الرئيسية / مـنـوعـات / أسرار الحج الروحية مدرسة إيمانية شاملة ومشعل نور لا ينطفئ

أسرار الحج الروحية مدرسة إيمانية شاملة ومشعل نور لا ينطفئ

أسرار الحج الروحية مدرسة إيمانية شاملة ومشعل نور لا ينطفئ

الحج من العبادات ذات الطابع الخاص، فهو ليس عبادة جسدية خالصة، ولا روحية فحسب، بل هو منظومة متكاملة، وبانوراما مصغرة لحياة الإنسان، منذ الميلاد حتى الممات، فهو مدرسة إيمانية روحانية جسدية، ترتقي بالعبد إلى أعلى المراتب، وتسوقه إلى الفردوس، وتسكنه بجوار الأنبياء والصالحين.
وللحج مقاصد ودلالات أخرى غير التي تظهر للعامة، ففيه من الروحانيات ما فيه، ولديه من الأسرار العميقة ما لديه، فبه من الأمور الكامنة، والمعاني الخفية، ما يجعل العبد ربانيا، أقرب إلى الله من نفسه، حتى يكون عينه التي يرى بها، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، وليس هذا إلا للمؤمن صاحب الإخلاص في القول والعمل.
ومن نعم الله على عباده أن جعل الحج مؤتمرا إسلاميا عالميا، جسديا وروحيا، ففي كل منسك من مناسكه دلالات كثيرة ومعاني عظيمة، إذا ما بلغها الحاج كان ذلك دليلا على رضا الله عز وجل عنه، وقبوله منه هذه العبادة الخاصة، لذا كان جديرا بالحج أن يكون “عبادة الروح والجسد”.

الإحرام .. معاني التوازن والانضباط
تبدأ رحلة روحانيات الحج من الإحرام، فقد شرّع الإحرام في كلّ ضوابطه وتفاصيله، ليحقّق للإنسان أهداف الصوم، ولكن في أسلوبٍ متحرّكٍ متنوّع، لا يخاطب في الإنسان جوع الجسد وظمأه، ولكنّه يخاطب فيه جوانب أخرى تهذّب فيه نزعة القوّة، فتوحي إليه بالانضباط والتّوازن، وتهذّب فيه نزعة التّرف فتقوده إلى الخشونة، ونزعة الكبرياء فتوجّهه إلى التّواضع، وتعلّمه كيف يحرّك الفكر والثقافة والمعرفة في اتجاه الحق بدلاً من الباطل، لتبقى المعرفة سبيله الوحيد في حركة الكلمة والفكرة.

الطواف .. دلالات الوحدة والتوحيد
كما شرَّع الله عز وجل الطَّواف حول البيت وجعله صلاةً، ليعيش معه الإنسان آفاق الصَّلاة وروحيَّتها، ذلك البيت الّذي أراده الله رمزاً للوحدة بين النّاس في معناه الرّوحيّ المتّصل بالله، لا في مدلوله المادّيّ المتمثّل بالحجارة، وللإيحاء بأنّ الحياة لا بدّ من أن تتحوّل إلى طوافٍ حول إرادة الله، فيما يتمثّل في بيته من مشاعر الطّهارة والنّقاء والخير والبركة والرّحمة والمحبّة.. لتكون الحياة حركةً في طريق الأهداف الّتي يحبّها الله ويرضاها، والّتي يريد لعباده أن ينطلقوا معها في رسالته ومسؤوليته.

السعي .. مقاصد الخير والسعي فيه
أما السّعي بين الصّفا والمروة، فكان نقطة روحانية مهمة ليعيش الإنسان معه الشّعور الواعي بأنّ خطواته لا بدّ من أن تتّجه إلى المجالات الخيّرة، ليكون سعيه سعياً في سبيل الخير، وابتعاداً عن طريق الشرّ، فهو يسعى هنا لا لشيء، إلا لأنّ الله أراد منه ذلك ليحصل على القرب منه، ما يوحي بأنّ السّعي هنا إذا كان للحصول على مرضاة الله فيما تعبَّدنا الله به من أمره ونهيه، فينبغي لنا أن نطلق السّعي في مجالات الحياة الأخرى، في كلّ آفاقها الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة في الاتجاه نفسه، لنحصل على رضاه في كلّ أمورنا.

عرفات ومنى .. أسرار التأمل والتدبر
أمّا الوقفات الّتي أرادها الله في عرفات والمشعر ومِنى، فهي وقفات تأمّل وحساب وتدبّر وانطلاق، ليستعيد فيها الإنسان مبادئه التي قد تضيع في غمرات الصراع التي يخوضها في سبيل لقمة العيش أو في سبيل تحقيق رغباته ومطامعه المشروعة وغير المشروعة، فإنّ الإنسان قد يفقد الكثير من قيمه الكبيرة تحت تأثير النوازع الذاتية من جهة، والتحديات المضادة التي قد تخلق لديه ردود فعل متوترة ـ من جهةٍ أخرى ـ فينسى في غمرة ذلك كله الكثير الكثير مما يؤمن به أو يدعو له، الأمر الذي يجعله بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التأمل والمحاسبة، ليرجع إلى فكره وعقيدته وخطّه المستقيم في الحياة، ومن ثم فالوقفات التي أرادها الله في عرفات والمشعر ومِنى، هي وقفات تأمّل وتدبّر ومحاسبة للنّفس

الأضحية .. رمز العطاء والتضحية
جعل الله الأضحية رمزاً حيّاً للتّضحية والعطاء، فيما يرمز إليه من تاريخ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، عندما أسلما لله الأمر وانتصرا على نوازع الأبوّة في عاطفتها تجاه البنوّة، وعلى حبّ الذّات في إحساس الإنسان بحياته، وانتهى الأمر إلى أن فداه الله بذبحٍ عظيم، كما جعل الأضحية رمزاً للتّضحية فيما يريد أن يثيره في حياة الإنسان في كلّ زمانٍ، من السّير على هدى هذه الرّوح، ليكون ذلك خطّاً عمليّاً تسير عليه الحياة في كلّ مرحلةٍ تحتاج إلى التّضحية والعطاء.

الرجم .. دلالات معاداة الشيطان وكراهية المعاصي
كما كان رجم الشَّيطان إيحاءً بما يريد الله للإنسان أن يعيشه في حياته كهمٍّ يوميٍّ يواجه فيه خطوات الشّيطان، في فكره وعاطفته وقوله وفعله وانتماءاته وعلاقاته العامّة والخاصّة. وربما كان في هذا التّكرير في الفريضة لرجم الشّيطان ــ الرّمز، إشارة إلى أنَّ قضيّة محاربة الإنسان للشّيطان ليست قضيّة حالة واحدة يعيشها الإنسان ويتركها، بل هي قضيّة متجدّدة في كلّ يوم.

مقاصد الإخوة ومعاني الوحدة والمواطنة
من أهم دلالات الحج ومقاصده أيضا استشعار المسلمين وحدتهم وصلتهم بإخوانهم المسلمين، فهم يصلون إلى قبلة واحدة، ويصومون في وقت واحد، ويتبعون رسولاً واحداً صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الفريضة تكون تلك المعاني أقوى وأعمق وأشمل، إذ تكون في أعماق القلوب شوقاً وشعوراً، وتُسمع من الألسنة تلبية وتكبيراً، وتُرى بالأعين إزاراً ورداءً وتجرداً وإحراماً، وتتجلى في الجموع حركة وسكوناً، إقامة وارتحالاً، وقوفاً وإفاضة، فكل شيء موحد، العاطفة واللغة والهيئة والحركة دون أي فارق يميّز، ولا علامة تحدد، فالكل سواء فقراء وأغنياء، ضعفاء وأقوياء، عامة وعلماء، رعية ورعاة، فالأخوة مشاعر لا شعارات، وحقائق لا مزايدات، وحينئذ يتجلى للمسلمين وغيرهم التمثل بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10)
ويتجدد النموذج الفريد الذي صاغه محمد صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في المؤاخاة الفريدة {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9) .

كما تشتمل منظومة دلالات الحج الروحية والجسدية أيضا، تنمية الشعور بالمواطنة والانتماء للوطن، فالمسلم منتم لأمته، وولاؤه لها، والعبادات تربطه بها، وتشده إليها، وفي القدوم إلى مكة المكرمة، والمثول في المشاعر المقدسة، تجسيد لتلك المعاني، فهو يرى الكعبة التي يتوجه إليها، ويعيش مع المسلمين الذين ينتمي إليهم في بقعة واحدة ومعايشة حقيقية ملموسة، وكأن في الحج تأكيد وتعميق لهذا الانتماء، بطلب المثول في مواطن الإسلام، في مهبط الوحي، وكأن لسان الحال يقول له: هنا مكة المكرمة، هنا البيت الحرام، هنا حصل {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} (البقرة: 127)

هنا الوادي غير ذي الزرع الذي جاءه إبراهيم الخليل عليه السلام وترك فيه زوجه وولده وقال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}(إبراهيم: 37)
هنا سعت هاجر بين الصفا والمروة تبحث لرضيعها عن ماء، وهنا تفجّر ماء زمزم بين أقدام الرضيع إسماعيل عليه السلام، هنا أصالة التوحيد، وعراقة التاريخ، ولُحمة الانتماء، {مٌلَّةّ أّبٌيكٍمً إبًرّاهٌيمّ هٍوّ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} (الحج: 78)
وهكذا استحقت هذه العبادة الفريدة أن تكون مدرسة متكاملة لبناء المسلم روحيا وجسديا.

أ – عماد عنان بارك الله فيه

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *