الرئيسية / مـنـوعـات / باالصور بئر زبيدة تشق الجبال وتهزم المستحيل لخدمة الحجاج

باالصور بئر زبيدة تشق الجبال وتهزم المستحيل لخدمة الحجاج

باالصور بئر زبيدة تشق الجبال وتهزم المستحيل لخدمة الحجاج


يصنف المؤرخون “بئر زبيدة” على أنها أول وقف إسلامي في التاريخ، وسجلوها كأغلى وقف إسلامي خلال آخر ألف عام. وتقع البئر على الطريق الواصل بين مكة وبغداد، إبان عصر الدولة العباسية في أوج حضارتها وقوتها. وسميت بذلك نسبة إلى سيدة بني العباس، زبيدة بنت جعفر، حفيدة الخليفة المنصور، وزوجة الخليفة هارون الرشيد، وأم الخليفة الأمين، التي كان لها شهرة الشرف والثروة الواسعة. واسمها الحقيقي “أمة العزيز”، ولقبها المنصور بـ”زبيدة” لنضارتها.

قصة بئر للحجاج
ارتبط اسم “زبيدة” بالمشروع الكبير الذي أمرت بتنفيذه، وهو تهيئة طريق الحج من بغداد إلى مكة المكرمة؛ لأنها كانت ذات معروف، وخير، وفضل، ونفقة واسعة على البر وأصحاب الحاجات. وفي عام 800 م ، وبينما كانت السيدة “زبيدة” في طريق الحج، تعرضت للموت بسبب صعوبة الطريق ووعورته وشح الماء فيه؛ فنذرت على نفسها ألا يعاني الحجاج بعد ذلك العطش وهم في طريقهم إلى الحج؛ فأمرت بإحضار كل من له صلة بهندسة الطرق وحفر الآبار؛ فجاؤوا من كل بلاد الإسلام، خاصة مصر والشام، وقالت لهم: “احفروا لي منبع ماء، ينقذ الناس مما هم فيه”، وكان ردهم باستحالة فعل ما تفكر فيه نظراً لارتفاع الجبال والطرق، فأمرتهم بشق الجبال مهما بلغت التكاليف، وقالت كلمتها الخالدة المشهورة: “اعملوا ولو تكلفت ضربة الفأس ديناراً ذهبياً”، فقام العمال بحفر الآبار، وكسر الجبال، وتفتيت الصخور، وسار العمل حثيثاً في مشروع من أعظم المشاريع التاريخية. وطلبت “زبيدة” من المهندسين أن يكون المشروع على مراحل بحيث لا يحتاج المسافر من بغداد إلى الحج إلى أن يحمل معه كوب ماء؛ فجرى بناء شبكة هائلة من خزانات المياه، عُرفت باسم “برك زبيدة”، لجمع الماء بطريقة ذكية؛ إذ تم وضع كل بركة أسفل وادٍ صغير، تجمع فيه ماء المطر، تبدأ من الكوفة، ثم القصيم فحائل، ثم يميل الطريق إلى جهة الجنوب الغربي شاقاً الصحراء إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة.

وقد تكلف هذا العمل مليونَيْ دينار ذهبي “6 أطنان”.

هندسة مائية خيالية
قررت “زبيدة” حفر نهر جارٍ، يتصل بمساقط المطر؛ فاشترت حائط حنين، وأمرت بأن تشق للمياه قناة في الجبال، وأثناء مرور القناة بالجبال جعلت لها فتحات لقنوات فرعية، أقامتها في المواضع التي تكون فيها احتمالية لاجتماع مياه السيول؛ لتكون هذه المياه روافد، تزيد في حجم المياه المجرور إلى مكة المكرمة عبر القناة الرئيسية. وأمرت بحفر عين وادي نعمان إلى عرفة، وهي مياه تنبع من ذيل جبل الكرا المحيط بالطائف، وأمرت بجر هذه المياه في قناة إلى موضع يُقال له الأوجر في وادي نعمان، ومنه إلى أرض عرفة. ووجَّهت بأن تدار القناة على جبل الرحمة، وأن تجعل منها فروعاً إلى البرك التي في أرض عرفة؛ ليشرب منها الحجاج يوم عرفة، ثم أمرت بأن تمتد القناة من أرض عرفة إلى خلف الجبل، إلى منطقة يسميها أهل مكة (المظلمة)، ومنها تصل إلى المزدلفة، فإلى جبل خلف منى، ثم تصب في بئر عظيمة مرصوفة بأحجار كبيرة جداً، تسمى “بئر زبيدة”. وتصل قناة “عين زبيدة” إلى مشعر مزدلفة، حيث يوجد مقر لعين زبيدة مجاور للمشعر الحرام؛ لتصبّ العين في برك وأحواض، خُصص بعضها لسقيا الحجاج، وبعضها الآخر للدواب، ثم تنحـدر القناة فوق سطح الأرض متجهة إلى منطقة العزيزية المتاخمة لمنى فوق سلسلة من الجبال لتزويد مشعر منى بالماء، وتصب أيضاً في برك عديدة. وتستمر هذه القنوات متجهة نحو مكة المكرمة، لكنها تعود لتأخذ مسارها مدفونة على أعماق قريبة من سطح الأرض، حتى تصب في بئر عظيمة مطوية بأحجار كبيرة جداً تُسمي “بئر زبيدة” في منطقة تسمى اليوم بمحبس الجن، ينتهي فيها امتداد عمل قناة “عين زبيدة”.
وعقب انتهاء المشروع جاء الوكيل إلى “زبيدة” مع العمال والمهندسين، ومعهم حسابات النفقات النهائية للمشروع، وفرحت فرحاً شديداً لما رأت الماء والناس تشرب وتذكرها بالخير، فجاءها بالماء، فأخذت الدفاتر التي عليها الحسابات، وغسلتها بالماء، وقالت: “الحساب يوم الحساب”.

وأصبح الطريق أشهر وأطول طريق لخدمة الحجاج، ويبلغ طوله نحو 1500 كيلومتر.
وتوفيت “زبيدة” في بغداد في 216هـ، الموافق 831م.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *