الرئيسية / مـنـوعـات / أهداف الحج ومقاصده

أهداف الحج ومقاصده

أهداف الحج ومقاصده

بسم الله الرحمن الرحيم ،

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه نبينا محمد بن عبد الله ، إمام الدعاة إليه ، صلى الله وسلم وكرم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فإني أشكر الله عز وجل على ما من به من هذا اللقاء لأخوة في الله، للتناصح والتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، والدعوة إلى الخير، وبيان أهداف هذا الحج العظيم والركن الخامس من أركان الإسلام؛ ليعلم المؤمن أهداف هذه العبادة ومقاصدها، فيكون لها أشوق ، وفي أداء المناسك أرغب، ويسأل ربه المزيد من كل خير، والعون على كل خير ، والقبول لعمله، ثم أشكر القائمين على هذا النادي الأدبي، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة معالي الدكتور راشد الراجح على دعوتهم لهذا اللقاء، وأسأل الله أن يجزيهم عن ذلك خيراً، وأن يضاعف مثوبتهم، وأن يتقبل منا جميعاً أعمالنا وأقوالنا، وأن يعيينا على كل خير ، وأن يوفق جميع المسلمين لكل ما فيه رضاه، وأن يصلح أحوالهم ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم ، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأخوة في الله: الحج له أهداف عظيمة ومقاصد متنوعة وفيه منافع عاجلة وآجلة، منافع في الدنيا والآخرة، من صلاة وصوم وزكاة وحج وغير ذلك، كل شرائعه سبحانه فيها الخير العظيم والمنافع الجمة للعباد في عاجل أمرهم في هذه الدنيا، من صلاح القلوب ، واستقامة الأحوال والرزق الطيب ، وراحة الضمير، إلى غير ذلك ، مع ما في ذلك من العاقبة الحميدة، والفوز الكبير بدار النعيم، مع النظر إلى وجهه جل وعلا، والفوز برضاه. ومن ذلك الحج، وهو عبادة عظيمة سنوية شرعها الله للعباد؛ لما فيها من المنافع العظيمة وما تهدف إليه من المقاصد الجليلة ولما يترتب عليها من خير في الدنيا والآخرة، وهي عبادة فريضة على جميع المكلفين في أقطار الدنيا، رجالاً ونساءً ، إذا استطاعوا السبيل إليها ، كما قال جل وعلا: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً [1] ، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وحج البيت )) [2] . فهذه الدعائم الخمس هي أركان الإسلام وهي عموده التي يقوم بناؤه عليها، وكان فرضه في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة. وفي صحيح مسلم من حديث عمر رضي الله تعالى عنه في سؤال جبرائيل عن الإسلام والإيمان قال له عليه الصلاة والسلام : ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)) [3] . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) [4] . وهذا يعم الحج والعمرة جميعاً. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) [5] . هذا من مقاصد الحج ومقاصد العمرة، فمن أداها على الوجه المرضي كان جزاؤه الجنة والكرامة وغفران الذنوب وحط الخطايا. ويا لهذا الهدف من خير عظيم وفضل كبير. إن من أتى هذا البيت مخلصاً لله جل وعلا يريد وجهه الكريم ، من قريب أو بعيد، ثم أدى هذا الحج على وجه البر لا رفث فيه ولا فسوق ، فإن الله جل وعلا يكتب له به الجنة وغفران الذنوب ، وهكذا العمرة، يقول : ((من أتى هذا البيت)) ، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)). هذا الهدف العظيم لقاصدي هذا البلد المبارك هو مطلب كل مؤمن وكل مؤمنة ، الفوز بالجنة والنجاة من النار وغفران الذنوب وحط الخطايا، والله جل وعلا أخبر عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، أنه دعا لأهل هذا البلد ، فقال جل وعلا على لسان خليله إبراهيم: ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم [6] . واستجاب الله هذا الدعاء ، فبعث خليله محمد عليه الصلاة والسلام ، في هذه الأمور التي بينها ، يتلو عليهم كتاب الله المنزل ، ويعلمهم الكتاب وهو القرآن ، والحكمة وهي السنة، ويزكيهم بما بعثه الله به من الأخلاق العظيمة والعبادات الرفيعة المتنوعة ، ويطهرهم من الأخلاق الذميمة والصفات المنكرة. فالإسلام طهرة لهم وزكاة لهم من جميع أعمالهم وجميع أخلاقهم المنحرفة ، وتوجيه لهم إلى طيب الأعمال وزكي الأعمال ، ومن ذلك الحج. والله بعث محمداً وسائر الأنبياء بما فيه طهارة القلوب وطهارة الأعمال، وصلاح القلوب وصلاح الأعمال، وصلاح الأخلاق. فمن الزكاة والطهرة إقام الصلوات كما شرعها الله، وأداء الزكاة كما شرعها الله، وصوم رمضان كما شرعه الله، وحج البيت كما شرعه الله، وهكذا أداء بقية الأوامر مع اجتناب النواهي. فالرسل عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم خاتمهم وإمامهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، بعثوا ليطهروا الناس من أخلاقهم الذميمة وأعمالهم الخبيثة، ويزكوهم بالأعمال الطيبة والأخلاق الكريمة ، التي أعظمها وأساسها توحيد الله سبحانه وتعالى، وإخلاص العبادة له جل وعلا في جميع الأحوال ، وترك عبادة ما سواه، والإيمان به ورسله ، وبكل ما أخبر الله به ورسله عما كان وما يكون، والإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، والاستقامة على دينه ، هذا أصل هذا الدين وأساسه ، توحيد الله والإخلاص له، وهو أعظم هدف للحج وأعظم مقصد، أن يأتي العبد مخلصاً لله، يقصد وجهه الكريم ويلبي ويقول : “لبيك لا شريك لك” يريد إخلاص العبادة له وحده، يريد توجيه قلبه وعمله لله سبحانه وتعالى ويكرر : “لبيك اللهم لبيك” ، يعني: أنا عبدك مقيم لعبادتك إقامة بعد إقامة، ومجيب لدعوتك على دين رسولك وخليلك إبراهيم وعلى دين حفيده محمد عليه الصلاة والسلام، مجيب لذلك إجابة بعد إجابة، أقصد وجهك ، وأخلص لك العمل، وأنيب إليك في جميع الأعمال، من صلاة وحج وغير ذلك: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”. هذا أول شيء يبدأ به قاصد البيت العتيق ، إخلاص العبادة لله وحده، والتوجه إليه، والإقرار بأنه سبحانه الواحد الأحد، لا شريك له في الخلق والتدبير والملك، ولا في الأسماء والصفات، فله الأسماء الكاملة، والصفات الكاملة العالية جل وعلا، لا شبيه له ولا مثيل له في ذلك، وله العبادة وحده دون كل ما سواه، فهو مختص بالعبادة وحده دون كل ما سواه كما قال جل وعلا: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [7] ، وقال عز وجل: فاعبد الله مخلصاً له الدين. ألا لله الدين الخالص [8] ، وقال سبحانه: إياك نعبد وإياك نستعين [9] ، وقال عز وجل: ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل [10] . فالعبادة حقه وما سواه معبود بالباطل ، فمن عبد الرسل أو الأنبياء أو الملائكة أو الصالحين أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك فقد عبد الباطل، فالرسل أفضل عباد الله، لكن لا حق لهم في العبادة، فالعبادة حق الله، والملائكة والصالحون من خير عباد الله، من جن وإنس، لكن لا حق لهم في العبادة. العبادة حق الله وحده ليس له فيها شريك قال عز وجل: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [11] ، وقال سبحانه: وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً[12]، وقال جل وعلا : ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير [13] . فبين سبحانه أن الدعوة لغيره شرك بالله تعالى، سواء كان المدعو ملكاً أو رسولاً أو نبياً أو صالحاً أو جنياً أو صنماً أو غير ذلك. ويقول جل وعلا: ومن يدع مع الله إلهاً ءاخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون [14] ، فسماهم كفرة بذلك. فمن أعظم مقاصد الحج وأعظم أهدافه إخلاص العبادة لله وحده، وتوجيه القلوب إليه جل وعلا، إيماناً بأنه يستحق العبادة، وإيماناً بأنه المعبود بالحق، وإيماناً بأنه رب العالمين وحده، وأنه صاحب الأسماء والصفات الكريمة وحده لا شريك له ولا شبيه له ولا ند له سبحانه وتعالى. وقد أشار إلى هذا في قوله جل وعلا: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود [15] ، وفي البقرة: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود [16] . يعبدانه وحده عند بيته الكريم، ويطهران ما حول البيت من الأصنام والأوثان وسائر ما حرم الله من النجاسات ومن كل ما يؤذي الحجيج أو العمار أو يشغلهم عن هدفهم. فالبيت للمصلين وللطائفين وللعاكفين وهم المقيمون عنده يعبدون الله فيه وفي حرمه، يجب أن يطهر لهم من كل ما يصد عن سبيل الله، أو يلهي الوافدين إليه من قول أو عمل. ثم يقول سبحانه بعد ذلك: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق [17] . وقد أذن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الناس وأسمع صوته لمن شاء من العباد وأجاب الناس هذه الدعوة المباركة من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا. وقد جاء في آثار فيها نظر أن آدم حج البيت ومن بعده إلى عهد إبراهيم، ولكن الأدلة الثابتة أن أول من قام بتعميره والدعوة إليه هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولكن الله حرمه يوم خلق السموات والأرض ثم حرمه بحرمة الله إلى يوم القيامة. ثم قال جل وعلا: ليشهدوا منافع لهم [18] ، أطلقها وأبهمها لعظمها وكثرتها، منافع عاجلة وآجلة ، منافع دنيوية وأخروية، فمنها وأعظمها ليشهدوا توحيده والإخلاص له، في الطواف ببيته، والصلاة في رحاب بيته، والدعوة له سبحانه، والإنابة إليه، والضراعة إليه بأن يقبل حجهم، ويغفر لهم ذنوبهم، ويردهم سالمين إلى بلادهم ، ويمن عليهم بالعودة إليه مرة بعد مرة، ليضرعوا إليه جل وعلا. هذه أعظم المنافع ، أن يعبدوه وحده ، وأن يأتوا قاصدين وجهه الكريم لا رياء ولا سمعة، بل جاءوا ليطوفوا في بيته، وليعظموه ، وليصلوا في رحاب بيته ويسألوه من فضله جل وعلا . هذه أعظم المنافع وأكبرها ، توحيده والإخلاص له، والإقرار بذلك بين عباده، والتواصي بذلك بين العباد الوافدين. يتعرفون هذا الأمر العظيم، ويلبون بأصوات يسمعها كل أحد؛ ولهذا شرع الله رفع الصوت بالتلبية، ليعرفوا هذا المعنى، وليحققوه، وليتعهدوه في قلوبهم وألسنتهم. وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((إن جبرائيل أتاني فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال)) [19] . فالسنة رفع الصوت بهذه التلبية ، حتى يعلمها القاصي والداني، ويتعلمها الكبير والصغير ، والرجل والمرأة، وحتى يستشعر معناها ويتحقق معناها، وأن معناها إخلاص العبادة لله وحده، والإيمان بأنه إلههم الحق ، خالقهم ورازقهم ومعبودهم جل وعلا في الحج وغيره.
ومن مقاصد الحج أن يتعارف المسلمون ويتواصوا بالحق ويتناصحوا. يأتون من كل فج عميق من غرب الأرض وشرقها وجنوبها وشمالها، يجتمعون في بيت الله العتيق ، في عرفات، في مزدلفة، في منى، في رحاب مكة، يتعارفون ويتناصحون ، ويعلم بعضهم بعضاً،ويرشد بعضهم بعضا ويساعد بعضهم بعضا ويواسي بعضهم بعضاً، مصالح عاجلة وآجلة، مصالح التعليم والتوجيه والإرشاد والدعوة إلى سبيل الله، وتعليم مناسك الحج، وتعليم الصلاة ، وتعليم الزكاة، يسمعون من العلماء ما ينفعهم ؛ لأن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بما يزكيهم وبما يعلمهم الكتاب والحكمة، فيسمعون في رحاب بيت الله العتيق وفي رحاب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ذهبوا إليه وزاروه، يسمعون من العلماء ما فيه من الهداية والإرشاد إلى طريق الرشاد، وسبيل السعادة إلى توحيد الله والإخلاص له، إلى ما أوجبه على عباده من الطاعات ، وإلى ما حرم عليهم من المعاصي ليحذروها ، وليعرفوا حدود الله ويتعاونوا على البر والتقوى. فمن أعظم المنافع وأجلها أن يتعلموا دين الله، ويتبصروا في رحاب البيت العتيق ، ورحاب المسجد النبوي ، من العلماء والمرشدين والمذكرين ما قد يجهلون من أحكام دينهم، وما قد يجهلون من أحكام حجتهم وعمرتهم، حتى يؤدوها على علم وبصيرة، وحتى يعبدوا الله في أرضهم وأينما كانوا على علم وبصيرة. من هنا نبع هذا العلم، ونبع علم التوحيد وصدر، ثم من المدينة، ثم من سائر هذه الجزيرة، ومن سائر بلاد الله التي وصلها العلم وأهله، لكن أصله من هنا من رحاب بيت الله العتيق. فعلى العلماء أينما كانوا، وعلى الدعاة أينما كانوا ، ولا سيما هنا في رحاب بيت الله، أن يعلموا الناس ، أن يعلموا الحجيج ويعلموا العمار ويعلموا القاطنين والوافدين والزائرين، يعلمونهم مناسك حجهم، يعلمونهم لماذا خلقوا، وبماذا أمروا، خلقوا ليعبدوا الله، وأمروا بعبادة الله، : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [20] ، : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [21] . فعلى العلماء –وفقهم الله- أينما كانوا، ولاسيما الموجودين في رحاب بيت الله العتيق ، أن يعلموا الناس ، أن يعلموا ضيوف بيت الله الحرام، وأن يرشدوهم في المساجد وفي الطرقات وفي السيارة وفي الطائرة وفي السفينة، في أي مكان، عليهم أن يعلموهم دينهم وما خلقوا له، وأن يرشدوهم إلى أسباب النجاة ، وأن يحذروهم من أسباب الهلاك، وعليهم بوجه خاص أن يعلموهم مناسك حجهم وعمرتهم التي جاءوا ليؤدوها، يعلموهم في البيوت إذا اجتمعوا في البيوت، وفي الخيمة وفي الطريق وفي المسجد وفي السيارة وفي الطائرة وفي السفينة وفي أي مكان، هكذا المؤمن هكذا العالم هكذا طالب العلم لا يدع فرصة إلا انتهزها للتعليم والتوجيه والإرشاد، والمؤمن هكذا لا يدع فرصة إلا انتهزها للتعلم والاستفادة من العالم وطالب العلم أينما كان، ولا سيما في رحاب بيت الله العتيق في أيام الحج، هذا الموسم العظيم. فالمسلم مأمور بالتعلم وبالتفقه أينما كان في أي مكان وزمان، ولكن في رحاب بيت الله العتيق الأمر أعظم، هذا له خصائص والحاجة ماسة والحج حاضر فأنت في أشد الحاجة إلى أن تتعلم، ويجب عليك أن تتعلم؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) [22] رواه الشيخان. فمن علامات الخير لك والسعادة أن تتفقه في دين الله، هنا في بلد الله العتيق وفي بلادك وفي أي أرض كنت من أرض الله متى وجدت العالم، متى وجدت العلم فانتهز الفرصة ولا تتكبر ولا تكسل، فالعلم لا يناله المتكبرون ولا يناله الكسالى والعاجزون، فهو يحتاج إلى نشاط وهمة عالية، ولا يناله المستحون، وهو ليس حياء في الحقيقة الذي يمنع من العلم، ولكنه خور وضعف وعجز؛ يقول مجاهد رحمه الله التابعي الجليل: “لا يتعلم العلم مستحٍ ومستكبر” . المؤمن عادة لا يستحي في هذا، يتقدم والمؤمنة كذلك، كل منهما يتقدم، يسأل ويبحث ويبدي ما لديه من الإشكال حتى يزول إشكاله. ومن علامات السعادة والتوفيق والخير أن تتعلم وأن تتفقه في دين الله؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة)) [23] . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً ، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم.. )). [24] فعلى كل مؤمن ومؤمنة التفقه في دين الله.ومن أهداف الحج والعمرة التبصر والتفكر في دين الله وهذا من أعظم المنافع ومن منافع الحج نشر العلم بين الحجاج لمن جاء وافداً وعنده علم أيضاً ينشره بين الناس مع إخوانه في مكة، ينشر العلم بين الحجيج وبين رفقائه، وفي الطريق، في السيارة، في الطائرة، في الخيمة، في كل مكان ينشر علمه، فرصة ساقها الله إليك؛ فمن أهداف الحج أن تنشر علمك، وأن توضح للناس ما لديك، لكن بالاعتماد على قول الله ورسوله لا بالآراء الخارجة عن الكتاب والسنة، تعلَّم الناس عن كتاب الله وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعما استنبطه أهل العلم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا عن جهل وعدم بصيرة بل بالعلم والبصيرة: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة [25].ومن أهداف الحج ومقاصده ومنافعه الاستكثار من الصلوات والطواف: :ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق [26] . فعلى الحاج والمعتمر أن يكثر من الطواف متى قدر عليه من غير مزاحمة ولا مشقة، والإكثار من الصلاة في الحرم وفي مساجد مكة، فالصواب أن التفضيل في الثواب يعم المساجد كلها، يعم الحرم كله، وهو أرجح ما قاله العلماء. فاغتنم الفرصة في المسجد الحرام وفي مساجد مكة وفي بيتك، تطوع من الطواف والإكثار من الصلاة والإكثار من التسبيح والتهليل والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله. فانتهز فرصة اجتماع هذا الجمع الغفير من الناس من أفريقيا وأوربا وأمريكا وآسيا وغيرها، واحرص على التبليغ عن الله، وعلم مما أعطاك الله، ثم احرص على العمل الصالح من صلاة وطواف ، ودعوة إلى الله، وتسبيح وتهليل، وذكر وقراءة قرآن، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وعيادة المريض ، وإرشاد الحيران إلى غير ذلك من وجوه الخير. ومن منافع الحج العظيمة إيفاء ما عليك من نذور ، من عبادات نذرتها تؤدى في المسجد الحرام، ومن هدايا تذبحها في منى وفي مكة، ومن صدقات تؤديها، وإن كان النذر لا ينبغي، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((النذر لا يأتي بخير)) [27] ، ولكن إن نذرت طاعة وجب الوفاء بها؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) [28] . إذاً فإن نذرت في هذا الحرم صلاة أو طوافاً أو غير ذلك ، فيجب أن تؤديها في هذا البلد الحرام وليوفوا نذورهم [29] ومن المقاصد العظيمة والأهداف العظيمة للحج أن تواسي الفقير وتحسن إليه، من الحجاج وغير الحجاج، في هذا البلد الأمين وفي الطريق وفي المدينة المنورة، تواسي مما أعطاك الله ، تواسي الحجيج الفقراء ، تواسي من قصرت به النفقة، من عدموا القدرة على الهدي. هذه هي الأهداف والمقاصد العظيمة، وقد أطلقها عز وجل: ليشهدوا منافع لهم [30] ، في منافع منوعة، ومواساة الحجيج الفقراء ، والإحسان إليهم، وسد خلتهم مما أعطاك الله عز وجل، أو الشفاعة لهم عند من يعطيهم ويحسن إليهم ويسد خلتهم. ومن ذلك مداواة المريض وعلاجه والشفاعة له عند من يقوم بذلك، وإرشاده إلى المستشفيات والمستوصفات حتى يعالج ، وإعانته على ذلك بالمال والدواء، كل هذا من المنافع. ومن المنافع العظيمة التي ينبغي لك أن تلزمها دائماً الإكثار من ذكر الله في هذا البلد الأمين، والإكثار من ذكر الله في كل الأحوال قائماً وقاعداً: “سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر” والدعاء والإلحاح به. فمن المنافع العظيمة أن تجتهد في الدعاء إلى ربك والضراعة إليه أن يتقبل منك، وأن يصلح قلبك وعملك،وأن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يعينك على أداء الحمد الذي عليك على الوجه الذي يرضيه ، وأن يعينك على الإحسان إلى عباده ونفعهم، وأن تكون في منفعتهم وفي مواساتهم وفي إعانتهم على الخير ، وأن لا يتأذوا منك بشيء . تسأل الله أن يجعلك مباركاً لا تؤذي أحداً ، وتنفع ولا تؤذي. فمن المنافع العظيمة أن تحرص على النفع وعدم الأذى، ولا تؤذ الناس ، لا في الطريق، ولا في الطواف ، ولا في السعي ، ولا في عرفات، ولا في مزدلفة، ولا في منى، ولا في أي مكان، ولا في الباخرة ولا في الطائرة، ولا في السيارة ولا في الخيمة ولا في أي مكان، ولا تؤذهم، لا بسب ولا بكذب، ولا بيدك ولا برجلك ، ولا بغير ذلك؛ تتحرى أن تنفع ولا تؤذي أينما كنت، تتحرى أن تنفع الناس من الحجيج وغيرهم، وألا تؤذي أحداً، لا بقول ولا بعمل، هذه من المنافع العظيمة. ومن المنافع العظيمة للحج أن تؤدي المناسك في غاية من الكمال، في غاية من الإتقان، في غاية من الإخلاص: في طوافك وسعيك ورمي الجمار، وفي عرفات، وفي مزدلفة، تكون في غاية الإخلاص، في غاية من حضور القلب ، في غاية من جمع القلب على الله، في دعائك وذكرك وقراءتك وصلاتك، وغير ذلك، تجمع قلبك على الله وتحرص أينما كنت على الإخلاص لله. ومن المنافع الهدايا، سواء كانت واجبة عند التمتع والقران ، أو غير واجبة، تهديها تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى. وقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم سبعين بدنة وأهدى الصحابة، فالهدي قربة إلى الله ، تشتري وتنحر وتوزع على الفقراء والمحاويج، في أيام منى أو في غيرها، هدايا تطوع تنفع بها الناس في منى، وفي غير منى، قبل الحج وبعده. أما هدي التمتع فهو في منى وفي مكة أيضاً، في أيام منى وهي أربعة. أما الصدقة بالذبائح وبالمال ففي أي وقت، لو ذبحت هذه الأيام وتصدقت ووزعتها على الفقراء ، ووزعت أطعمة أو ملابس أو دراهم، كله خير . إنما الذي يخص به أيام منى –الأربعة- الهدايا والضحايا، أما التطوعات بالذبائح فوقتها واسع، في جميع الزمان. هذا وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يصلح قلوبنا وعملنا جميعاً ، ويتقبل منا ومن سائر الحجاج حجنا وعمرتنا، وأن يعيد الحجاج جميعاً إلى بلادهم سالمين موفقين، مغفوراً لهم، متعلمين متبصرين، وقد عرفوا الحق بدليله، وعرفوا التوحيد على بصيرة ، حتى يرجعوا إلى بلادهم غانمين موفقين، قد عرفوا دين الله على بصيرة وقد أدوا حجهم على بصيرة، وعمرتهم ومناسكهم على بصيرة.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يوفقنا جميعاً لما يرضيه ، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعاً ، وأن يمنحنا الفقه في دينه ، وأن يوفق حجاج بيت الله الحرام وعماره لكل ما يرضيه ، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يعلمهم ما ينفعهم، وأن يردهم غانمين موفقين سالمين إلى بلادهم ، وأن يتقبل من الجميع، إنه جل وعلا جواد كريم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *