الرئيسية / مـنـوعـات / الحج والحشر.. أهوال وآمال

الحج والحشر.. أهوال وآمال

الحج والحشر.. أهوال وآمال

خميس النقيب

بعيدًا عن الجدال والصِّراع، وبعيدًا عن السياسة والرئاسة، وبعيدًا عن الأسباب والمسبِّبات، فقط نأخذ العبرة ونستلهم الدرس، نَنشُر العِظة ونُجلي العبرة؛ لعلها تكون صحوةً ويقظةً لبعضنا من الإغراق في شهوات الدنيا والتمسُّك بحبائل الشيطان، لعلها تكون إفاقةً للكثيرين ممَّن يَغوصون في وحَل الظلم وظلمات الفساد!

رحلة الحجِّ تذكِّر برحلة الآخرة؛ هناك تتساقَط الرُّتَب، وتتلاشى المناصِب، ويَتهاوى الجاه، ويتوارى السُّلطان، يومٌ يذكِّر الناسَ إن غفلوا، وينبِّههم إن حادوا عن الطَّريق المستقيم، يوم يُحشر الناس حُفاةً عراةً، حاسري الرُّؤوس، يَحدوهم رجاء واحِد، وأمل واحد، وهدفٌ واحد؛ هو الفوز برضوان الله عزَّ وجلَّ، نعم.

الناسُ يَلهون، والساعةُ نحوهم مُسرِعة، وينسون والقدر معهم جادٌّ، ويغفلون وكلُّ ذرَّة من أعمالهم مَحسوبة، ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المجادلة: 6]، تأتيهم هذه الشَّعيرة لتُذكِّرهم بالقدوم على الله تعالى، محطَّات للمؤمن يتزوَّد من خلالها للقاء الله تبارَك وتعالى، فيتَّبع ولا يَبتدع، يَرتدِع ولا ينخدع، يستمع ولا يَمتنع.

الحج يذكِّر بيوم الحشر، الكل يُحاول النجاة بنفسه، وما حدث مؤخَّرًا من حادثة التدافع في مِنى لهو العبرة والعظة، وكأنه صورة مصغَّرة ليوم الآخرة؛ الإحرام والكفن، المساواة والمواساة، التدافُع والترافُع، الظمأ والعرق، الموت والفَوت، وكما أنَّ الحاج يُحاول أن يمرَّ مِن أهوال الزحام ويَنتهي من عناء المناسك مِن طواف وسعي ووقوف ورمي، ويُحقِّق آماله بأن يرجع من حجِّه كيوم ولدته أمُّه، كذلك القادم علي ربه يتمنَّى أن يَنجو من أهوال الآخرة، ويَحوز رضا ربه وعفْوه وكرمه، وهذا لن يتأتَّى له إلا بحسْن عمله وإخلاصه في ابتغاء وجه ربه!

أحد الذين كانوا في حادث منى وكتب الله له النجاة يَحكي: إن التصادم ظلَّ أكثر من ساعة؛ لدرجة أن بعض الأشخاص ماتوا واقِفين، ولا يقدر أحد أن يفعل لهم شيئًا، وهذا يذكِّر بهول الزحام في الآخرة.

يقول: إنه لم يستوعب الأحاديث الواردة في أهوال يوم القيامة (مع فارق التشبيه) إلا عندما عاش هذا الحادث.

فبعد مدة من التصادم والاختناق والتدافع بدأتْ ملابس الإحرام بالسقوط من على الرجال، ليُصبح بعضهم عاريًا تمامًا، إلا أن هول الموقف لا يدع أحدًا ينظر لعورة الآخر؛ وذلك مثل ما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهوال يوم القيامة؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يُحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرْلاً)) قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعًا؛ ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: ((يا عائشة، الأمر أشدُّ مِن أن يُهمَّهم ذلك))، وفي رواية: ((الأمر أهمُّ مِن أن ينظر بعضهم إلى بعض))؛ متفق عليه.

غُرلاً: بضمِّ الغَين المُعجمة؛ أي: غير مختونين.

ويَحكي هذا الحاج أنه كان يقف على الأرض ويَشعُر بالجُثَث تحت أقدامه، وبعد مُرور وقت شعَر بشيء يَقرضه في رجله ولم يَدرِ ما هذا الشيء، وتكرَّر الأمر ليَعلم أن إحدى السيدات ممَّن هم تحت الأقدام لا تزال بها الروح، وتعضُّه في قدمه لتُبلغه أنها لا تزال حيةً ليُنقذها، ولكن للأسف لم يتمكن أن يفعَل لها شيئًا (نفسي نفسي) وتذكَّر قول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس: 34 – 37]، فيقول: لو كانت أمي هي التي تحتي ما استطعت أن أفعل لها شيئًا!

إذا كان هذا في يومٍ مقداره أربع وعشرون ساعة، فما بالنا بيوم مقداره خمسين ألف سنة؟!

في ذلك اليوم تندكُّ الأرض، وتُسيَّر الجبال، وفي ذلك اليوم تشتدُّ الأمور، وتَعظُم الأهوال، وفي ذلك اليوم ينزل للقضاء بين عبادِه الحكمُ العدلُ المُتعال، في ذلك اليوم تُحشَرون حافيةً أقدامكم، عاريةً أجسامكم، شاخصةً أبصاركم، واجفةً قلوبكم، في ذلك اليوم يَجمع الله الأولين والآخرين مِن الإنس والجنِّ والدَّوابِّ في صعيدٍ واحدٍ، يَسمعهم الدَّاعي، وينفذهم البصر، في ذلك اليوم يفرُّ المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكلِّ امرئ منهم يومئذٍ شأنٌ يغنيه، في ذلك اليوم يَقبض الله الأرض بيده، ويطوي السَّماوات بيمينه، ثمَّ يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟! أين المتكبرون؟! وفي ذلك اليوم تدنو الشَّمس من رؤوس الخلائق حتَّى تكون قدْر مَيل، فيعرق النَّاس على قدر أعمالهم، فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم مَن يَبلُغ إلى حِقوَيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا، فعند ذلك يَبلُغهم من الغمِّ والكرب ما لا يُطيقون ولا يَحتملون، فيقول النَّاس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلَغَكم، ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربِّكم، فيذهبون إلى آدم، فيعتذر ويقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوحٍ، فيأتون فيَعتذر ويقول: اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيمَ، فيأتون إبراهيم فيعتذر ويقول: اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيذهبون إلى موسى فيعتذر ويقول: اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى، فيذهبون إلى عيسى فيعتذر ويقول: اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيأتون نبيَّ الله محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم فيشفع في النَّاس؛ ليُقضى بينهم، وهذا مِن المقام المحمود الذي وعده الله نبيَّنا صلَّى الله عليه وسلَّم في قوله: ﴿ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسراء: 79].

فعلَينا إذًا أن نَنحاز إلى شرع الله وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم إن أردنا الفلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، علينا أن نعضَّ عليها بالنواجذ؛ ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه: 123]، ((عليكم بسنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ))؛ صحيح، لعلها تكون عظةً لنا جميعًا.

اللهمَّ تقبل عندك الحجيج جميعًا، وهوِّن علينا أهوال الدنيا والآخرة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *