الرئيسية / مـنـوعـات / فضائل العشر وكيف تستثمر

فضائل العشر وكيف تستثمر

فضائل العشر وكيف تستثمر

الحَمْدُ للهِ الغَنِيِّ الحَمِيدِ؛ كَتَبَ آجَالَ العِبَادِ وَأَرْزَاقَهُمْ، وَشَرَعَ لَهُمْ دِينَهُمْ وَعباداتهمْ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَأَوْلاَنَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا حَبَانَا وَأَعْطَانَا؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ اجْتَمَعَتْ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ عَلَى تَعْظِيمِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَتَدَفَّقَتْ جُمُوعُ الحَجِيجِ قاصدة بَيْتِهِ وَشعائرهِ؛ فَلَهُ سُبْحَانَهُ يَعْبُدُونَ، وَببيته يَطُوفُونَ وَيَسْعَوْنَ، وَبعرفة له يَقِفُونَ وَيَدْعُونَ، وَبِاسْمِهِ يَذْبَحُونَ وَيَنْحَرُونَ، ينشدون مغفرته ويرجو مَرْضَاتِهِ وَجَنَّتِهِ يَطْلُبُونَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَقَامَ الحُجَّةَ، وَأَوْضَحَ المَحَجَّةَ، فَمَنْ أَطَاعَهُ فقد رَشَدَ وَاهْتَدَى، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ ضَلَّ وَغَوَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّم وبَاَرَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ومن بآثارهم اقتدى..

أما بعد: فاتقوا الله ربكم، واعتبروا بما ضاع من أوقاتكم، واغتنموا ما بقي من أعماركم، واتعظوا بمن مضوا من أقرانكم ؛ فإنكم سائرون على دربهم، صائرون إلى مصيرهم، (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ).. فلا مفر من الله –تعالى- إلا إليه، ولا نجاة إلا بصدق التوجه إليه، وإخلاص العمل له وحده دون سواه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ) [البينة: 4].

عباد الله: قريباً سيستقبل المؤمنون أفضل أيام الدنيا.. سيستقبلون عشر ذي الحجة.. والتي هي بنص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: قال-صلى الله عليه وسلم-: “أفضلُ أيامِ الدُّنيا أيامُ العشرِ”.

وعن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ الله عز وجل ولا أَعْظَمَ أَجْرًا من خَيْرٍ يعمله في عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله؟ قال: ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله -عز وجل- إلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فلم يَرْجِعْ من ذلك بِشَيْءٍ” (صحيح البخاري).

أيام فاضلة وموسم مبارك وأوقات ثمينة، والعاقل الحصيف يدرك قيمة هذه المواسم، وأنها فرصة إذا فاتت فلا يمكن تعويضها أبداً.. وحتى نقرب الأمر إلى الأذهان.. نتخيل أن صاحب محل تجاري لبيع الملابس الجاهزة، يدخل عليه أفضل مواسمه على الإطلاق أقصد موسم العيد دون أن يضع في دكانه شيئاً جديداً، وإنما ظل على طريقته العادية وبضاعته السابقة، واستمر على هذا الحال حتى انقضى الموسم.. فماذا سيقال عنه..

أو لو أن صاحب مكتبة قرطاسية، يبدأ العام الدراسي ومكتبته كما هي لم يضف عليها جديداً ولم يجهزها بما يناسب حاجات الزبائن، فهل يُستغرب إن قيل أن هذا التاجر فشل في تجارته ولم يربح كما ربح غيره ممن استعد جيداً للموسم، وتهيأ له بكل ما يتطلبه الحال.. فجمّل المحل ونوع البضاعة، وزاد في الكميات، وأطال في زمن البيع..

فإذا تأملت جيداً.. رأيت رجلاً عاقلاً حصيفاً يعرف جيداً كيف يربح.. فقد أتي بأنواع من البضاعة لم يكن يأتي بها في الأيام العادية لأنه يعلم أنها مرغوبة جداً في أيام الموسم، وتراه يشتري من بعض الأصناف كميات وأعداد كبيرة لم يكن ليشتريها في الأيام العادية بتلك الكميات، لأنه يعلم شدة الإقبال عليها في أيام الموسم، وتراه أيضاً يضاعف أوقات عمله مرتين أو ثلاثاً، بل ربما واصل البقاء في المحل ليلاً ونهاراً حتى ينتهي الموسم، وعلى قدر اجتهاده فيما ذكرنا يزداد ربحه، وينجح في تجارته..

هذا في أمور الدنيا وحظها القليل ومتاعها الزائل.. فكيف بما هو خير وأبقى.. (يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).. (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا).. (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)..

كم هي والله جميلة وصية مؤمن آل فرعون لقومه حين وعظهم قائلاً: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: 39- 40].

فهنيئًا ثم هنيئًا لمن عزم على استغلال عشر ذي الحجة بالعمل الصالح وتحرِي الخير والإكثار من الذكر والدعاء وتلاوة القرآن، وغيرها من النوافل والقربات.. رجاء أن يكون من الرابحين بأفضل الخيرات الفائزين بأعلى الدرجات (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَـامُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَـافِسُونَ) [المطففين: 22- 26].

عباد الله: في هذه العشر تشرع أنواع متعددة من العبادات الخاصة والمطلقة، وأفضل ما يُستحب الإكثار منه في هذه العشر المباركة: ذكر الله تبارك وتعالى وتكبيره وتحميده وتهليله، وذلك بنص القرآن الكريم، قال تعالى: (وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) وقال تعالى: (وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ)، وجاء في الحديث المشهور في العشر: ” ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل”..

وكان أبو هريرة وابن عمر -رضي الله عنهم- يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما حتى ترتج المدينة بالتكبير، فيستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق والدور والطرق وغيرها؛ إعلانًا بحمد الله، وشكرًا له على نعمه..

والذكر كما تعلمون خير الأعمال وأزكاها وأرفعها في الدرجات وأحبها إلى الله، فضائله كثيرة، وأجوره كبيرة، قرنه الله بالصلاة فقال (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ)، وقرنه بالجمعة فقال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ)، وقرنه بالصوم فقال: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)، وقرنه بالحج فقال: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)، وقرنه بالجهاد فقال: (يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ)، مأمور بـه في كل آن وعلى كل الأحوال لا يتقيد بزمان ولا بمكان (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَـاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)، يقول ابن القيم: “أفضل أهلِ كلِّ عمل أكثرهم فيه ذكرًا، فأفضل الصُّوَّام أكثرُهم ذكرًا لله في صومِهم، وأفضل المتصدّقين أكثرُهم ذِكرًا لله، وأفضل الحجّاج أكثرهم ذكرًا لله في حجه”..

ومن الطاعات المستحب فعلها دومًا: صيام النوافل والصدقة وتلاوة القرآن، وفي مثل هذا الموسم المبارك يزداد فضلها وتتأكد مشروعيتها، حتى تصبح من أحب الأعمال إلى الله جل وعلا.. فيا لها من غنيمة عظيمة لا يحرمها إلا محروم.

ومن العبادات الجليلة التي تعمل في عشر ذي الحجة: ذبح الأضاحي تقربًا إلى الله عز وجل؛ لقوله سبحانه وبحمده: (فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: 3]، فالأضحية شعيرة عظيمة ومنسك جليل.. وجمهور العلماء على أنها سنة مؤكدة يكره للقادر عليها تركها.. بل قال بعضهم بوجوبها على القادر.. مستدلين بالحديث الصحيح.. “من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا” وليحرص المضحي أن تكون أضحيته مطابقة للمواصفات الشرعية.. خالية من العيوب المانعة سليمة من كل نقص.. وليحذر من عزم على الأضحية أن يأخذ من شعره وأظفاره من حين دخول شهر ذي الحجة إلى أن يضحي، وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا دخل شهر ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئًا” (صحيح مسلم).

وهذا الحكم خاص بمن سيضحي، أما من سيضحَّى عنه فلا يشمله هذا الحكم، فيشمل من عزم على الأضحية ولا يشمل أهله وعياله.. إلا من عزم منهم أن يكون له أضحية مستقلة..
ومن أجلِّ الأعمال الصالحة التي تشرع في هذه العشر: أداء مناسك الحج، هذا الركن العظيم الذي من تأمل في روعة شعائره وعمق مقاصده.. رأى حكماً باهرة، وعظات بالغة، وغايات نافعة، للفرد والمجتمع والأمة.. ففي الحج يجتمع المسلمون على اختلاف شعوبهم وطبقاتهم، وتنوع بلدانهم ولغاتهم، فتتوحد وجهاتهم وأفعالهم في زمان واحد، ومكان واحد، لا يتميز فيه أحد على أحد (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ).. تلتقي القلوب قبل الأبدان فتزداد المحبة وتنتشر الألفة ويعم التآخي في الله، ووالله لو استُغِلَّ هذا الجمع العظيم في تحقيق بعض مقاصده العظيمة لرأى المسلمون خيراً كثيرا..

ومن حكم الحج وفوائده التي تظهر للمتأمل: تذكُّر الدار الآخرة، فالحاج يغادر أوطانه التي ألفها ونشأ في ربوعها، وكذا الميت إذا انقضى أجله يغادر هذه الدنيا، والميت يجرد من ثيابه، وكذا الحاج يتجرد من المخيط طاعة لله –تعالى-، والميت يُغَسَّل بعد وفاته، وكذا الحاج يتنظف ويغتسل عند ميقاته، والميت يُكَفَّن في لفائف بيضاء هي لباسه في دار البرزخ، والحاج يلبس رداءً وإزارًا أبيضين لمناسكه، وفي صعيد عرفات والمشعر الحرام يجتمع الحجيج، وفي يوم القيامة يُبْعَث الناس ويساقون إلى المحشر: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبّ الْعَالَمِينَ)، إلى غير ذلك من الحكم العظيمة والمقاصد الكريمة..

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [إبراهيم: 27- 29].

بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى..

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وأطيعوه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ).

عشر مباركات.. العمل الصالح فيهن أيَّاً كان نوعه أفضل منه في غيرها، والملاحظ أنها تقع في آخر العام، فكأنها تعويض للمفرطين في عامهم؛ ليتداركوا أنفسهم، وليعوضوا فيها ما فاتهم، وليدركوا بها منازل من سبقهم، وليتذكر العبد بنهاية سنته نهاية عمره، وليندم على ما فرط في أيامه الخالية، وليعقد العزم على استثمار ما بقي له من حياته، فهذه الدنيا التي نعيشها لن تبقى إلى الأبد، ولن يخلّد فيها أحد، كل نفس ذائقة الموت، ولكل أمة أجل.. طال الزمن أم قصر..

والدنيا بأفراحها وأتراحها، بمسراتها وأحزانها، بيسرها وعسرها.. ما أن يفارقها الإنسان حتى ينَسى ويُنسى.. وما من أحد يصيبه عُسر شديد، أو مصيبة كبيرة، إلا ومع مرور الأيام يزول عسرُه، وينسى مصيبتَه، ويذهب همُه وغمه تدريجياً، وكذلك من تصيبه سراءُ فيفرح بها فرحا شديدا.. ثم مع الأيام ينساها ويزول فرحه شيئاً فشيئاً.

وهكذا ما يلحق بأهل الإيمان والتقوى من مشقة حبس النفس على الطاعات، وكفها عن الشهوات ؛ فإنهم ينسون ذلك بمجرد انتهاء وقته، وذهاب مشقته ؛ فالصائم الذي جاع وعطش ينسى معاناته مع الجوع والعطش بمجرد فطره، والحاج الذي لحقه من المشقة والزحام وطول الانتظار ما لحقه.. ينسى ذلك بمجرد إتمام حجه، وانقضاء نسكه.

وأهل الشهوات المحرمة ينسون لذة شهواتهم ومتعتها بمجرد مفارقتها، وتبقى السيئات في صحائفهم، والأوزار تثقلهم، والهموم والأحزان تملأ قلوبهم، وهذا من عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة..

ونجد هذا المعنى واضحا كل الوضوح في حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا من أَهْلِ النَّارِ يوم الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يا بن آدَمَ، هل رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هل مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فيقول: لَا والله يا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الناس بُؤْسًا في الدُّنْيَا من أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الْجَنَّةِ فَيُقَالُ له: يا بن آدَمَ، هل رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هل مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيقول: لَا والله يا رَبِّ ما مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ ولا رأيت شِدَّةً قَطُّ” (حديث صحيح رواه الإمام مسلم).

فحري بالمسلم أن يعتبر بذلك، وأن يعمر وقته بطاعة الله عز وجل ؛ لعلمه أن ما يلحقه من مشقة العبادة يزول، ويبقى له أجرها، يتنعم به خالدا مخلدا في دار النعيم، وأن يجانب المحرمات ليقينه أن لذتها تزول بزوالها، ويبقى وزرها عليه، وأن يستفيد من الأزمان الفاضلة، والأوقات المباركة التي اختصها الله تعالى بشعائره العظيمة، فيعظمها كما عظمها الرب -تبارك وتعالى-، ويخصها بكثرة النوافل والقربات، وإن الخسران كل الخسران أن يصرفها العبد في اللهو والغفلة، والتمتع بما حرم الله تعالى عليه، ولربما كانت هذه العشر آخر موسم مبارك يدركه العبد في حياته، فلعل الموت يبغته في أي لحظة: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ) [آل عمران: 30].

ابن آدم: “عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به”.

البر لا يبلى.. والذنب لا يُنسى.. والديان لا يموت.. وكما تدين تدان.

الشيخ عبد الله بن محمد الطوالة حفظه الله

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *