الرئيسية / مـنـوعـات / بيت المقدس في رحلة الحج

بيت المقدس في رحلة الحج

بيت المقدس في رحلة الحج

د. حسام الدين السامرائي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تشَدُّ الرحال إلا ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الأقصى”.

تمر بنا هذه أيام ذكرى رحلة الحج، الرحلة التي تهوي بها النفوس وتتوق فيها الأفئدة لشد الرحال إلى المسجد الحرام مستجيبة لأمر الله عز وجل: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [الحج: 27]، وقوله سبحانه: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97]، وطائعةً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له.

ومع فريضة الحج وشد الرحال إلى بيت الله الحرام نرى أن الأمة في سابق عهدها ولأجل قريب كانت تنظر إلى الحج وكأنه رحلة لجمع التوائم الثلاث (المسجد الحرام ومسجد النبي والمسجد الأقصى) وكأنها تجمع بين المساجد الثلاث في رحلة واحدة كالأم الحنون التي تحتضن أولادها جميعاً في مشهد يشعرك بعظيم تلك المسؤولية التي كانت تتحلى بها هذه الأمة.

لا أقصد من عباراتي تلك أن أجعل زيارة المسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى منسكاً من مناسك الحج، معاذ الله، فالحج وأركانه وواجباته وسننه معروفة معلومة، لكنني أريد التأمل في ضمير الأمة وهويتها وهي تنظر الى طرفها البعيد ( المسجد الأقصى ) في رحلتها لحج بيت الله الحرام.

لعل ما يدهش أن بعض مصنفات الحج كان يخصص جزء منها لبيان فضل بيت المقدس وهنا السؤال: ما الذي جعل علماء الأمة يخصصون باباً لبيت المقدس في مصنفات الحج؟

تأمل معي الإجابة ونحن نقرأ ما رواه ابو داود وابن ماجة والبيهقي بسند ضعيف من حديث أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أهلَّ بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة ) ورغم أن الحديث معلول في صحته حتى قال عنه ابن القيم: إسناده ليس بالقوي، وقال عنه ابن كثير: حديث فيه اضطراب، إلا أن أبا داود قال: رحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.

نعم كانوا يشعرون أن هوية الأمة تعتمد على اأكانها الثلاثة: المسجد الحرام ومسجد النبي والمسجد الأقصى. وإلى عهد قريب وربما إلى ستينيات القرن الماضي تحديداً والحجاج يقضون نسكهم عند بيت الله الحرام ثم يتوجهون الى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشدون الرحال إلى بيت المقدس في رحلة واحدة، وخصوصاً القادمون من بيت المغرب العربي وأوقافهم هناك معروفة معلومة بل بعضهم فضّل السكنى والعيش بجوار بيت المقدس فترى أسواقهم ومدارسهم وإرثهم لا يزال شاهد على تلك الرحلة.

وهنا يذكر أهل التاريخ أن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي حين أتم حجه في عام 140هـ زار بيت المقدس، وكذا فعل الخليفة المهدي في رحلة حجه لعامين 162هـ والتي تليها، بل كان الشعراء يتفاخرون بالتقريب بين القبلتين حتى قال المعري:

وبعين سلوان التي في قدسها ♦♦♦ طعم يوهم أنه من زمزم

وقال المعلى بن شريف مولى الخليفة المهدي:

يا صاحِ إني قد حججـــ ♦♦♦ ـتُ وزرت بيــت المقدسِ

ومن خلال ما تقدم نقرأ ما ورد في الأثر أن تميماً الداريَّ سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتطع له أرضاً من حبرون ( وهي الخليل من فلسطين ) فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم وأشهد على ذلك أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم جميعاً رغم أن أرض فلسطين حينها كانت تحت سلطان الروم، وكأنها بشارة منه عليه الصلاة والسلام على فتح فلسطين فلما كان عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفى بعهد النبي صلى الله عليه وسلم لتميم واقتطع له أرضاً من الخليل فأوقفها تميم على نفسه وأهل بيته.

اليوم والأمة تمر في موسم الحج وعينها على بيت المقدس الذي يدنسه الصهاينة فيعبثون به ليغيروا ملامحه ويشردوا أهله ويهدموا أساسه وبنيانه، فلا ينبغي لنا كأمة أن نقف مكتوفي الأيدي دون أن ننصر المرابطين هناك ولو بالدعاء.

ولا ننسى أن المؤامرة على بيت المقدس قديمة جداً، فاعتدى عليه الجبارون ليحرره يوشع بن نون عليه السلام ثم يعتدي عليه جالوت ويسخر الله لتحريره طالوت ثم يعتدي عليه الروم فيجهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش أسامة كفاتحة ليتحرر في خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه ثم يعتدي عليه الصليبيون فيحرره صلاح الدين رحمه الله.

واليوم يعتدي عليه الصهاينة في أبشع صورة والأمة منشغلة في انقسامها وتحدياتها فأين الرجال الذين يودون أن يسجلوا أسماءهم بجوار عمر وصلاح الدين وطالوت؟

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26].

رحلة الحج تذكرنا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وببيت المقدس كما ألهم الله المؤمنين الشوق الى زيارة بيته الحرام..

حفظ اللهُ مقدساتِ الأمة من كيدِ الأعداء ومكر الماكرين

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *