الرئيسية / مـنـوعـات / الحج.. رحلة الأشواق

الحج.. رحلة الأشواق

الحج.. رحلة الأشواق

أحمد الجوهري عبد الجواد

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد فيا أيها الأحبة:
إنّ دين الله الذي ارتضاه لعباده هو الإسلام، ليس لله دينٌ سواه، فبالإسلام أرسل الله سبحانه الرسل جميعًا آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وداود وعيسى ابن مريم وجميع الأنبياء ولبنة تمامهم ومسك ختامهم محمد – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين –، وبالإسلام أنزل الله تعالى الكتب كلها الصحف والزبور والتوراة والإنجيل والقرآن، وبالإسلام تعبد الله الخلق ووعدهم على عبادتهم تلك الجنة وأوعد من يبتغ غير الإسلام دينًا بأنه لن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

ومن ثمّ – أيها الكرام! – فما يتصوّره بعض النّاس من أن الأديان ثلاثة أو أكثر وأنّ لله دينًا يسمّى اليهوديّة أو دينًا يسمّى المسيحيّة هو تصوّر خاطئ فليست هذه أديان! كلا، بل دين موسى الإسلام ودين عيسى الإسلام، وما أتيا به هي شرائع تنبثق كلها عن دين واحد هو الإسلام جاء كل نبي بشريعة تناسب زمانه وتلائم عقول الناس في عصره ثم انتهت تلك الشرائع وقت أن بعث الله ختام النبيين وآخر المرسلين محمدًا – صلى الله عليه وسلم – فكان العاقبَ الذي لا نبي بعده، وهذه الشرائع – أيها الأحبة! – تتفق في أشياء وتختلف في أشياء ومما اتفقت فيه هذه الشرائع فيما بينها فلم تخلو منه شريعة على الإطلاق تعظيم بيت الله الحرام بالحج والاعتمار إليه، فكان هذا البيت محورًا مركزيًّا في دعوات الأنبياء جميعًا من لدن آدم إلى محمدٍ صلى الله عليهم وسلم أجمعين بل هو رباط ودٍّ وإخاءٍ بين البشرية وسكّان السماء من الملائكة الأطهار الكرام، فالكعبة بيت الله الحرام بنتها الملائكة للناس كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96] وُضِعَ للنّاس، فيكون من وضعه غير النّاس وهم الملائكة كما ثبت في الصحيحين والمسند عن أبي ذَر، رضي الله عنه، قال قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ مَسجِدٍ وُضِع في الأرض أوَّلُ؟ قال: “الْمسْجِدُ الْحَرَامُ”. قلت: ثم أَيُّ؟ قال: “الْمسجِدُ الأقْصَى”. قلت: كم بينهما؟ قال: “أرْبَعُونَ سَنَةً”. قلتُ: ثم أَيُّ؟ قال: ثُم حَيْثُ أدْرَكْت الصَلاةَ فَصَلِّ، فَكُلُّهَا مَسْجِدٌ”.[1]، وكان الملائكة أوّل من حج إليه، وأكرِم بهم من وفدٍ، ثم حج إليه آدم ونوح وسائر الأنبياء من بعدهم، وجدّد إبراهيم عليه السلام بناءه وحجّ إليه أبناؤه كلهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب ثم موسى وعيسى ومحمّد عليهم الصلاة والسلام، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين مكة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: أي واد هذا؟
فقالوا: وادي الأزرق.
قال: كأني أنظر إلى موسى، فذكر من لونه وشعره شيئًا، واضعًا أصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله بالتلبية، مارًّا بهذا الوادي.
قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية.
فقال: أي ثنية هذه؟
قالوا: هرشى – أو لفت -.
فقال: كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته خلبة، مارًّا بهذا الوادي ملبيًا. [2]

بل سيحجّ إليه نبي الله عيسى – عليه أفضل السلام – إذا نزل من السماء في آخر الزمان كما هو وعد الله – سبحانه وتعالى – على لسان رسوله محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما صحّ عنه بقوله: “والذي نفسي بيده، ليهلنَّ ابن مريم بفج الروحاء، حاجاً ومعتمراً، أو ليثنينهما”.[3]

أي يجمع بين الحج والعمرة، والرّوحاء هذا مكان بين المدينة ووادي الصفراء في طريق مكة على نحو أربعين ميلاً من المدينة أو ستة وثلاثين أو ثلاثين “.[4]

وعن أبي سعيد – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليُحَجَّنَّ هذا البيت، وليُعْتَمَرنّ بعد خروج يأجوج ومأجوج”.[5]

وكذا روى عبد بن حميد عن أبي هريرة – رضي الله عنه – في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾؛ قال: “خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون كأربع سنين؛ يحج ويعتمر”.[6]

فالكعبة وضعها الملائكة وجدّد بناءها إبراهيم وحج إليها هو وبنوه وما أجمل ما قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في هذا الموضع من تفسيره:
يُخْبر تعالى أن أول بيت وُضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده ﴿ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام الذي يَزْعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجِه، ولا يَحجُّون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه. ولهذا قال: ﴿ مُبَارَكًا ﴾ أي وُضع مباركا ﴿ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾.[7]

فيبقى أنّ أمّة الإسلام هي التي تؤمن بالأنبياء جميعًا، وهي التي رثت مواريث الأنبياء كلها، وتعظم ما يعظّمون وتعمل بما كانوا يعملون: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68].

وليس الحجّ – أيها الأحباب! – نافلةً أو مستحبًّا بل هو فريضة بأمر الله تعالى وأمر رسوله – صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾. [آل عمران: 96، 97].

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: خطبنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: ” أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا”. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم -؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، ثم قال – صلى الله عليه وسلم – “لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم”. ثم قال: “ذرونى ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم، على أنبيائهم، فماذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه”.[8]

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصيام رمضان”.[9]

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدى فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة”.[10]

وعن الصبى بن معبد قال: “أتيت عمر – رضي الله عنه – فقلت: يا أمير المؤمنين، إني أسلمت، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبيْن علي، فأهللت بهما. فقال: هديت لسنة نبيك”.[11]

فالحجّ واجبٌ مع العمرة، مرّة في العمر، على كل مسلم، بالغ، عاقل، حر، مستطيع.

ومن ثم لا يجب على الصبى والمجنون، لقوله – صلى الله عليه وسلم -: “رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم”.[12]، لكن إذا حجّ الوالد بابنه أو ابنته صحّ حجّهما وكُتب لوالده أجرٌ على ذلك، فعن ابن عباس – رضي الله عنهما -: أن امرأة رفعت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: “نعم ولك أجر”.[13]

لكن إذا بلغ هذا الصّبي الذي حجّ به والده فعليه أن يحجّ حجة الفريضة، فإن الفريضة لا تسقط إلا عمن حج بالغًا عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “أيما صبىّ حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى”.[14]

فليفخر المسلم بأنه الوحيد من بين أهل الأرض الذي يحمل ميراث الأنبياء ويحميه، ليس من بين البشر من يهتدي بهدى الأنبياء غيرك في العقيدة والشريعة، فاحمد الله أن خلقك موحّدًا وأن أرسل إليك النبيّ محمّدًا:

ومما زادني شرفًا وتيهًا
وكدتُّ بأخمصي أطأ الثريّا
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن أرسلت أحمد لي نبيًّا

فالحمد لله الذي جعلنا من الموحّدين، وبعثنا في خير أمّةٍ أخرجَت للعالمين، وإنّ هذا لشرفٌ أيّ شرف لكلّ إنسان ويحقّ له به الفخار.

أيها الكرام!
إنّ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يتمنون إتيان هذا البيت في كلّ لحظةٍ من ليل أو نهار، فليس معنى فرضية الحج والعمرة أنهم يأتونه مكرهين! كيف؟ والفقير قبل الغني والضعيف قبل القوي والصغير قبل الكبير الكلّ يودّ أن لو ثاب إلى البيت كل عام بل وفي خلال العام!

وإن كان الله تعالى لم يفرض الحج إلا على المستطيع كما في قوله تعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ فتجد من المستضعفين ومن العجزة والمرضى ومن لا يستطيعون يتحرقون شوقًا لإتيان هذا البيت وملء عيونهم برؤيته وقلوبهم بنوره.

والاستطاعة التي يتحقق بها الفرض – أيها الأحبة! – تتحقق بالصحة، وملك ما يكفي الحاجّ لذهابه وإيابه، فاضلًا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته، وبأمن الطريق.

فهذه هي الاستطاعة كما شرعها الله تعالى أما اشتراط الصحة فلحديث ابن عباس: “أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرًا لا يستطيع أن يستوى على الراحلة، فاحج عنه؟ قال: “حجّى عنه”.[15]

وأما ملك ما يكفيه فاضلا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته، فلقوله – صلى الله عليه وسلم -: “كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت”.[16]

وأما اشتراط الأمن فلأن إيجاب الحج مع عدم الأمن فيه ضرر، والضرر منفى شرعًا.

وإذا توفرت شروط الاستطاعة المذكورة في الرجل أو المرأة وجب عليها الحج كالرجل تمامًا، ألا أنه يشترط في حقها شرط زائد وهو أن يصحبها زوج أو محرم، فإن لم تجد فليست مستطيعة: فعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم – يقول: “لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم”، فقام رجل فقال: يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال “انطلق فحج مع امرأتك”. [17]

وليس هذا حجرًا على المرأة أو تضييقًا عليها – إخوتاه – بل هو محافظة عليها وحماية لها وعلم من الحكيم الخبير سبحانه بما يصلح لها وما هو خير لها.

الشاهد – أيها الأحبة – أن من توافرت له هذه الشروط كان مستطيعًا ويجب على من استطاع المبادرة بالحج، وعدم التأخير لقوله – صلى الله عليه وسلم -: “من أراد الحج فليتعجّل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة”. [18]

وفي هذا الحديث عظة كبيرة للذين يسوّفون ويؤجلون سنة بعد سنة، تجد الواحد منهم صحيحًا معه المال ولا يحجّ، كلما جاء وقت الحجّ يؤخّر، بلا عذر، إلا من حجج واهية، كثرة الأعمال والأشغال! وهل تمنع كثرة الأشغال من طاعة الكبير المتعال؟ الذي رزق القوة ورزق المال؟!

“من أراد الحج فليتعجّل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة”. ولا يسوّف ولا يؤخّر، ولا تخش على الأعمال فستأتي فيها البركة بإذن الله تعالى الذي أطعته ولبيت نداءه وأسرعت إلى تنفيذ أمره.

فإن فوات الحجّ على المستطيع حتى يموت ولم يحجّ كبيرة من كبائر الذنوب يخشى على صاحبها ميتة السوء كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 9 – 11].

يا الله! يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بكثرة ذكره وينها هم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك ويخبرهم بأنه من التَهَى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خُلِقَ له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ فكل مُفَرِّط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئا يسيرًا، يستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات! كان ما كان، وأتى ما هو آت!

روى الترمذيّ عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: من كان له مال يبلغه حجَّ بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاةٌ، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت.

فقال رجل: يا ابن عباس، اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار. فقال سأتلو عليك بذلك قرآناً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدا. قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير.[19]

وروى الحافظ الإسماعيلي من حديث عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – يقول: من أطاق الحجَّ فلم يحجّ فسواء عليه يهوديًّا مات أو نصرانيًّا. [20]

فليحذر المسلم من عذا يا عباد الله! حتى يجتنب هذا المآل الخطير ويفوز بالأجر العميم الذي جعله الله تبارك وتعالى ووعد به رسوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله: – صلى الله عليه وسلم – قال: “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”.[21]

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب والفقر، كما ينفى الكبير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة”.[22]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “من حج لله عَزَّ وَجَلَّ فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه”.[23]

وعن ابن عمر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “الغازي في سبيل الله، والحاج والمعتمر، وفد الله. دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم”.[24]

الله! يا له من فضل تتوق إليه القلوب المؤمنة وتحرص عليه النفوس الطاهرة فلنكن من هؤلاء المؤمنين الأطهار أيها الإخوة الكرام.

أما والذي حجّ المحبّون بيته
ولبّوا له عند المهل وأحرموا
وقد كشفوا تلك الرؤوس تواضعا
لعزّة من تعنو الوجوه وتُسلمُ
يهلون بالبيداء: لبيك ربنا
لك الحمد والملك الذي أنت تعلم
دعاهم فلبوا رضا ومحبة
فلما دعوه كان أقرب منهم

نعم والله! الذي حج المحبون لبيته، ولبوا له عند المهل وأحرموا! لا يحرم هذا الفضلَ إلا خاسرٌ.

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعفو عنّا وأن يتجاوز عن ذنوبنا بمنّه وكرمه، وأن يرزقَنا حجَّ بيته الكريم وأن يتقبل منّا صالح الأعمال.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرًا.

وبعد، فأيها الأحبة الكرام!
قرأ العلامة ابن باز – رحمه الله – يومًا قول الله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة:127] فبكى أكثر من خمس دقائق، وما زاد على قوله: (أمر مخصوص. لعبد مخصوص. بعمل مخصوص. في مكان مخصوص. ومع ذلك يسأل الله القبول)!!

فنسأل الله عز وجل العمل الصالح و القبول.

إن الحج لعظمته وأهميته لم تسم سورة باسم ركن من أركان الاسلام إلا سورته فنقرأ في القرآن الكريم سورة الحج، لكننا لا نجد للصيام أو الصلاة أو الزكاة سورة باسمها وتلك من مكانة الحج وعلو منزلته عند رب العالمين سبحانه.

ولنا إن شاء الله تعالى مع الحج وقفات أخر، نتعرف على كلماته ومواقفه وأركانه وعظاته، وتاريخه وواقعه وبركاته، نسأل الله أن يكون شعار الحج {لبيك اللهم لبيك} شعارنا في الحياة أجمع.

فيوم أن تكون {لبيك اللهم لبيك} هي شعارنا في كل أمر أمرنا الله به وكل نهي نهانا الله عنه ستكون لنا العزة والرفعة والغلبة والنصرة.

ويوم أن تكون {لبيك اللهم لبيك} هي قولنا في كل وقت وأمام كل فعل فستكتب لنا الأولية والعلو على الناس والتمكين في الأرض.

ويوم أن تكون {لبيك اللهم لبيك} هي حالنا مع كل شأن وبصيرتنا نحو كل أمر فسيكون النجاح والفلاح والسعادة من نصيبنا في الدنيا والآخرة.

فألهمنا اللهم تلبية نعرف بها واجباتنا، وندرك بها مكاننا، ونبصر بها حالنا، ونمضي بها إلى تمكيننا وعزنا، وتحتوي بها ملماتنا وأزماتنا، وتنصرنا بها على من عادانا، وتجعل الدنيا في أيدينا، والإسلام مصدر عزنا، وبها تجعل الجنة دارنا.

اللهم اغفر وارحم واعف وتكرم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم ارزقنا توبة تمحو بها ذنوبنا وتغفر بها آثامنا وتقوي بها عزمنا وتطهر بها أفئدتنا لتسمع عنك وتبصر آياتك وتتفقه في دينك… الدعاء.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *