الرئيسية / مـنـوعـات / من أسرار الحج

من أسرار الحج

من أسرار الحج

د. محمد إبراهيم العشماوي

1- لأن الحج أكثر العبادات اشتمالا ًعلى أنواع المشقات؛ وقع فيه من التيسيرات ما ليس في غيره من العبادات، ومن هذه التيسيرات الإنابة في الرمي عن النساء والصبيان والضعفة، فلا أدري لماذا يصرُّ كثير من الحجاج على اصطحاب هؤلاء إلى مَرْمَى الجمرات، وتعريضهم للمشقة والتلف، مع هذه الرخصة العظيمة التي ترفع عنهم الحرج!

2- لعل الحكمة في حلق الشعر في الحج، وكونه أفضل من التقصير، وأعظم أجراً؛ هي التشبه بالطفل وقت ولادته، فإن هيئة رأس الحاج حين يحلق؛ كهيئة رأس المولود حين يولد، وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم من دخل في الإسلام أن يحلق عنه شعر الكفر، لأنه بإسلامه قد ولد من جديد، فإذا انضم إلى ذلك لباس الإحرام، وكونه يشبه الخرقة التي يُلَفُّ فيها الطفل حين يولد؛ علمنا يقينا سر قوله صلى الله عليه وسلم: (رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)!

3- لعل من الأسرار المخبوءة التي يمكن الكشف عنها لمن فتح الله له باباً للفهم عنه؛ أن الحديث عن نفي الحرج في الدين إنما وقع في سورة الحج، وذلك في قوله تعالى في ختام السورة ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج : 78]، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله عما يفعل في الحج خصوصا: “افعل، ولا حرج”!

وذلك أن هذه العبادة هي أكثر العبادات اشتمالاً على أنواع المشقات، من حيث إنفاق الأموال الكثيرة لأدائها، والمال شقيق الروح، ومن حيث كونها تؤدى في مكان مخصوص يجب شدُّ الرحل إليه، لا كسائر العبادات، وما في ذلك من مشقة مفارقة الأهل والوطن، وتوقع نزول المكروه من مرض أوهلاك، والسفر مظنة لذلك، ومن حيث طول زمانها، فهي أطول العبادات على الإطلاق، فهي في أقل الأحوال تستغرق ثلاثة أيام، ومن حيث تنوع الأعمال فيها بتنوع الأماكن، من وقوف ومبيت وطواف وسعي ورمي وغير ذلك، ومن حيث مخالفة الإلف والعادة بلباس الإحرام وترك محظوراته التي هي من عادات البشر، ومن حيث كون معظم أفعالها مخالفاً لمنطق العقول؛ كالطواف بالكعبة وهي حجر، وتقبيل الحجر، ورمي الحجر بالحجر.

ومن أجلِ هذه المشقات التي اشتملت عليها عبادة الحج اعتبرته الشريعة الغراء جهاداً للضعيف والمرأة، ومن أجلها أيضاً وقع الحديث عن نفي الحرج في الدين في سورة الحج، وفي حجة النبي صلى الله عليه وسلم، فتدبَّرْ!

4- لا دليل على أن رحلة الحج شبيهة برحلة الآخرة؛ أدل من ذلك الإحساس بتوقع الموت فيه كل لحظة، والاستعداد لذلك بكتابة الوصايا، وسداد الديون، ورد المظالم، واسترضاء الخصوم!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *