ نبيِّك – صلى الله عليه وسلم\”[14].

فمتابعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – نجاة، ومخالفتُه فتنة، فقد روي أن رجلاً جاء إلى الإمام مالك بن أنس، فقال له: \”يا أبا عبدالله، من أين أُحرِم؟ قال: من ذي الحُلَيفة، من حيث أَحرَم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل، قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل؛ فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه؟! إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقتَ إلى فضيلةٍ قصر عنها رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -؟! إني سمعت اللهَ يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]\”[15].
فإذا جردتَ نيتك لله، وأخلصتَ عملك له، وتابعتَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في حجك، قَبِل الله منك ذلك؛ لقوله – تعالى -: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2]، قال ابن كثير – رحمه الله -: \”ولا يكون العمل حسنًا، حتى يكون خالصًا لله – عز وجل – على شريعة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فمتى فقَد العملُ واحدًا من هذين الشرطين، حبط وبطَل\”[16].

وقال الفُضَيل بن عِيَاض في قوله – تعالى -: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2]، قال: \”أخلصه وأصوبه\”، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: \”إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا، لم يُقبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة\”[17].

تاسًعا: احرص على الاستفادة من رحلة الحج بقدر استطاعتك؛ فجالِس الأخيار، وابتعد عن مجالسة البطلة، واملأْ وقتَك بطاعة الرحمن، وتلاوة القرآن، وذكر المَلِك الديان، والدلالة على الخير، والتحذير من الشر، وما أشبه ذلك من الطاعاتِ التي تنال بها رضا الرحمن، وتعود – بإذن الله – من حجك كيوم ولدتْك أمك، سليمًا من الذنوب والآثام.
نسأل الله لنا ولك السداد والقبول؛ إنه أعظم مأمول، وأكرم مسؤول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *