الرئيسية / مـنـوعـات / من مظاهر القربى في العشر الأول من ذي الحجة

من مظاهر القربى في العشر الأول من ذي الحجة

من مظاهر القربى في العشر الأول من ذي الحجة
د. محمد ويلالي

تهب علينا نفحات أيام ربانية عظيمة، أيام العشر من هذا الشهر المبارك، شهر ذي الحجة، موسم آخر من مواسم الطاعة والقربى، يمحو الله بها السيئات، ويغفر بها الحوبات، ويرفع بها الدرجات.

هي عشر التقرب إلى الله – تعالى – بعبادة الذكر والدعاء، لا يفتر فيها اللسان عن تعظيم الرب تكبيرا، وتهليلا، وتحميدا. قال تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ [الحج: 28]. وقال النبي – صلى الله عليه وسلم-: “مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ وَلاَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ” أحمد وهو في صحيح الترغيب.

وهي عشر التقرب إلى الله – تعالى – بعبادة الصيام، وبخاصة صيام يوم عرفة الذي يكفر آثام سنة ماضية، وسنة قادمة، وهو اليوم الذي نزل فيه قول الله – تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].

وهي عشر التقرب إلى الله – تعالى – بعبادة الصدقة، وبخاصة صدقة الأضحية، حيث يستحب أن يُعطَى ثلثها للفقراء والأيتام والأرامل، وهو عين التقوى المُرَجَّاة من هذا العيد. قال – تعالى -: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37]. وقال – تعالى -: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾. وقال الرسول – صلى الله عليه وسلم-: “كلوا، وادخروا، وتصدقوا” متفق عليه.

قال محمد بن الحسن في روايته للموطأ: “وبهذا نأخذ، لا بأس أن يأكل الرجل من أضحيته، ويدخر، ويتصدق، وما نحب له أن يتصدق بأقل من الثلث، وإن تصدق بأقل من ذلك جاز”. فلا تفاخرَ، ولا رياءَ، ولا تنافس أو مغالاة، وإنما هو التصدق، والتوسعة على العيال، وإشاعة مبادئ التراحم والتآخي.

وهي عشرُ التقرب إلى الله – تعالى – بعبادة الحج، التي استغلها النبي – صلى الله عليه وسلم- في حجة وداعه للمسلمين، فوجه إليهم أغلى النصائح، وأرشدهم إلى أسمى المنازل، مما نحن اليوم في أمس الحاجة إلى استحضاره، وتمثله، والعمل به. أرشدهم إلى دواء الاستقرار والطمأنينة، أرشدهم إلى مقومات الانتصار والعزة، أرشدهم إلى أسس الأخوة والتكافل، فكان مما قاله – صلى الله عليه وسلم-:”إن دماءكم، وأموالكم، حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا”. وقال – صلى الله عليه وسلم-:”فلا ترجعوا بعدي ضُلالا يضرب بعضكم رقاب بعض”. فما بال كثير من المسلمين اليوم نَشِبت بينهم العداوة والبغضاء، وشحذوا سيوف المقاتلة والاجتثاث، بعضهم يضرب رقاب بعض، وبعضهم يقطع الطريق على بعض، وبعض يحمل في صدره من العدوان والظلم والضغينة ما يود به القضاء على أخيه المسلم، ببينة وبغير بينة، بسبب وبغير سبب، بل أحيانا بظلم سافر، واعتداء فاضح، لمجرد الخلاف في الرأي، أو في المذهب، أو في الموقف.

كم من السرقات سمعنا في هذا الشهر الحرام وفي الذي قبله؟ سرقات الدور، والسيارات، والهواتف، والجيوب، بل وأحذية المؤمنين من المساجد. أما يخاف هؤلاء يوما يرجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؟ ألا يخشون يوما يدفعون ما ظلموا، وما سرقوا، وما نهبوا من حسناتهم إن كانت لهم حسنات، وإلا أخذ من سيئات المعتدى عليهم، فطرحت عليهم فطرحوا في النار؟ أما يخشى القتلة الظلمة يوم التنادي، حيث لا ينفعهم جبروتهم ولا قسوتهم. في الشام يقتل الأبرياء بدم بارد، وترسل عليهم البراميل المتفجرة، تشتعل عليهم من فوقهم ومن تحتهم، ومعظمهم شيوخ، ونساء، وأطفال لا ذنب لهم، يُضحى بهم يوم تضحية الناس بالغنم والنَّعم، حتى قتل منهم في حدود أربع سنوات أزيد من 230 ألف شخص، وصار أكثر من نصف السكان نازحين، مقهورين، مستذلين، أربعة ملايين ونصف لاجئون، يستجدون الدول الغربية، صور نزوحهم، ومآسي فرارهم تدمي القلوب، وتفطر النفوس بالكلوم، في الوقت الذي يقول فيه النبي في خطبة حجة الوداع في هذه الأيام المباركة: “إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ، فإني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده، كتاب الله”. ويقول – صلى الله عليه وسلم-: “إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى”.

لماذا فتحنا الأبواب مشرعة للشيطان يعيث في النفوس بالفساد، ويحرضها على المنكرات، ونبينا – صلى الله عليه وسلم- في هذا الأيام المباركة يقول: “إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم”.

لماذا خيانة الأمانات، والتنافس على المناصب والكراسي بحق وبغير وجه حق، إلا أن يكون الزور والكذب، وزائف الوعود، إلا من رحم الله؟، والرسول – صلى الله عليه وسلم- في مثل هذه الأيام المباركة يقول: “فمن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها”.

ولماذا تستحكم بعض عادات الجاهلية، ونحن في القرن الواحد العشرين، حيث يفترض أن تؤوب النفوس إلى ربها، فتطردَ ما يغضبه، وتستنكفَ عما يَحجُبُه، والرسول – صلى الله عليه وسلم- في مثل هذه الأيام المباركة يقول: “إن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب. وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث. وإن مآثر الجاهلية – يعني أعمالها – موضوعة، غيرَ السَّدانة والسقاية”؟.

إنها عشرُ أفضل يوم في السنة، وهو يوم النحر، الذي شرع فيه التقرب إلى الله – تعالى – بذبيحة العيد، التي تعتبر سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء، مع كراهة تركها للقادر عليها، لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-:”من كان له سَعة ولم يضح فلا يقربنَّ مصلانا” صحيح سنن ابن ماجة. قال الإمام أحمد: “أكره ترك الأضحية لمن قدر عليها”، وكذلك قال الإمامان مالك والشافعي.

ولم تشرع الأضحية للتفنن في أنواع المأكولات وصنوف المشتهيات فقط – وإن كانت التوسعة على العيال مقصدا مطلوبا في العيدـ، بل العيد مناسبة تمتد فيها مشاعر الإخاء إلى أبعد مدى، حيث يبدو المجتمع الإسلامي في العيد متماسكاً، متعاوناً، متراحماً. فقد قيل: “من أراد معرفة أخلاق الأمة، فليراقبها في أعيادها”. يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم-:”كلوا، وادخروا، وتصدقوا” متفق عليه. قال محمد بن الحسن في روايته للموطأ: “وبهذا نأخذ، لا بأس أن يأكل الرجل من أضحيته، ويدخر، ويتصدق، وما نحب له أن يتصدق بأقل من الثلث، وإن تصدق بأقل من ذلك جاز”.

ويتحرى المضحي الجهات المستحقة لصدقته، أو المستنابة في توزيع صدقته، كجمعيات كفالة الأيتام، وإعانة الأرامل والمعوزين، وإيواء الطلبة المنقطعين لطلب العلم الشرعي، وغير ذلك من أبواب الخير. وبهذا يتحقق معنى العيد، وتنشر الفرحة بين أبناء المسلمين، وترسم الابتسامة على المرضى والمعوزين، ويزرع أمل التعاون في نفوس المهمشين المستبعدين، فيصدق علينا قول النبي – صلى الله عليه وسلم-: “الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ” صحيح سنن أبي داود.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *