الرئيسية / مـنـوعـات / منافع الحج .. للناس جميعا

منافع الحج .. للناس جميعا

منافع الحج .. للناس جميعا

أ. د. محمد المختار محمد المهدي

جواباً على سؤال: يقول تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97]، المعروف عن الحج أنه الركن الخامس من أركان الإسلام، فكيف يطلب الله عز وجل من جميع الناس أن يحجوا إذا استطاعوا، والناس منهم المسلمون وغير المسلمين؟

يقول الدكتور المهدي: قبل أن يخلق الله الناس وضع لهم في الأرض بيتًا يعبدونه فيه حتى لا ينسوا مهمتهم في تلك الحياة، وهذه المهمة هي مضمون قَالَ تَعَالَى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، وكان هذا البيت الذي وضع للخلق قبل أن يسكنوا الأرض هو البيت الحرام بمكة المكرمة، فلذلك منطوق قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96]، واستمر هذا البيت على مدى التاريخ الإنساني مقدسًا يحج إليه عباد الله ويحج إليه المرسلون حتى تهدم واختفت معالمه، فهدى الله شيخ المرسلين إبراهيم الخليل عليه السلام إلى قواعده فرفعها وعمره وطهره كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [الحج: 26، 27]، والملاحظ في التعبيرات القرآنية عن شعائر الحج وعن الكعبة والبيت الحرام، أن المخاطب بتقديسها هم الناس جميعًا، وأن نفعها عام للناس جميعًا، فهو قد وضع للناس، وإبراهيم قد أذن في الناس، والحج مفروض على الناس، والكعبة قيام للناس في إصلاح أمورهم واستقامة فطرهم كما قَالَ تَعَالَى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ [المائدة: 97]، وهو الأمان والموئل لكل الناس، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾ [البقرة: 125]، والدلالة الواضحة في هذا التعبير المتكرر أن الناس جميعًا مدينون لله في زيارة هذا البيت والحج إليه، كما هم مدينون في عبوديته وتوحيده والخضوع له فالمفروض أن لا يضيّعوا هذه الفرصة وأن يسرعوا بالدخول في دين الله ليتاح لهم الحج إليه.

ونلمح في ذلك رفعًا بشأن الحج واهتمامًا به كاهتمام الطلب بالعبادة والإيمان، ذلك أن للحج أسرارًا روحية تؤكد صلة العبد بربة، وتمنحه شفافية تبرز فطرته النقية، وصفاءه النفسي، فيعود إلى طبيعته باختياره عبدًا لله يلهج لسانه بذكر الله، ويتعلق قلبه بحبل الله، وتسبح روحه في جلال التقديس والتسبيح لله مع كل الكائنات، فهو سبحانه وتعالى ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44]، فيتحول الكون كله إلى مهرجان تتناغم فيه التسبيحات، وتتكامل فيه الطاقات، وتتنزل عليه الرحمات، ويتذكّر فيه كل إنسان مصيره، وأنه سيترك زينة الدنيا ويُحشر للقاء الله للحساب والجزاء قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ [الأنعام: 94].

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *