الرئيسية / مـنـوعـات / خذوا عني مناسككم (هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج)

خذوا عني مناسككم (هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج)

خذوا عني مناسككم (هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج)
الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز الدهامي

******

الحمد لله ﴿ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [الفتح: 28]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فرض الحجَّ إلى بيتِه مَن استطاع إليه سبيلا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه بعثَه بين يدي الساعةِ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنِه وسراجًا منيرًا، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أما بعد:

معاشر المسلمين:

في هذه الأيام المباركة يفِدُ الناسُ مِن كافة الأجناسِ ليقفوا على صعيدِ عرفات، ولْيطَّوفوا بالبيتِ العتيق، بلغاتٍ متباينة، وأقطارٍ متباعدة، وألوانٍ مختلفة، رجالا ونساءً، شيبًا وشبَّانًا، بزيٍّ واحد، ونداءٍ واحد، وهدفٍ واحد، تلبيةً لذلك النداء الخالد: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 27، 28].

أُمَّة الإسلام:

لما نزل فرْضُ الحجِّ، بادر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج مِن غيرِ تأخير، وحين عزمَ عليه الصَّلاةُ والسلامُ على الحجِّ أعْلمَ الناسَ أنه حاجٌّ، فتجهزوا للخروج معه، وسمِعَ ذلك مَن حول المدينة، فقدِموا يريدون الحجَّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووافاه في الطريق خلائقُ لا يُحصون كثرةً، فكانوا مِن بين يديه ومِن خلفه وعن يمينه وعن شماله مدَّ البصر، كلُّهم يريدُ أن يأتمَّ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

خرج صلى الله عليه وسلم مِن المدينة نهارًا بعد الظهر لستٍ بقين مِن ذي القعدة بعد أنْ صلَّى الظهرَ بها أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلتُه على البيداءِ حمدَ اللهَ وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحجٍّ وعمرة.

وولدت أسماءُ بنتُ عميسٍ زوجةُ أبي بكر رضي الله عنه محمدَ بنَ أبي بكر بذي الحليفة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسلَ، وتستثفرَ بثوبٍ، وتُحرِمَ وتُهِل[1]، فسارت مع الرَّكْبِ وهي نُفساء رضي الله عنها.

وسار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي بالتوحيد “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الـحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالـمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ”[2]، والمسلمون معه كذلك يلبُّون، حتى بُحَّت حناجرُهم رضي اللهُ عنهم وأرضاهم.

قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ”[3]. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: “قَدِمْنا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ونحنُ نصْرخُ بالحجِّ صُرَاخًا”، رواه مسلم[4].

وإنَّ الناظرَ إلى أحوالِ الحجيجِ اليوم لَيجدُ التقصيرَ واضحًا في إظهار هذه الشعيرة، وهذا مِن الحرمان، فإنَّ التلبيةَ شعارُ المُحْرِم.

فلما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى مكةَ نزل بذي طوى[5]، فبات بها ليلة الأحد لأربعٍ خلون من ذي الحجة [6]، وصلَّى بها الصبح، ثم اغتسل، ونهضَ إلى مكة، فدخلها نهارًا.

فلما دخل المسجدَ الحرامَ عمدَ إلى البيت، فلما حاذى الحجرَ الأسودَ، استلمَه صلى الله عليه وسلم ولم يزاحمْ عليه. وليُعلَم – أيها المؤمنون – أنَّ الحجرَ يُستلَمُ ويُقبَّلُ تعبُّدًا وتعظيمًا لله عز وجل، واتِّباعًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، لا تبرُّكًا واستشفاءً كما يتوهمُه بعضُ المسلمين.

ثم أخذَ صلى الله عليه وسلم عن يمينه وجعلَ البيتَ عن يسارِه، وطافَ صلى الله عليه وسلم بالبيت سبعةَ أشواط. وهنا ينبغي تنبيهُ البعض مِـمَّن يطوفُ ومعه نسوةٌ يحوطها، فلربما استقبلَ بعضُهم الكعبةَ أو استدبرها أثناء طوافِه، وهذا خطأٌ كبير، فالكعبةُ – شرَّفها الله – تكونُ على يسار الطائفِ في جميع الطواف.

ولم يوقِّت للطوافِ ذِكرًا معينًا، بل حُفِظَ عنه بين الركنين: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201] [7]، ورمَلَ في طوافه هذا الثلاثةَ الأشواطَ الأُوَل، واضطبع بردائه، وكان كلما أتى على الحجرِ الأسودِ قال: “الله أكبر”.

فلما فرغ صلى الله عليه وسلم مِن طوافِه، أعادَ ردائه وسترَ منكبيه، جاء إلى خلف المقام فقرأ: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ [البقرة: 125]، فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، قرأ فيهما بسورتي الإخلاص “الكافرون والإخلاص”، وجوَّزَ فيهما. فلما فرغَ صلى الله عليه وسلم مِن صلاتِه أقبلَ إلى الحجر ِالأسودِ فاستلمَه، ثم خرج إلى الصفا، فلما قرُبَ منه قرأَ: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 158]، “أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ”[8]، ومِن هنا يتبينُ لنا خطاُ مَن يكرر هذه الآية عند كلِّ صعودٍ على الصفا والمروة، فهذا ذِكرٌ مشروعٌ عند الدُّنوِّ مِن الصفا أول مرةٍ فقط.

ثم رقِيَ صلى الله عليه وسلم الصفا حتى رأى البيتَ، استقبلَ القبلةَ فوحَّدَ اللهَ وكبَّره، وقال: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ”[9]، ثم دعا بين ذلك، وفعلَ هذا ثلاث مرات، وكثيرٌ مِن الناسِ لا يفعلُ هذه السُّنة، وإنما يُشيرُ إلى الكعبةِ إشارةً، وهذا خلافُ هدي النبي صلى الله عليه وسلم، إنما المشروع الوقوف للدعاء طويلا مستقبلَ الكعبة.

ثم طاف بين الصفا والمروة سبعةَ أشواط، وكان صلى الله عليه وسلم إذا وصل إلى المروة، رقِي عليها، واستقبل البيت، وكبَّر الله ووحَّدَه، وفعلَ كما فعلَ على الصفا. فلما أكمل سعيَه عند المروة، أمرَ كلَّ مَن لا هديَ معه مِن أصحابِه أن يُحلَّ، ولم يُحِلَّ هو مِن أجْلِ هدْيه، وهناك قال: “لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً “[10].

فلما كان يوم الخميس ضحىً، توجَّه بمَن معه مِن المسلمين إلى منى، فأحرمَ بالحج مَن كان أحلَّ منهم مِن رحالهم. فلما وصل إلى منىً نزلَ بها، وصلَّى بها الظهر والعصر وبات بها، وكان ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمسُ سار منها إلى عرفة، وكان مِن أصحابه الـمُلبي، ومنهم الـمُكَبِّر.

فلما وصلَ وجدَ القبةَ قد ضُرِبت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس، أمرَ بناقته القصواء فرُحِّلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي مِن أرض عرنة، فخطب الناسَ وهو على راحلته خطبةً عظيمةً، قرَّرَ فيها قواعدَ الإسلام، وهدمَ فيها قواعدَ الشركِ والجاهليةِ، ووضع فيها أمورَ الجاهليةِ تحتَ قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كلِّه، وأبطلَه، وأوصاهم صلى الله عليه وسلم بالنساءِ خيرًا، وأوصى الأُمةَ بكتابِ الله، وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين بكتابِ الله، ثم أخبرَ أنهم مسئولون عنه، واستنطقَهم، فقالوا: “نشهد أنك قد بلغتَ، وأديتَ، ونصحتَ”؛ فرفع أصبعَه إلى السماءِ، واستشهدَ اللهَ عليهم ثلاث مرات، وأمرهم أنْ يبلِّغَ شاهدُهم غائبَهم.

فلما أتم صلى الله عليه وسلم الخطبةَ أمرَ بلالًا فأذَّن، ثم أقام الصلاةَ، فصلَّى الظهرَ ركعتين، وكان يوم الجمعة، ثم أقام فصلَّى العصرَ ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة، وصلُّوا بصلاتِه قصرًا وجمعًا.

فلما فرغَ مِن صلاتِه، ركبَ حتى أتى الموقف، فوقفَ عند الصخرات، واستقبل القبلةَ، وكان على بعيرِه، وهناك قال: “وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ”[11]، فأخذَ صلى الله عليه وسلم في الدعاءِ والتضرعِ والابتهالِ إلى غروب الشمس، وكان في دعائه رافعًا يديه إلى صدرِه كاستطعامِ المسكين، وأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنَّ خيرَ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة. وهناك أُنزِلَت عليه ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].

وهناك سقطَ رجلٌ من المسلمين عن راحلتِه، وهو مُحرِم، فماتَ، فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُكفَّنَ في ثوبيه، ولا يُمسَّ بطيب، وأن يُغسَّلَ بماءٍ وسدرٍ، ولا يُغطَّى رأسُه ولا وجهُه، وأخبر أنَّ اللهَ تعالى يبعثُه يومُ القيامةِ يلبي.

وفي هذه القصةِ مِن الأحكام: إباحةُ الغُسلِ للمُحرِم. ومن ذلك أيضا: بقاءُ الإحرامِ بعد الموت، وأنه لا ينقطع بالموت. وقد قال صلى الله عليه وسلم نظير هذا في شهداءِ أحد، فقال: “زمِّلوهم في ثيابِهم بكُلُومِهم – [يعني بجراحاتهم] -، فإنهم يُبعثونَ يومَ القيامةِ اللونُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المسْكِ”.

فلما غربت الشمسُ واستحكمَ غروبُها، أفاض صلى الله عليه وسلم مِن عرفةَ، وجعل يسير العنقَ، لا بالسريعِ ولا البطيء، وكان يُلبِّي في مَسيرِه ذلك، لم يقطع التلبية.

ثم سار صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفةَ، فصلى بها المغرب والعشاء، ثم بات بها تلك الليلة حتى أصبح. فلما طلع الفجرُ، صلاها في أوَّل الوقتِ يومَ النحر، وهو يومُ العيد، وهو يومُ الحجِّ الأكبر.

وصلاةُ الفجر في المزدلفةِ لها شأنٌ عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ – [يعني الفجرَ في مزدلفة]-، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ”[12].

ثم ركبَ صلى الله عليه وسلم حتى أتى موقفَه عند المشعرِ الحرام، فاستقبل القبلةَ، وأخذ في الدعاءِ والتضرعِ، والتكبيرِ والتهليلِ والذِّكرِ حتى أسفرَ جدا، عملا بقولِه تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198]، وأخبرَ صلى الله عليه وسلم أنَّ جمعَ كلَّها موقف، فقال: “وَقَفْتُ هَا هُنَا بِجَمْعٍ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ”[13].

ثم سار صلى الله عليه وسلم مِن مزدلفةَ مُرْدِفًا للفضلِ بنِ عباس، وهو يُلبي في مسيره، وفي طريقه ذلك أمرَ ابنَ عباسٍ أن يلقطَ له حصى الجمار، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفِّه، ويقول: “بأمثالِ هؤلاءِ فارمُوا، وإيَّاكم والغُلوَ في الدِّين؛ فإنما أهْلكَ مَن كان قبلَكم الغلُو في الدِّين”، ولا يتعينُ التقاطُ الحصى مِن مزدلفة، بل له أخذُ الجمارِ مِن أي مكانٍ كان.

فلما أتى صلى الله عليه وسلم بطنَ مُحسِّر، حرَّك ناقتَه وأسرعَ السيرَ، ومحسِّر: برزخٌ بين مِنى وبين مزدلفة، وهذه كانت عادته صلى الله عليه وسلم في المواضعِ التي نزل فيها بأسُ اللهِ بأعدائِه، فإنَّ هنالك أصابَ أصحابَ الفيلِ ما قصَّ اللهُ علينا، ولذلك سمَّي ذلك الوادي وادي مُحسِّر؛ لأنَّ الفيلَ حُسِرَ فيه، أي: أعيا وانقطعَ عن الذهابِ إلى مكة، وكذلك فعلَ في سلُوكِه الحِجْرَ- ديار ثمود – فإنه تقنَّعَ بثوبِه، وأسرعَ السير.

وبهذا – أيها الإخوة – يتبينُ لنا الخطأُ الذي يرتكبُه بعضُ الجهَلةِ مِن قصْدِ ديار ثمود المسمَّاة بـ”مدائن صالح”؛ لأجْلِ المشاهدةِ والسِّياحةِ والاطلاعِ على الآثار، وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لاَ يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ”، رواه الشيخان[14].

أيها الإخوة في الله:

سار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى مِنَى، فرمَى جمرةَ العقبة بسبعِ حصياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ[15]، وحينئذ قطعَ صلى الله عليه وسلم التلبيةَ، وذلك برمْي أولِ حصاةٍ مِن حصى الجمار.

ثم رجعَ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى منى، فخطبَ الناسَ خطبةً بليغةً، وأمرهم بأخْذِ مناسكِهم عنه، وقال: “لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ”[16]، وودَّع حينئذ الناسَ، فقالوا: حجة الوداع.

ثم انصرف صلى الله عليه وسلم إلى المنحرِ بمنى، فنحر ثلاثًا وستينَ بدنةً بيده، وكان هذا الذي نحره عددَ سِني عمره صلى الله عليه وسلم، ثم أمسكَ، وأمرَ عليًّا أن ينحر ما بقي[17]، ونحر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمنحره بمِنَى، وأعلمهم أنَّ مِنَى كلَّها منْحرٌ[18]، وأنَّ فِجاجَ مكةَ طريقٌ ومنحرٌ.

فلما أكمل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نحرَه، استدعى بالحلاقِ فحلقَ رأسَه، فقال للحلاق: فقال للحلاق: “خُذ”، وأشار إلى جانبِه الأيمن، فلما فرغَ منه، قسَّمَ شعرَه بين مَن يليه[19]، ثم أشارَ إلى الحلاقِ، فحلَقَ جانبَه الأيسرَ، ودعا للمحلِّقينَ بالمغفرةِ ثلاثًا، وللمقصِّرين مرةً [20].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 27].

بارك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإيَّاكم بما فيه مِن الآياتِ والذِّكْرِ الحكيم. أقولُ ما تسمعون، واستغفِرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين مِن كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه إنَّه هو الغفورُ الرَّحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهدُ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له تعظيمًا لشأنِه، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبه وإخوانه، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين وسلَّم تسليمًا. أما بعد:

معاشر المسلمين:

بعدما فرغَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن نحْرِه وحلْقِ رأسِه، اغتسلَ وتطيبَ، قالت عائشةُ رضي الله عنها: “كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ”[21]، واللهُ تعالى يقول: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 29]، فينبغي للمؤمن أن يطوفَ ببيتِ الله على أحسن أحوالِهم، وليُعلَم أنَّ الملائكةَ عليهم السلام يتأذَّونَ مما يتأذى منه بنو آدم.

ثم أفاض صلى الله عليه وسلم إلى مكةَ قبل الظهر راكبًا، فطاف طوافَ الإفاضةِ، وهو طواف الزيارة، وهو طواف الحج.

ثم رجعَ صلى الله عليه وسلم إلى منى، فبات بها، فلما أصبحَ انتظرَ زوالَ الشمس، فلما زالتْ مشى مِن رحْلِه إلى الجمارِ ولم يركب، فبدأ بالجمرةِ الأولى التي تلي مسجدَ الخيف، فرماها بسبع حصيات، يقول مع كل حصاة: “الله أكبر”، ثم تقدَّم فقام مستقبلَ القبلةِ، ثم رفعَ يديه ودعا دعاءً طويلا بقدْرِ سورةِ البقرة، ثم أتى إلى الجمرةِ الوسطى، فرماها كذلك، ثم وقف مستقبلَ القبلةِ رافعًا يديه يدعو قريبا مِن وقوفه الأول، ثم أتى الجمرةَ الثالثةَ وهي جمرة العقبة، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، فرماها بسبع حصيات كذلك، فلما أكمل الرمي رجع مِن فوره، ولم يقف عندها.

ثم فعلَ في اليوم الثاني عشر والثالثَ عشر مثلَ ذلك، ولم يتعجلْ في يومين، بل تأخرَ حتى أكملَ الرمي في أيامِ التشريقِ الثلاثة، وذلك أفضل، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203].

ثم رقد صلى الله عليه وسلم رقدةً بالمحصَّب وهو الأبطح، ثم نهضَ إلى مكةَ فطافَ للوداعِ ليلا سَحَرًا، قالت أمُّ سلمة رضي الله عنها: شَكوْتُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَشْتَكِي، قَالَ: “طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ”، فطُفتُ ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي إلى جَنبِ البيتِ يقرأُ بـ﴿ وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ﴾ [الطور: 1، 2] [22]، ثم ارتحلَ صلى الله عليه وسلم راجعًا إلى المدينةِ بعدما صلَّى الصبحَ عند البيت.

ولما رأى صلى الله عليه وسلم المدينةَ كبَّر ثلاثًا، وقال: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَائِحُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ”[23].

هذا، واعلموا أنَّ اللهَ أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفْسِه، فقال جلَّ مِن قائلٍ عليمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

[1] عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صفةِ حجة النبي صلى الله عليه وسلم، قال رضي الله عنه: “فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فولدتْ أسماءُ بنتُ عُميسٍ محمدَ بنَ أبى بكرٍ، فأرسلَتْ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: “اغْتَسِلي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي”، رواه مسلمٌ في الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (1218).

[2] رواه البخاري (1549) ومسلم (1184) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وفيه: أنَّ تلبيةَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ …” الحديثَ، وروى البخاري (1550) نحوه عن عائشة رضي الله عنها.

[3] حديث السائب بن خلاد رضي الله عنه: رواه الترمذي في الحج، باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية، رقم (829)، ورواه ابن ماجه في المناسك، باب رفع الصوت بالتلبية، رقم (2922)، وصحَّحه الألباني.

[4] حديث أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله رضي الله عنه: رواه مسلم في الحج، باب التقصير في العمرة، رقم (1248).

[5] روى البخاري، رقم (1574) عن ابن عمر رضي الله عنه قال: ” باتَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بذِي طُوًى حتى أصْبحَ، ثمَّ دخلَ مكّةَ”، وكان ابنُ عمرَ يفعلُه.

[6] عن ابن عباس رضي الله عنه قال: “صلَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصُّبْحَ بذِي طوى، وقَدِمَ لِأرْبعٍ مَضينَ مِن ذي الحجَّة، …” الحديثَ، رواه مسلم، رقم (1240)، وعند البخاري، رقم (1085): “قدِمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحَابُه لِصُبْحِ رابِعةٍ يُلبُّونَ بالحجِّ، …”.

[7] فيه حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين الركنين: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]، رواه أبو داود في المناسك، باب الدعاء في الطواف، رقم (1892)، وحسَّنه الألباني.

[8] رواه مسلمٌ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صفةِ حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (1218).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *