الرئيسية / مـنـوعـات / التذكية: شروطها والحكمة منها

التذكية: شروطها والحكمة منها

التذكية: شروطها والحكمة منها

الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر

التذكية: هي إزهاق رُوح الحيوان البرِّيِّ المأكول اللحم، بنَحرِه في اللَّبَّة (وهي أسفل الرَّقبة) إنْ كان إبلاً، أو ذبحه في الحلق إنْ كان بقرًا أو غنمًا أو نحوهما، أو جرحه في أيِّ موضعٍ من بدنه، كالصيد والشارد من البهائم إذا كان لا يقدر عليه إلاَّ بذلك.

الحكمة من التذكية:
إظهار العبوديَّة لله تعالى بذبحها على اسمه، وإظهار شُكرِه على إنعامه بها، وتطييب الحيوان من الرُّطوبات والفَضلات الضارَّة (كالدم ونحوه)، وتمييزه عن الميتة.

شروط التذكية وآدابها:
للتذكية شروطٌ وآدابٌ تنبَغِي مُراعَاتها والتقيد بها، ومنها ما يتوقَّف حلُّ المذكَّى عليها، ومن ذلك:
أولًا: قصد التذكية، بأنْ يكون المذكِّي مميزًا عاقلاً، بحيث يمكن منه قصدُ التذكية؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ [المائدة: 3]، فمَن لا يُمكِن منه القصد؛ كالشيخ الهرم (المخرف)، والطفل دون التمييز، والمجنون، والسكران ونحوهم؛ لا يمكن منهم قصدُ التذكية؛ فلا تحلُّ ذبيحتهم.

ثانيًا: أن يكون الذابح مسلمًا، ولو امرأةً، أو فاسقًا فِسقًا غير مكفر، أو كتابيًّا؛ لقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ [المائدة: 5]، وثبَت أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دَعاه يهوديٌّ إلى خبز شعير وإهالة سَنِخَة فأكَل، والإهالة: الشَّحم المُذاب إذا تغيَّرت رائحته.

وحكَى غيرُ واحدٍ من أهْل العلم إجماعَ المسلمين على حلِّ ذَبائح أهل الكتاب، إلاَّ ما تبيَّن لنا مُخالفتهم فيه التذكية المشروعة.

ثالثًا: ألاَّ تكون لغير الله؛ كما يذبح تقرُّبًا للأصنام والأوثان ونحو ذلك ممَّا يفعله أهل الشرك، فإنَّه لا يحلُّ، ولو ذكر عليه اسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾، إلى قوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ [المائدة: 3].

وفي صحيح مسلم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: “لعَن الله مَن ذبَح لغير الله”.

وكذلك ما ذُكِرَ عليه غيرُ اسم الله من نبي أو ولي، أو زعيم أو عظيم، فإنَّه لا يحلُّ ولو ذُكِّي؛ لقوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ [المائدة: 3]، إلى قوله: ﴿ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ [المائدة: 3]، وذكَر ابنُ كثيرٍ الإجماعَ على تحريم ما أهلَّ لغير الله به.

رابعًا: أنْ يُسمِّي الله على الذبيحة؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم سمَّى وكبَّر كما ثبَت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وقد قال تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ [الأنعام: 118]، وقال تعالى: {﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ [الأنعام: 121]، وقال صلى الله عليه وسلم : “ما أنهر الدَّم، وذكر اسم الله عليه، فكُلُوا””؛ رواه البخاري، فشرَط لحلِّ الأكل أمرين:
• إنهار الدَّم: وهو إسالته.
• وذكر اسم الله عليه.

والظاهر أنَّ ما لم يُذكَر اسم الله عليه ولو جَهلاً أو نِسيانًا، لا يحلُّ أكلُه، فكما أنه لو لم ينهر الدم جَهلاً أو نِسيانًا أو عَمدًا، لا تحلُّ ذبيحته، فكذلك مَن لم يذكر اسم الله لا تحلُّ ذَبِيحته عند الذبح.

خامسًا: أنْ تكون التذكية بمحدَّدٍ من سكِّين وحجر ونحوه (غير سن وظفر)؛ لحديث رافع بن خَدِيج رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “ما أنهر الدَّم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا”.

سادسًا: أنْ ينهر الدَّم (أي: يَسِيل الدم بقوَّة وكثْرة)، وفي ذلك تفصيلٌ:
1- فإنْ كان ما يُراد تذكيته مقدورًا عليه لكونه يمكن إحضارُه للذبح، فلا بُدَّ أنْ يكون إنهار الدَّم في مَوضعٍ معيَّن، هو الرقبة كما سبق، قال ابن عباس: “الذكاة في الرَّقبة؛ يعني: البقرة والغنم ونحوهما – واللَّبَّة – يعني: في الإبل”، وقال عَطاء: “لا ذكاة ولا نحر إلاَّ في المذبح والمنحر”، ويكون بالقَطع أو الجرح الشديد لكُلٍّ من:
• الحلقوم: وهو مَجرَى النَّفَس.
• المرِّيء: وهو مَجرَى الطعام والشراب.
• الودجَيْن: وهما عرقان غليظان مُحِيطان بالحلقوم والمرِّيء.

ففي ذلك إفراغ الدَّم الذي به بَقاء حَياة الحيوان، وتنقيته من انحِباس الدَّم وغيره من الرُّطوبات الضارَّة والمُستَخبَثة.

2- وإنْ كان الحيوان الذي يُراد تذكيته غير مقدور عليه؛ لكونه شاردًا، أو واقعًا في بِئرٍ، أو يدخل مقدمه في غار، ونحو ذلك ممَّا لا يمكن معه الوصول إلى رقبته لنَحرِه أو ذبحه فيَكفِي في هذه الحالة إنهارُ الدم منه في أيِّ موضعٍ كان في بدنه حتى يموت، والأَوْلَى تحرِّي أسرع موضعٍ في جسمه لإزهاق رُوحِه؛ لقول ابن عبَّاس رضِي الله عنهما: “ما أعجزك من البهائم ممَّا في يدك فهو كالصيد”، وقال في بعيرٍ تَردَّى في بئر: “من حيث قدرت عليه فذكِّه”.

وسنَدُه في ذلك ما ثبَت في الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان وأصحابه رضي الله عنهم في غزوةٍ فأصابوا إبلاً وغنمًا، فندَّ – أي: شرد منها – بعيرٌ، فرَماه رجلٌ بسهمٍ فحبسَه، فقال صلى الله عليه وسلم : “إنَّ لهذه الإبل أوابدَ كأوابد الوَحْشِ، فإذ

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *