الرئيسية / مـنـوعـات / عرفات وتنزل الرحمات

عرفات وتنزل الرحمات

عرفات وتنزل الرحمات

ها هو ذا قد اسود وجهه، وخاب سعيه، وأهوى يحثو التراب على رأسه، ويدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور!!

إنه الشيطان اللعين، يغيظه ما يرى من اجتماع المسلمين في عرفات، وما يتنزل عليهم من مولاهم من رحمات، فتغلي مراجل غضبه، وينكسر خاسئًا ذليلاً.

روى في المسند الإمام أحمد [15618] عن العباس بن مرداس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فلما كان من الغد دعا غداة المزدلفة فعاد يدعو لأمته، فلم يلبث النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تبسم فقال بعض أصحابه: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي، ضحكت في ساعة لم تكن تضحك فيها، فما أضحكك أضحك الله سنك؟! قال: “تبسمت من عدو الله إبليس حين علم أن الله -عز وجل- قد استجاب لي في أمتي وغفر للظالم، أهوى يدعو بالثبور والويل ويحثو التراب على رأسه، فتبسمت مما يصنع جزعه”.

إن عدو الله إبليس ما رؤي في يوم أحقر ولا أصغر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وذلك لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رئي يوم بدر. مالك في الموطأ من مراسيل طلحة بن عبيد الله.

إن يوم عرفة يوم تنزل رحمة الله، وما أدراك ما رحمة الله!! عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه”. البخاري.

فإذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدنيا: الإسلام والقرآن والصلاة والرحمة في قلبه وغير ذلك مما أنعم الله تعالى به، فكيف الظن بمائة رحمة في الدار الآخرة وهي دار القرار ودار الجزاء؟!

وعن عمر بن الخطاب أنه قال: قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟!”، قلنا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لله أرحم بعباده من هذه بولدها”. مسلم.

إن رحمة الله -عزّ وجل- سابغة عامة لا تضيق بذنب، وحسبك أن الله -عز وجل- دعا المسرفين من عباده ليتعرضوا لرحمته، بالغة ما بلغت ذنوبهم: (قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53].

وما من يوم كيوم عرفة ترجى فيه مغفرة الذنوب ورحمة علام الغيوب، فهو يوم من أيام العتق من النار، عن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء”. مسلم:1348.

وفي رواية أنه سبحانه يقول: “أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة: يا رب: فلان مرهق -أي مثقل بالذنوب- فيقول: قد غفرت لهم”. ابن خزيمة (4/2840).

قال المناوي -رحمه الله-: “وهذه المباهاة تقتضي الغفران وعموم التكفير؛ لأنه لا يباهي بالحاج إلا وقد تطهر من كل ذنب؛ إذ لا تباهي الملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر”.

وأخرج ابن ماجه عن بلال -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له غداة جمع: “يا بلال: أنصت الناس”. ثم قال: “إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله”. ابن ماجه بسند صحيح.

وكان في دعائه -صلى الله عليه وسلم- إذا دعا يوم عرفة دعا رافعًا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين.

وكان حكيم بن حزام -رضي الله عنه- يقف بعرفة ومعه مائة بدنة مقلدة ومائة رقبة فيعتق رقيقه، فيضج الناس بالبكاء والدعاء ويقولون: “ربنا: هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك فأعتقنا”.

ورأى الفضيل تسبيح الناس وبكاءهم عشية عرفة فقال: “أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقًا أكان يردهم؟! فقالوا: لا، فقـال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق”.

وقال ابن المبارك: “جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟! قـال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم”.

ووقف بعض الخائفين بعرفة فمنعه الحياء من الدعاء! فقيل: “لم لا تدعو؟! قال: ثَمَّ وحشة، فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب، فبسط يديه ووقع ميتًا”.

فلله تلك المواقف المشرفة، والبقاع المطهرة، والأزمنة المباركة!!

كم فيها اليوم من ضارع منكسر؟! كم فيها من حزين أسيف؟! كم فيها من نائحٍ على ذنوبه، باكٍ على عيوبه؟! كم فيها من رجل بادر الله بالتوبة فبادره بالغفران؟! وخط بدموعه كتاب رجوعه، فحط عنه وزر العصيان؟! ليت شعري، كم ينصرف من هذا الموقف من رجال ما عليهم من الأوزار مثقال ذرة! قد ملأت قلوبهم الأفراح وعلت وجوههم المسرة!!

رفعوا الأكف وأرسلوا الدعوات *** وتـجردوا لله فـي عرفات
شعثًا تجللهم سحـائب رحمـة *** غبرًا يفيض النور في القسمات
وكأن أجنحة الملائك عـانقت *** أرواحهـم بالبر والطـاعات
هـذي ضيـوفك يا إلهي تبتغي *** عفوًا وترجـو سابغ البركات
تركوا وراء ظهورهم دنيا الورى *** وأتوك في شـوق وفي إخبات

فيا من رأى هذه الجموع وقد استدبرت دنياها واستقبلت أخراها، واستوحشت من الأرض وحريقها، وطمعت في الجنان ورحيقها، جعلت بكاءها طريقًا إلى نجائها، وعبرتها سبيلاً إلى عبرتها، مئات الآلاف تجأر إلى الله بمختلف اللغات، والله سبحانه السميع البصير لا تختلف عليه الألسنة ولا يشغله سؤال عن سؤال.

أواقـع ما أرى أم خانني البصر *** أم هذه من رؤى أحلامنا صور
هذي الجموع يهز الشوق همتها *** إلـى الـجنان وخلد ثم ينتظر
فهل سمعت بكاهم يوم وقفتهم *** وهل رأيت دموع الشوق تبتدر
وهل سمعـت أنين المذنبين على *** ماضٍ تضـج به الآثام تستعر

إن يوم عرفة كالمقدمة لعيد النحر، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع والتوبة والابتهال والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة، ولذا سُمِّي طوافه طواف الزيارة؛ لأنهم قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة ثم أذن لهم ربهم يوم النحر في زيارته والدخول إلى بيته، فيوم عرفة كالطهور والاغتسال بين يدي هذا اليوم.

وكفى يوم عرفة شرفًا أن الله أقسم به في كتابه، فقال -عز من قائل-: (وَلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَلشَّفْعِ وَلْوَتْرِ) [الفجر:1-3].

ويوم عرفة هو يوم أخذ الميثاق على ذرية آدم بتوحيد الله، قال -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قال: (أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى) [الأعراف:172]. رواه أحمد عن ابن عباس بسند صحيح وهو في صحيح الجامع:1697.

فإذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة كان له مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة: منها أنه اجتماع اليومين اللذين هما أفضل الأيام، ومنها أن الجمعة هو اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة، وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع، ومنها أن فيه اجتماع الخلائق من أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة، ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة بعرفة، فيحصل من اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه، ومنها أن الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة عيد لأهل عرفة فيجتمع العيدان. انظر الزاد (1/60) وما بعدها. ومنها اجتماع الشاهد والمشهود؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- موقوفًا أنه قال في قوله تعالى: (وَشَـاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) [البروج:3]: “الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة”. زاد (1/412). فإذا وقع يوم عرفة في يوم جمعة فقد اجتمع الشاهد والمشهود . ومنها أن ذلك يوافق حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الخطبة الثانية:

أما بعد:

عباد الله: من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بالحق الذي عرفه.

ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبيِّت عزمه على طاعة الله الذي قربه وأزلفه.

ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى، فليذبح هواه هنا.

ومن لم يصل إلى البيت العتيد، فليقصد رب البيت، فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.

وقد جعل الله لنا عوضًا هو العمل الصالح في هذا اليوم، ولا سيما صيامه، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم عن أبي قتادة أنه قال: “صيامه -أي يوم عرفة- يكفّر السنة الماضية والباقية”. ولا يكره إفراد يوم عرفة بالصوم حتى لو وافق يوم جمعة.

أما أيام التشريق وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة فيحرم، إلا لمن لم يجد دم متعة أو قران؛ روى البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: “لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي”.

وهذا الحكم عام لأهل منى وغيرها عند جمهور العلماء.

ومن السنة في هذه الأيام التكبير مطلقًا ومقيدًا، والمقيد هو الذي يكون أدبار الفرائض، وهي الصلوات الخمس والجمعة، ويبدأ التكبير المقيد لغير الحاج من فجر يوم عرفة، وللحاج من ظهر يوم النحر، ويمتد في حقهما التكبير مطلقًا ومقيدًا إلى آخر أيام التشريق.

الشيخ عادل بن احمد باناعمة جزاه الله خير

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *