الرئيسية / مـنـوعـات / من وحي الحج

من وحي الحج

من وحي الحج

د. محمد رفعت زنجير

الحج فريضة من أسمى فرائض هذا الدين، فيه يلتقي المسلمون من كل بقاع الأرض، يدعون ربهم ويلبون نداءه، ويطلبون منه تباركت أسماؤه وتقدست ذاته أن يحقق لهم عز الدنيا والآخرة، وهم يهتفون بصوت مدوٍّ واحدٍ الدعاءَ العذب الخالد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

والحج فريضة تؤدى مرة واحدة في العمر، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97] يأتي الإنسان فيغسل ذنوبه، ويعود إلى بلده كيوم ولدته أمه طهراً وصفاء ونقاء وتوبة، ليبدأ حياته من جديد على قواعد الإسلام، حتى يلاقي ربه بالأعمال الصالحة، فيلقاه ربه بالعفو والثواب.

وفي الحج حكم وأسرار شتى ذكرها العلماء الأجلاء، منها أنه تجرد حقيقي لله عز وجل، وعزوف عن الدنيا، وهو جهاد لا قتال فيه كما ذكر النبي عليه السلام، وذلك لما فيه من جهد ومشقة وإنفاق، والتجمع فيه يشبه تجمع يوم القيامة، ولبس الإحرام يشبه أكفان القبر، وشرب زمزم شفاء للسقيم، والتقاء المسلمين فيه يحقق وحدتهم وتعاونهم وتآزرهم وتناصحهم بالسير على منهج الله عز وجل أحباباً وإخواناً.

والطريق إلى بيت الله الحرام كانت عبر العصور الماضية شاقة غير سالكة في بعض الأحيان، حيث يتعثر المرء بقطاع الطريق، هؤلاء الذين تحدث عنهم الغزالي وذكر ما يوقعونه من الرعب في قلوب الحجاج، هذا الرعب الذي لا شبيه له إلا سؤال الملكين في وحشة القبر، فقال: (وأما دخول البادية إلى الميقات، ومشاهدة تلك العقبات، فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة، وما بينهما من الأهوال والمطالبات، وليتذكر من هول قطاع الطريق هول سؤال منكر ونكير، ومن سباع البوادي عقارب القبر وديدانه وما فيه من الأفاعي)[1].

فأي هول ذاك الهول الذي يشبه سؤال الملكين؟! وكم هي الصعوبة في الوصول إلى حرم الله الآمن، وقد نصب قطاع الطريق من حوله شراكهم؟! لقد استمر انعدام الأمن حتى نهاية الدولة العثمانية تقريباً، فحين أقامت الدولة العثمانية الخط الحديدي الحجازي، لم تنس أن تقيم (محطات على طول الخط، وكان يفصل بين كل محطة وأخرى زهاء عشرين كيلو متراً، وكانت المحطات تستخدم أيضاً قلاعاً لحراسة الخط الحديدي وأسلاك البرق ومكاتب الموظفين، ومساكنهم من غارات البدو)[2].

(وكان الوقت الذي يستغرقه القطار في التحرك من دمشق إلى المدينة اثنتين وستين ساعة فقط، أما بقية الوقت فكان يضيع في وقوف القطار في المحطات، وتغيير القاطرات، وتجنب السير ليلاً في الليالي غير القمرية، أخذاً بأسباب الحذر من هجوم قبائل البدو على عربات القطار).[3]

وليت الأمر قد اقتصر على قطع الطريق، بل لقد عاد بعض البدو إلى جاهليتهم، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في وصف حال البدو في زمانه: (إن العلماء في زماننا يقولون: من قال لا إله إلا الله. فهو المسلم، حرام المال و الدم، لا يُكفر ولا يُقاتل، حتى إنهم يصرحون بذلك في شأن البدو الذين يكذبون بالبعث، وينكرون الشرائع، ويزعمون أن شرعهم الباطل هو حق الله، ولو طلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله لعدوه من أنكر المنكرات، بل من حيث الجملة: إنهم يكفرون بالقرآن من أوله إلى آخره، ويكفرون بدين الرسول كله، مع إقرارهم بذلك بألسنتهم وإقرارهم أن شرعهم أحدثه آباؤهم لهم كفراً بشرع الله، وعلماء الوقت يعترفون بهذا كله، ويقولون: ما فيهم من الإسلام شعرة، وهذا القول تلقفته العامة عن علمائهم، وأنكروا به ما بينه الله ورسوله، بل كفروا من صدق الله ورسوله في هذه المسألة، وقالوا من كفر مسلماً فقد كفر، والمسلم عندهم الذي ليس معه من الإسلام شعرة، إلا أنه يقول بلسانه: لا إله إلا الله، وهو أبعد الناس عن فهمها وتحقيق مطلوبها علماً وعقيدة وعملاً).[4]

هكذا كانت الطريق إلى الحج غير آمنة إلى أن قامت ثورة الاتصالات ونهضة المواصلات، فصار المرء يستخدم الطائرات ويصل بأقل الوقت من أدنى الأرض إلى أقصاها، وهذا من فضله تعالى الذي علم الإنسان ما لم يعلم.

وإذا كان الحج هو الشاهد الأكبر على عظمة الإسلام حيث يلتقي الناس من كل الشعوب والجنسيات من شتى قارات العالم على صعيد واحد من أجل غاية واحدة، فهو لا يخلو من بعض المظاهر السلبية التي ينبغي التحذير منها مثل: كشف العورات أحيانا، والتبول في الطرقات، وافتراش الساحات العامة، وظاهرة التسول وانتشار المتسولين، والتزاحم عند الجمرات والحجر الأسود، ورمي الأحذية والأوساخ بدلاً من الحصيات وهو من البدع المنكرة، فالمطلوب من الحجاج الكرام مراعاة قدسية الزمان وحرمة المكان، والتخلق بالأخلاق الإسلامية، فهم ضيوف الرحمان، وعليهم إذا عادوا إلى أوطانهم أن يحببوا الناس بهذه الرحلة، ولا يذكروا السلبيات التي رأوها من ازدحام وصعوبات لا تخلو منها أي رحلة سفر عادية، لأن في ذلك تنفيراً للآخرين عن حج البيت المعظم، والله الموفق للخيرات.

[1] إحياء علوم الدين، (1/ 273) المكتبة التجارية الكبرى.

[2] الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، للدكتور الشناوي، (3/ 1330)، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، مطبعة جامعة القاهرة، 1983م.

[3] المرجع السابق، (3/ 1331).

[4] مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، تحقيق محمد حامد الفقي، ص (27-28)، نشر مكتبة السنة المحمدية، 1956م..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *