الرئيسية / مـنـوعـات / حكم مكة في عهد إسماعيل عليه السلام وبنيه

حكم مكة في عهد إسماعيل عليه السلام وبنيه

حكم مكة في عهد إسماعيل عليه السلام وبنيه

د. سامية منيسي

حينما وضع إبراهيم ابنه إسماعيل عليهما السلام وأمه هاجر[1] – كما أمره الله تعالى – في ردهاء جبال فاران، وهي الجبال التي حول مكة وليس معها من الزاد والماء إلا القليل، متوكلًا على الله تعالى، ومفوضًا أمره وأمرهم إليه وحده، قال الله تعالى في كتابه الكريم على لسان إبراهيم: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم: 37].

فأحاطهما الله -جل وعلا- بعنايته وكفايته، فهو نعم الحسيب والوكيل، فأفاض الله عليها بنعمه وآلائه ما لا حصر له… فانفجرت زمزم بين قدمي إسماعيل عليه السلام وذلك حينما انتهى ما معها من ماء، واشتد عطش الصبي وظمأه فبكى وأخذت أمه هاجر تهرول بين الجبلين الصفا والمروة، تدعو الله تعالى وتستغيثه لابنها إسماعيل عليه السلام فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام فهمز بعقبه في الأرض فظهر الماء، وسمعت الأم أصوات السباع فخافت عليه، فجاءت تشتد نحوه، فوجدته يفحص عن الماء بيده من تحت خده ويشرب، فجعلته حسيا – أي حفيرة صغيرة – أي زمتها بالتراب لئلا يأخذ الماء يمينًا وشمالًا، بل يظل في مكانه محصورًا في العين[2].

وهكذا جعل الله تعالى زمزم عينًا ومعينًا لهما حتى جاءت قبيلة جرهم العربية، وهم من العماليق، قافلين من الشام، فاستأذنوا هاجر أن يبقوا بجوارهما وتستأنس بهم فرضيت على أن تكون زمزم ملكها، ثم لما كبر إسماعيل تعلم منهم العربية، ثم تزوج من بناتهم فتاة تدعى: عمارة بنت سعيد بن أسامة، وهي التي استقبلت نبي الله إبراهيم عليه السلام بفظاظة وغلظة، فأوصاها عليه السلام أن تبلغ زوجها إسماعيل أن يغيِّر عتبة بابه، وقد ذكر الإمام السهيلي أنه يقال اسمها: جداء بنت سعد، فطلقها إسماعيل عليه السلام وتزوج من امرأة أخرى من جرهم أيضًا، استقبلت إبراهيم عليه السلام بالترحاب وأحسنت استضافته فأوصاها أن تبلغ إسماعيل عليه السلام أن يثبت عتبة بيته، ثم أنجب منها أولاده؛ وهم العرب المستعربة.

وقال السهيلي أيضًا أن اسمها سامة بنت مهلهل، كذلك ذكر المسعودي اسمها[3].

هذا، وقد أثنى الله تعالى على إسماعيل ووصفه بالحلم والصبر، وصدق الوعد، والمحافظة على الصلاة، وأمر أهله بها ليقيهم العذاب، مع ما كان يدعو إليه من عبادة الله وحده لا شريك له.

قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾ [مريم: 54، 55].

أما عن سر تسمية (إسماعيل) فقيل: إنما سمي إسماعيل لأن الله سمع دعاء هاجر ورحمها حين هربت من سيدتها سارة أم إسحاق، وقيل: إن الله سمع دعاء إبراهيم، ذكر ذلك المسعودي.

وقد قام إسماعيل عليه السلام ببناء الكعبة المشرفة؛ أي رفع قواعدها، مع أبيه إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام وذلك بعد أن اختبر الله تعالى قوة إيمان كل منهما بأمره لإبراهيم بذبح ابنه الوحيد الذي أنجبه بعد أن بلغ من الكبر عتياً يدعو الله ليلًا ونهارًا بأن يهبه ذرية طيبة قال تعالى: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾[الصافات: 100، 101].

فلما وهبه الله الولد الصالح، وبلغ معه مبلغ الصبا وبدأ السعي مع أبيه أمره الله جل وعلا بذبحه؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾[الصافات: 102 – 111].

وبذلك فدى إسماعيل بذبح عظيم، ثم قام إبراهيم برفع القواعد لبناء الكعبة المشرفة بالمعاونة مع ابنه إسماعيل، وبإرشاد من رسول الله جبريل – عليه السلام -.

هذا، وقد ذكر ابن الجوزي[4] عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم، قال: أوحى الله إلى إبراهيم أن يبني البيت وهو يومئذ ابن مائة سنة، وإسماعيل يومئذ ابن ثلاثين سنة فبناه معه.

أما حدود الحرم: فأول من وضعها الخليل إبراهيم عليه السلام وكان جبريل يأمر به، ثم لم يتحرك عن هذه الحدود، حتى جاء قصي بن كلاب فجددها، فقلعتها قريش في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء جبريل عليه السلام فقال: إنهم سيعيدونها، فرأى رجال منهم في المنام قائلًا يقول: حرم أعزكم الله به نزعتم أنصابه، الآن يتخطفكم العرب، فأعادوها. فقال جبريل للهادي البشير محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد أعادوها، فقال: فأصابوا؟ قال: ما وضعوا منها نصبًا إلا بيد ملك.

ثم بعث الهادي البشير محمد صلى الله عليه وسلم في عام الفتح تميم بن راشد فجددها، ثم جددها عمر بن الخطاب، ثم جددها معاوية بن أبي سفيان، ثم عبدالملك بن مروان[5].

أما عن رفع القواعد لبناء الكعبة فقد سجله الله تعالى في قرآنه الكريم قال تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ [الحج: 26 – 30].

وهو البيت العظيم الذي جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنًا قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25].

وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 127 – 129].

ومن دعاء إبراهيم لمكة أيضًا قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيم ﴾ [إبراهيم: 35، 36].

هذا، وقد جعل الله تعالى البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، ثم أمر الله تعالى أن يكون مقام إبراهيم مصلى، وأمر إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت لمن يأتي إليه حاجًا ومعتمرًا ومقيمًا، قال تعالى:﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 125، 126].

وقد استعان إبراهيم وابنه إسماعيل في بناء البيت بأبناء جرهم بن عابر بن سبأ بن يقطن، فعملوا معهما، وكانت منازل جرهم بمكة وما حولها[6].

أما عن أولاد إسماعيل عليه السلام فهم:

نابت، وقيدر، وأذبل، وميشى، ومسمع، وماشى، ودوصا، وأرر، ويطور، وبنش، وطيما، وقيذما، هذا ما ذكره ابن كثير[7].

أما ابن هشام[8] فقد ذكر أسماؤهم عن ابن إسحاق -وهم اثنا عشر رجلًا- فقال: نابتا (وكان أكبرهم)، وقيذر، وأذبل، ومبشا، ومسمعا، وماشي، ودمَّا، وأذر، وطيما، ويطور، وبنش، وقيذما، وأمهم رعله بنت مضاض الجرهمي.

أما المسعودي[9] فيقول: وولد لإِسماعيل اثنا عشر ولداً ذكراً، هم: نابت، وقيدار، وأدبيل، ومبسم، ومشمع، ودوما، ودوام، ومسا، وحداد، وثيما، ويطور، ونامش. وكل هؤلاء قد أنْسَلَ.

والمعروف أن إسماعيل هو أبو العرب المستعربة؛ أي الذين اكتسبوا العربية من أخوالهم قبيلة جرهم، فقد ذكر البلاذري أن أول من تكلم العربية من ولد إبراهيم إسماعيل حين أتى مكة وله أقل من عشرين سنة، ونزل بجرهم فأنطقه الله بكلامهم وكان كلامهم العربية.

وكان إسماعيل فارسًا راميًا حتى أنه روي عن الهادي البشير محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال لقوم من أسلم في رواية عن ابن سعد عن الواقدي: “ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا”[10].

وقد كان إسماعيل عليه السلام نبيًا مرسلًا أرسله الله تعالى إلى أخواله من جرهم وإلى العماليق الذين كانوا بأرض الحجاز فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وقد سُمي إسماعيل “ذا المطابخ” لأنه حين ملك أقام بكل بلدة من بلدان العرب دار ضيافة[11]، كما سمي إبراهيم “جامع الشمل” لأنه أمّن في ملكه كل خائف وردّ كل طريد واستصلح الناس[12]، كذلك سمت العرب إسماعيل “عرق الثرى” فيقصدون بذلك: أنه راسخ، ممتد.. وقال قوم سمي بذلك لأن أباه لم تضره النار، كما لا تضر الثرى[13].

وقد ظل إسماعيل عليه السلام بمكة ينظم أمورها ويدعو أهلها إلى تعاليم الإسلام الذي نادى بها أبوه إبراهيم عليه السلام حتى توفي عليه السلام وعمره -كما يذكر- يناهز مائة وثلاثين سنة، ودفن في الحجر مع أمه هاجر رحمة الله عليهم جميعًا[14].

وبعد وفاة إسماعيل قام بأمر البيت قيذر (قيدار) بن إسماعيل، وأمه جرهمية، ثم نابت بن قيذر، ثم تيمن بن نابت، ثم نابت بن السميدع بن تيمن بن نابت، فلما توفي نابت غلبت جرهم عليهم وعلى البيت فكانوا ولاته وقوّامه ما شاء الله، هذا ما ذكره البلاذري[15] أما ابن هشام[16] فقد ذكر عن الذي تولى أمر البيت بعد إسماعيل ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء الله أن يليه، ثم ولي البيت مضاض بن عمرو الجرهمي، بينما ذكر الطبري[17] أن النبت هو قيذر.

ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم، ولاة البيت والحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخئولتهم وقرابتهم وإعظامًا للحرمة أن يكون بها بغي أو قتال -وقد سبق أن تقاتل بنو قطراء وزعيمهم السميدع، وبنو جرهم وزعيمهم مضاض بن عمرو: وهم بنو عمومة، وانتصر مضاض بن عمرو على السميدع بعد قتال مرير في مكة، ثم تداعوا إلى الصلح- فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل انتشروا في البلاد، فلا يناوئون قومًا إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم[18].

وقال البلاذري[19]: فلما مات نابت، غلبت جرهم على البيت فكانوا ولاته وقوامه ما شاء الله، وتفرق ولد إسماعيل من العرب بتهامة، وفي البوادي والنواحي إلا من قام حول مكة من ولد نزار، تبركًا بالبيت.

[1] هاجر: هي أم إسماعيل، من أم العرب، قرية كانت أمام الفرما من مصر (السيرة ج1 ص6-7 طبعة بيروت، دار المعرفة) ويذكر الإمام السهيلي أن هاجر كانت قبل ذلك لملك الأردن، واسمه صادق، ودفعها إلى سارة حين أخذها من إبراهيم عجبًا منه بجمالها، فصرع مكانه، فقال: ادعي الله أن يطلقني.. الحديث، وهو مشهور في الصحاح، فأرسلها وأخدمها هاجر، وكانت هاجر قبل ذلك الملك بنت ملك من ملوك القبط بمصر. وقال الطبري: وكانت من أهل منف، والملك فيها، كما ذكر الطبري أن فرعون من فراعنة مصر الأولى هو الذي أراد أن يتناول سارة فيبست يده إلى صدره، فأكبرها وأعظمها وطلب منها أن تدعو الله تعالى أن يطلق يده، ويعفو عنها ويطلقها، وتكرر ذلك منه ثلاث مرات، ثم وهبها هاجر، فعادت بها إلى إبراهيم -عليه السلام- وهو يصلي، فلما انتهى من صلاته قال: كفى الله كيد الفاجر الكافر وأخدم هاجر. (السهيلي الروض الأنف ج1 ص90-91، تحقيق عبدالرحمن الوكيل – القاهرة، مكتبة ابن تميمة، الطبعة الأولى 1414هـ/1993م، وأيضًا الطبري: تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج1 ص245، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (روائع التراث العربي)، بيروت، (د.ت، د.ن).

هذا، وعن كون هاجر ابنة ملك من ملوك القبط بمصر يقول الإمام السهيلي عن الطبري: إنّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَما حَاصَرَ مِصْرَ، قَالَ لِأَهْلِهَا: إنّ نَبِيّنَا -عَلَيْهِ السّلَامُ- قَدْ وَعَدَنَا بِفَتْحِهَا، وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَسْتَوْصِيَ بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنّ لَهُمْ نَسَبًا وَصِهْرًا، فَقَالُوا لَهُ: هَذَا نَسَبٌ لَا يَحْفَظُ حَقّهُ إلّا نَبِيّه، لِأَنّهُ نَسَبٌ بَعِيدٌ. وَصَدَقَ كَانَتْ أُمّكُمْ امْرَأَةً لِمَلِكِ مِنْ مُلُوكِنَا، فَحَارَبْنَا أَهْلَ عَيْنِ شَمْسٍ، فَكَانَتْ لَهُمْ عَلَيْنَا دَوْلَةٌ، فَقَتَلُوا الْمَلِكَ وَاحْتَمَلُوهَا، فَمِنْ هُنَاكَ تَصَيّرَتْ إلَى أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ – أَوْ كَمَا قَالُوا .. [انظر: الطبري ج4 ص229، والروض الأنف ج1 ص90، 91].

وهاجر أول امرأة ثقبت أذناها، وأول من خفض من النساء، وأول من جرت ذيلها، وذلك أن سارة غضبت عليها، فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها، فأمرها إبراهيم أن تبر قسمها بثقب أذنيها وخفاضها، فصارت سنة في النساء.

هذا، ومن المعروف أن الهادي البشير محمد صلى الله عليه وسلم تسرر فيهم، لذا ورد حديث عن عمر مولى غرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السُّحم الجعاد، فإن لهم نسبًا وصهرًا” قال عمر مولى غُرة: نسبهم أن أم إسماعيل النبي صلى الله عليه وسلم منهم وصهرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسرر فيهم، فأم إسماعيل هاجر من (أم العرب) قرية كانت أمام الفرما من مصر، وأم إبراهيم: مارية سُرِّية النبي صلى الله عليه وسلم التي أهداها له المقوقس من حفنه، من كورة أنصنا .

وفي حديث الهادي البشير صلى الله عليه وسلم ما ذكره ابن إسحاق عن محمد بن مسلم الزهري عن كعب بن مالك الأنصاري أن الهادي البشير، قال: “إذا افتتحتم مصر، فاستوصوا بأهلها خيرا؛ فإن لهم ذمة ورحما”، فقلت لمحمد بن مسلم الزهري، “ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم؟ فقال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم”. (انظر: السيرة لابن هشام ج1 ص6، 7 طبعة بيروت، دار المعرفة، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، والروض الأنف للسهيلي ج1 ص89، 92).

[2] السيرة لابن هشام ج1 ص111، طبعة دار المعرفة، البداية والنهاية لابن كثير ج1 ص212.

[3] أخبار مكة للأزرقي ج1 ص57، تحقيق رشدي الصالح ط4، مكة المكرمة، مطابع دار الثقافة، 1403هـ/ 1983م، الروض الأنف للسهيلي ج1 ص92-93، الكامل لابن الأثير ج1 ص93، مروج الذهب للمسعودي ج2 ص46 وما بعدها، تحقيق محيي الدين عبدالحميد، بيروت، المكتبة العصرية، البداية والنهاية لابن كثير ج1 ص173.

[4] المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لأبي الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي (ت 597هـ) دراسة وتحقيق محمد عبدالقادر عطا، ومصطفى عبدالقادر عطا، مراجعة وتصحيح نعيم زرزور، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية ج1 ص270 وأيضًا مروج الذهب للمسعودي ج2 ص49.

[5] المصدر السابق لابن الجوزي ص270 -271.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *