الرئيسية / مـنـوعـات / عشر ذي الحجة: آداب وأحكام

عشر ذي الحجة: آداب وأحكام

عشر ذي الحجة: آداب وأحكام

د. علاء شعبان الزعفراني

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فها هي صفحات الأيام تطوى وساعات الزمن تنقضي، وتنصرم الأيام، ولئن فاخرت الأمم – من حولنا – بأيامها وأعيادها وخدعتها أقدارًا زائفة، وبركات مزعومة وسعادة واهية فإنما هي تضرب في تيه وتسعى في ضلال، ويبقى الحق والهدى طريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

فالحمد لله الذي هدى أمة الإسلام سبيلها وألهمها رشدها وخصها بفضل لم يكن لمن قبلها، ثم أطلق بصرك لترى هذه الأمة المرحومة مع إشراقة يوم العيد تتعبد الله عز وجل بالصيام يوم عرفة كما تعبدته من قبل بالصيام في شهر رمضان، وعن أبي قتادة قال: قَالَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: “صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ”[1]، وَقْدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَّا بِعَرَفَةَ[2].

‏وعَنْ أَنَسٍ قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟». قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ»[3].

والعيد شعيرة من شعائر الإسلام ومظهر من أجل مظاهره، تهاون به بعض الناس وقدموا الأعياد المحدثة عليه، فترى من يستعد لعيد الميلاد، وعيد الأم، وغيرها ويسعد هو وأطفاله بقدومها ويصرف الأموال لإحيائها، أما أعياد الإسلام فلا قيمة لها بل ربما تمر وهو مُعرض عنها غير ملتفت إليها، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32] [4].

إن يوم العيد يوم فرح وسرور لمن طابت سريرته، وخلصت لله نيته، فليس العيد لمن لبس الجديد وتفاخر بالعدد والعديد، وإنما العيد لمن خاف يوم الوعيد، واتقى ذا العرش المجيد، وسكب الدمع تائبًا رجاء يوم المزيد.

أخي المسلم: إليك وقفات سريعة موجزة مع عيد الأضحى آداب وأحكام:

أولاً: الحمد:

أي: الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه، فنثني عليه لكرمه أن بلغنا هذه الأيام المباركة “عشر ذي الحجة”، قال تعالى: ﴿ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 2] [5] والليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة على الراجح. كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف[6]، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»[7].

الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي عشر ذي الحجة أَفْضَلُ مِنْ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهِ، والْعَمَلَ إِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ الْعِبَادَة، وَهِيَ لَا تُنَافِي اِسْتِيفَاءَ حَظِّ النَّفْسِ مِنْ الْأَكْلِ وَسَائِرِ ما يدخل في معنى العبادة العام، فَإِنَّ ديننا ليس شعائر ونسك فحسب، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162] [8].

فلنسأل الله من فضله، وندعوه أن يتجاوز عن تقصيرنا.

ثانياً: التكبير:

يُشرَعُ التكبيرُ في عيدِ الأَضْحى. ومن الأدلَّة على ذلك:

أولًا: من الكِتاب:

1) قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 203] [9].

2) عن ابنِ عبَّاس رضي الله عنهما، قال: “الأيَّام المعدودات: أيَّامُ التشريقِ؛ أربعة أيَّام: يوم النَّحر، وثلاثة أيَّام”[10].

3) قال تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 28] [11].

عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: “الأيَّام المعلومات: أيَّامُ العَشرِ «يعني: العَشر الأُول من ذي الحجَّة»”[12].

4) قال تعالى في سِياق ذِكر الهَدايا: ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ [الحج: 37][13].

ثانيًا: من السُّنَّة:

عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْمُخَبَّأَةُ، وَالْبِكْرُ»، قَالَتْ: «الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ»[14].

وجه الدلالة:

أنَّ قولها: “يُكبِّرْنَ مع النَّاس” دليلٌ على استحبابِ التكبيرِ لكلِّ أحدٍ في العيدينِ[15].

ثالثًا: من الآثار:

1) عن عُمرَ رضي الله عنه: “أنَّه كان يُكبِّرُ في قُبَّتِه بمنًى، فيَسمَعُه أهلُ المسجدِ، فيُكبِّرونَ، فيكبِّرُ أهلُ الأسواقِ، حتى تَرتجَّ مِنًى تكبيرًا”[16].

2) عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: “أنَّه كان يُكبِّرُ بمنًى تلك الأيَّامَ، وخَلْفَ الصَّلواتِ، وعلى فِراشِه، وفي فُسطاطِه ومجلسِه، وممشاه تلك الأيَّامَ جميعًا”[17].

وكانتْ ميمونةُ رضي الله عنها: “تُكبِّر يومَ النَّحرِ”[18].

ثالثًا: الإجماع:

نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ قُدامة[19]، والنوويُّ[20]، وابنُ تيميَّة[21]، وابنُ رجب[22].

أنواعُ التَّكبيرِ في الأَضْحى:

المسألة الأولى: التَّكبيرُ المُطلَقُ:

يُشرَعُ التَّكبيرُ المطلَقُ[23] في عيدِ الأضحى، مِن أَوَّل ذي الحجَّةِ إلى غروبِ شمسِ آخرِ يومٍ من أيَّام التشريقِ، وهو قولٌ للحنابلةِ[24]، واختاره ابنُ باز[25]، وابنُ عُثيمي[26]، وبه أفتتِ اللَّجنةُ الدَّائمة[27].

ومن الأدلة على التَّكبيرِ في أيَّام العَشرِ:

أولًا: من الكتاب:

1) قال تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 28][28].

عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: “الأيَّام المعلومات: أيَّامُ العَشرِ «يعني: العَشر الأُول من ذي الحجَّة»[29].

وجه الدلالة:

أنَّ اللهَ تعالى قد أمَر بذِكره في هذه الأيَّام العشر، ومِن ذِكرِه التكبيرُ، كما أنَّ الأمرَ بالذِّكرِ شاملٌ لجميعِ العَشرِ، مِن بدايتها وحتى نهايتِها[30].

ثانيًا: مِن الآثار:

أنّ ابنَ عُمرَ – رضي الله عنهما – كان يُكبِّر في أيَّام العَشرِ[31].

أنَّ أبا هُرَيرَة رضي الله عنه كان يُكبِّرُ في أيَّام العشر[32].

رابعًا: عَمل السلف:

عن مَيمونِ بنِ مِهْرانَ، قال: “أدركتُ الناسَ وإنَّهم ليُكبِّرون في العَشر، حتى كنتُ أُشبِّهه بالأمواجِ مِن كثرتِها، ويقول: إنَّ الناسَ قد نقَصُوا في تركِهم التكبيرَ”[33].

ومن الأدلَّةُ على التَّكبيرِ في أيَّام التَّشريقِ:

أولًا: من الكتاب:

قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 203][34].

وجه الدلالة:

أنَّ اللهَ تعالى قد أمَرَ بذِكره في الأيَّام المعدوداتِ، وهي أيَّامُ التَّشريقِ، والتَّكبيرُ من ذِكرِه تعالى؛ وعليه يمتدُّ وقتُ التكبيرِ في جميعِ أيَّامِ التشريقِ إلى غروبِ شمسِ آخِرِ يومٍ منها[35].

ثانيًا: من السُّنَّة:

عن نُبَيشَةَ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ وذِكرٍ للهِ”[36].

وجه الدلالة:

قوله: “وذِكْرٍ للهِ” فأطلق، ولم يُقيِّدْه بأدبارِ الصَّلواتِ، والتكبيرُ مِن ذِكرِ اللهِ، ويمتدُّ وقتُه إلى غروبِ الشَّمسِ من آخِرِ يومٍ من أيَّامِ التَّشريقِ[37].

ثالثًا: مِن الآثار:

عن عُمرَ رضي الله عنه: “أنَّه كان يُكبِّرُ في قُبَّته بمنًى، فيَسمَعُه أهلُ المسجدِ، فيُكبِّرونَ فيُكبِّر أهلُ الأسواقِ، حتى ترتجَّ منًى تكبيرًا”[38].

وعن ابنِ عُمر رضي الله عنهما “أنَّه كان يُكبِّرُ بمنًى تلك الأيَّامَ، وخَلْفَ الصَّلواتِ، وعلى فِراشِه، وفي فُسطاطِه ومجلسِه، وممشاه تلك الأيَّامَ جميعًا”[39].

وجه الدلالة:

أنَّ ابنَ عُمرَ كان تَكبيرُه أيَّامَ منًى، أي: أيَّامَ التَّشريقِ[40].

المسألة الثَّانية: وقتُ التَّكبيرِ المُقيَّدِ في عِيدِ الأَضحى:

يَبتدِئُ التكبيرُ المقيَّدُ[41] مِن صلاةِ فَجرِ يومِ عَرفةَ إلى عَصرِ آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ، أي: اليومِ الثَّالِثَ عَشرَ، وهذا مذهبُ الحنابلةِ[42]، وقولُ أبي يُوسُفَ ومحمَّد بنِ الحسنِ من الحنفيَّة[43]، وقولٌ للشافعيَّة[44]، وقالتْ به طائفةٌ من السَّلفِ[45]، واختارَه ابنُ المنذرِ[46]، والنوويُّ[47]، وابنُ تيميَّة[48]، وابنُ حجرٍ[49]، وابنُ باز[50]، وابنُ عثيمين[51]، وبه أفتتِ اللَّجنة الدَّائمة[52]، وحُكِي الإجماعُ على ذلك[53].

الأدلَّة:

أولًا: من الكتاب

قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 203][54].

وجه الدلالة:

أنَّ الأيَّامَ المعدوداتِ هي أيَّامُ التَّشريقِ، فتَعيَّن الذِّكرُ في جَميعِها[55].

ثانيًا: من الآثار[56]:

عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه: “أنَّه كان يُكبِّر دُبرَ صلاةِ الغداةِ من يومِ عَرفةَ إلى صلاةِ العصرِ مِن آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ”[57].

عن عليٍّ رضي الله عنه: “أنَّه كان يُكبِّرُ من صلاةِ الفجرِ يومَ عَرفةَ، إلى صَلاةِ العَصرِ مِن آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ”[58].

عنِ الأَسودِ، قال: “كانَ عبدُاللهِ بنُ مَسعودٍ، يُكبِّر من صلاةِ الفَجرِ يومَ عَرفةَ، إلى صلاةِ العصرِ من النَّحرِ؛ يقول: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا الله، واللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، ولله الحمدُ”[59].

عن ابنِ عبَّاسٍ – رضي الله عنهما – : “أنَّه كان يُكبِّرُ من غَداةِ عَرفةَ إلى صَلاةِ العَصرِ من آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ”[60].

ثانيًا: أنَّ ذلك عليه عَملُ النَّاسِ في الأمصارِ[61].

ثالثًا: أنَّ التَّكبيرَ لتعظيمِ الوقتِ الذي شُرِعَ فيه المناسكُ، وأوَّلُه يومُ عَرفةَ؛ إذ فيه يُقامُ أعظمُ أركانِ الحجِّ، وهو الوقوفُ[62].

رابعًا: أنَّها أيَّام رمْيٍ؛ فكان التكبيرُ في جميعِها كيومِ النَّحرِ[63].

المطلب الثَّالث: ألفاظ التكبير وصفته:

الفرع الأول: صيغةُ التكبيرِ في العيدِ

لا تَلزَمُ صيغةٌ معيَّنةٌ للتكبيرِ[64]؛ فالأمرُ فيه واسعٌ، وهذا مذهبُ مالكٍ[65]، وروايةٌ عن أحمدَ[66]، وهو قول ابنُ تيميَّة[67]، والصنعانيُّ[68]، والشوكانيُّ[69]، وابنُ باز[70]، وابنُ عُثيمين[71].

واستدلوا على هذا بالأدلة الآتية:

أولاً: من الكِتابِ:

قال تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ [الحج: 28][72].

قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 203][73].

وجه الدلالة:

أنَّه أَطلَقَ الأمرَ بذِكرِ اللهِ تعالى، ولم يُقيِّدْه بصيغةٍ معيَّنةٍ؛ فكيفما كبَّر فقَدِ امتثلَ الأمرَ[74].

ثانيًا: أنَّ المسألةَ ليس فيها نصٌّ يَفصِلُ بين المتنازِعِينَ من أهل العِلم، وإذا كان كذلك فالأمرُ فيه سَعةٌ[75].

ثالثًا: أنَّ تعدُّدَ صِيَغِ التَّكبيرِ الواردةِ عن السَّلَفِ يَدلُّ على التوسعةِ[76].

الفرع الثاني: أفضلُ صِيَغِ التَّكبيرِ:

الأَفضلُ أنْ يُكبِّرَ قائلًا: اللهُ أكبر اللهُ أكبر، لا إلهَ إلَّا الله، واللهُ أكبر اللهُ أكبر، ولله الحَمْد، وهو مذهبُ الحنفيَّة[77]، والحنابلة[78]، وقولُ الشافعيِّ القديم[79]، وبه قال طائفةٌ من السَّلَف[80].

ومن الأدلة على ذلك:

أولًا: من الآثار:

1 – عن شَريكٍ، قال: قلتُ لأبي إسحاقَ: كيف كان يُكبِّر عليٌّ وعبدُاللهِ بنُ مسعودٍ؟ قال: (كانا يقولان: اللهُ أكبر اللهُ أكبر، لا إلهَ إلَّا الله، واللهُ أكبر اللهُ أكبر، ولله الحَمْد”[81].

2 – عن عبدِاللهِ بنِ مسعودٍ: (أنَّه كان يُكبِّرُ أيَّامَ التَّشريقِ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا الله، واللهُ أكبر اللهُ أكبر، ولله الحَمد[82].

ثانيًا: أنَّه الأمرُ المشهورُ والمتوارَثُ من الأمَّة[83].

ثالثًا: أنَّه أجمعُ؛ لاشتمالِه على التكبيرِ، والتَّهليل، والتَّحميد؛ فكان أَوْلى[84].

رابعًا: أنَّه شبيهٌ بصِيغة الأذان؛ فكان أَوْلى لتعلُّقِ الذِّكرِ بالصَّلاةِ، ولأنَّه في الأعيادِ التي يُجتمَعُ فيها اجتماعًا عامًّا، كما أنَّ الأذانِ لاجتماعِ النَّاسِ[85].

الفرع الثالث: الجهرُ بالتَّكبيرِ:

يُسنُّ الجهرُ بالتكبيرِ للرِّجالِ، وهذا مذهبُ جمهورِ العلماءِ من المالكيَّة[86]، والشافعيَّة[87]، والحنابلة[88]، وهو روايةٌ عن أبي حَنيفةَ[89]، وقال به من الحنفيَّةِ أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن[90]، والطحاويُّ[91].

ومن الأدلَّة على ذلك:

أولًا: من السُّنَّة:

عن أمِّ عَطيَّةَ رضي الله عنها، قالت: “كنَّا نُؤمَر أنْ نَخرُجَ يومَ العيدِ، حتى نُخرِجَ البكرَ مِن خِدْرِها، وحتَّى نُخرِجَ الحُيَّضَ، فيكنَّ خلْفَ الناسِ، فيُكبِّرْنَ بتكبيرِهم، ويَدْعون بدُعائِهم، يرجونَ بَركةَ ذلِك اليومِ وطُهرتَه”[92].

وجه الدلالة:

أنَّه لولا إظهارُ التكبيرِ من الرِّجالِ، لَمَا كبَّر النساءُ خَلفَهم بتكبيرِهم[93].

ثانيًا: من الآثار:

كان ابنُ عُمرَ وأبو هُرَيرَة يَخرُجانِ إلى السوقِ في أيَّامِ العشرِ يُكبِّرانِ، ويُكبِّر الناسُ بتكبيرِهما[94].

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *