الرئيسية / مـنـوعـات / وماذا بعد عشر من ذي الحجة

وماذا بعد عشر من ذي الحجة

وماذا بعد عشر من ذي الحجة

أيها المسلم: يا مَنْ مَنَّ الله تعالى عليه بادراك عشر ذي الحجة فَاغتنمها طاعةً لله؛ مِن صلاة وصيام وحج وصدقة وصلة ودعوة، كلها أو بعضها، وتوبةٍ من ذنوب، وغيرها.

هنيئاً لك ما وفقك الله إليه، ويسَّر لك من العمل، فالله اللهَ! حافِظْ على ما كسَبْت، واعقد العزم على دوام الطاعة والاستقامة.

أكثرت من الأدعية والأذكار فاجعلها وظيفة يومية لا موسماً منقطعاً، سألت عن أحكام حجك بشغف فليكن ديدنك في أمور حياتك كلها، احترزت عن محظورات الإحرام فلتكن أكثر احترازاً وبعداً عن الحرام.

أصابتك بعض المشاق فلا تضيع أجرها بإكثار الشكاية واللوم، أو العجب والرياء، فكل ذلك محبط للأعمال، أو منقص للأجر، والسلامة تكون في إخفاء ماكان بينك وبين مولاك مِن تضرع وبكاء ودعاء وافتقار، والصبر على ما تلاقيه في عبوديتك لله.

معشر المؤمنين بالله ورسوله، مَنْ سمع بعض نداءات الشرك كالاستغاثة بغير الله من بعض الحجاج علم شدة حاجة الأمة لبيان التوحيد والتحذير من الشرك.

ومما يذكر من ذلك أنّ أُمّاً قالت لولدها الصغير وهي تطوف به حول الكعبة: النبي مدفون داخل الكعبة ولذلك نحن نطوف بها! وأشار حاج إلى قبة من القباب في سطح توسعة الحرم متسائلاً: هذا مقام سيدنا مَنْ؟! هذا يعني أن ذهنه حين رأى القبة انصرف فوراً إلى الأضرحة التي طالما أجهد نفسه في الطواف حولها!.

أيها المسلم: حين ترى تعلق بعض الناس في الماديات وتهافتهم عليها، وشدةَ ذكرهم لها، وانشغالَ القلب فيها، أدركت كم يحتاج مثل هؤلاء لتصحيح توحيدهم؛ (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) [البقرة:200].

إن نبذ التوحيد والوقوعَ في الشرك له صورٌ متعددةُ الأشكال، قال الحسن البصري -رحمه الله-: “لكل أمة صنم، وصنم هذه الأمة الدينار”. وقال: “والله لقد عبدت بنو اسرائيل الأصنام بعد عبادتهم للرحمن بحبهم للدينار”.

ولقد ذمّ الله تعالى اليهود، ووصفهم بعبادة غيره والشركِ به بعد أن كانوا أتباعاً لنبي الله موسى -عليه الصلاة والسلام-، فقال -سبحانه-: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) [البقرة:93].

ودعا النبي -صلى الله عليه وسلم- على مَنْ كانت الدنيا همَّه الأولَ والأخير فقال: “تعس عبد الدينار! تعس عبد الدرهم! تعس عبد القطيفة! تعس عبد الخميصة! تعس وانتكس! وإذا شيك فلا انتقش! إن أعطي رضي، وإن مُنع سخط” أخرجه البخاري.

ومِن صور الشرك -عباد الله- عبادة الهوى، (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ) [الجاثية:23].

وعلى وجه العموم: فإن أساس الشرك هو التعلق بغير الله، من التعلق بالمناصب، والصور والشهوات، والعادات، والتقاليد، وكلِّ ما يَصرف العبد عن مولاه فيعادي من أجله، ويحب من أجله، والله تعالى إنما بعث رسله كافةً لكسر الأصنام المنحوتة من المادة،، وكسر الأصنام المنحوتة في القلب.

أيها المؤمنون: إنَّ مواسم العبادة كرمضان وعشر ذي الحجة، بما فيها الحج إلى بيت الله الحرام، فرصةٌ ثمينة للتعود على أداء الواجبات، كصلاة الفجر جماعة، والنفقة، وحسن الخلق، والترفقِ بالآخرين، والحرص على العلم، والتزود منه، وصلة الرحم، وغير ذلك.

وهي فرصة -أيضاً- للإقلاع عن المحرمات كسماع الغناء، والعقوق، والقطيعة، والنظر إلى ما حرم الله سواء كان على الطبيعة أو من خلال القنوات الفضائية، إنها فرصة لتعويد النفس على مخالفة المألوف بالتجرد من الملابس المعتادة، والنوم في العراء، وفوق الحصى والحجارة في مزدلفة، وتحمُّل إزعاج الآخرين، والبرد، والبعوض، والوقوف انتظاراً عند دورات المياه.

وكل هذا لا يعني أن المسلم مطالب في البحث عن المشاق واستدعائها، وإنما الذي أعنيه أن الحج ومواسم العبادة فرصة لتعويد النفس على تحمل مالا تألفه فيما لو فرض عليها، فلا يعيش أسير العادةِ وما ألفته نفسه.

الخطبة الثانية:

الحمدلله، (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر:2]. وأشهد أن لا إله إلا الله…

عباد الله: أيها المسلم؛ بالقدر الذي تخاف من رد العمل وعدمِ قبوله،كذلك استحضر رحمة الله، وفرحه بتوبة عبده، وتذكُّرْ عِظم جزائه، وافرح بما أعد الله تعالى لعباده العاملين، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) [الأنبياء:94].

وقد أخرج الطبراني في الأوسط، وابن حبان في صحيحه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في شأن الحاج: “أما رميك الجمار فإنه مذخور لك، وأما حلقك شعرك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجْتَ من ذنوبك كيوم ولدتك أمك”حسنه الألباني.

إن من يعمل الصالحات، ويستصحب حسن الظن بالله تعالى، ويَقوى رجاؤه فيه وطمعُه في فضل الله وثوابه، فإن الله برحمته يؤتيه من تلك الأفضال، ويعطيه من الأجر ما تقر به عينه، وتَثْقُل به صحائفه يوم العرض على الله.

إن كل ذلك مسطرٌ في كتاب، (لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) [طه:52] فمن ابتلي فحبس بالحافلات ليلة مزدلفة ساعاتٍ طويلةً قد تصل إلى صباح يوم العيد، أو تزيد، لم يهنأ بنوم ولا طعام ولا راحة، وشق عليه قضاء الحاجة، وخاصة النساء، ولقي في ذلك عنتاً وحرجاً؛ فليتذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:”إن الحج والعمرة من سُبُل الله”، “إن الحج والعمرة في سبيل الله”.

وإذا كان من سبيل الله فهو داخل في قول الله -تعالى-: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [التوبة:120-121].

ويقول النبي الكريم في الحديث الحسن: “أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة، ويمحو عنك بها سيئة”.

أيها المؤمن: إن من تمام البر الدعاءَ لكل مَنْ له فضل عليك من أم وأب ومعلم وشيخ، والملائكة تقول: “آمين، ولك بمثل”، فأنت حين تدعو لأخيك المسلم في ظهر الغيب فإنما تدعو لنفسك أولاً، فاعجب من سعة رحمة الله، وعظيم فضله ومنته وكرمه وجوده.

وأخيراً -عباد الله- فإن الله تعالى أمر عباده أن يختموا عباداتهم دائماً بالاستغفار؛ فكان نبيكم -صلى الله عليه وسلم- إذا سلم من الصلاة يستغفر الله ثلاثاً، وقد أثنى الله على عباده لاستغفارهم بعد قيام الليل فقال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران:17].

وندب الله تعالى نبيه الكريم محمداً -صلى الله عليه وسلم- بعد انتهاء المعركة، وتحقق النصر والفتح أن يستغفر الله، فقال -سبحانه-: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر].

وفي الحج، قال -جل ثناؤه-: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ) [البقرة:199] وفي ذلك إشارة إلى قصور العبد عن الإتيان بما يليق بجلال المعبود، وإن بذل المجهود.

الشيخ صالح بن عبد الله الهذلول حفظه الله

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *