الرئيسية / مـنـوعـات / عرفة وأحكام الأضاحي والعيد

عرفة وأحكام الأضاحي والعيد

عرفة وأحكام الأضاحي والعيد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يهدِهِ الله فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهديِ هدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: لقد خلقَنا ربنا لعبادته، وبيَّن لنا الغاية مِن خَلقنا، فقال لنا خالقُنا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56]، ومن هنا ندرك في كل حركة وسكَنَةٍ أنه ينبغي أن نعبد الله -عز وجل-، وأن تكون عبادتنا له خالصة، (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل:123].

نتذكر دائما أمرَيْن: العبادة لله، والإخلاص فيها: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) [الزمر:11]، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة:5]، فالذي لا يعبد الله شقِيٌّ، والذي يعبد ويشرك في العبادة شقي آخر، (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [المائدة:72].

وفي عشر ذي الحجة الذي نعيشه، ونحن في أواخره، تتجلى لنا هذه العبادة العظيمة في هذه الأنواع من التعبدات لله -عز وجل-، يتجلى لنا التوحيد فيها، ومنها هذا التهليل والتحميد والتكبير، ولقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من الأعمال في هذه الأيام، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد”.

فالتهليل: لا إله إلا الله؛ بها يدخل الكافر الإسلامَ مفتاحَ الجنة، (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) [محمد:19]، (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:255، آل عمران:2]، (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) [آل عمران:18].

وهي أعظم ذكر يقوله الحاج في عرفة مع التلبية التي هي توحيد أيضا: “خير الدعاء دعاء يوم -عرفة-، وخير ما قلتُ والنبيين من قَبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”.

وهذا الحديث عام لأهل عرفة من الحجاج ولغيرهم من إخوانهم في البلدان، فإنهم يهللون كثيرا في هذا اليوم، يطلبون من الله ويخلصون الطلب بهذا التهليل: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير”. هذا ما ينبغي أن نفعله غدا في عرفة من الإكثار من هذا الذكر، مع دعاء الله تعالى.

والتحميد توحيد أيضا، الحمد لله اعترافا بالفضل والإنعام له -عز وجل-، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) [الأعراف:43]، فهو دعوة في الجنة، وهو الذي أثنى فيه المؤمنون على ربهم لمــّا نجاهم، فقال ربنا لنوح ومن معه: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [المؤمنون:28]، وهو تحية أهل الجنة: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [يونس:10]، وكذلك إذا دخلوها يقولون: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [الزمر:74].

أفضل الذكر: “لا إله إلا الله”، وأفضل الدعاء: “الحمد لله”، وهذا التكبير الذي نملأ به عشرنا من التوحيد أيضا: “الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا”.

وربنا -عز وجل- قد ذكر لنا أنه يشرف الذاكرين، ويرفع مقدارهم عنده: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152]، “ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه”.

ما عمل امرؤ عملاً أنجي له من عذاب الله -عز وجل- من ذكر الله: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) [الأحزاب:35]، هذا التكبير في عشرنا له شأن عظيم، فهو تكبير مطلق طيلة هذه العشر، في كل مكان، في المحلات والأسواق، في المكاتب في الشركات والمؤسسات، في الشوارع والطرقات، في المعاهد والكليات، وكذلك في المساجد والبيوت.

هذا التكبير المطلق يمتد إلى آخر أيام التشريق، الإكثار من التكبير شعار الأيام المعلومات والمعدودات، المعلومات عشر ذي الحجة الأوائل، والمعدودات أيام التشريق بعدهن: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [الحج:28]، وكذلك أمر ربنا في الأيام المعدودات.

وأما التكبير المقيد للحاج يبدأ من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق بصلاة العصر، في يوم الثالث عشر من ذي الحجة، كانت منى عنده ترتد تكبيراً.

ولأهل البلدان يبدأ التكبير المقيد من بعد صلاة الفجر من يوم غدٍ، عرفة، ويمتد إلى عصر يوم الثالث عشر من ذي الحجة، فهي آخر صلاة يكبّر بعدها المسلمون التكبير المقيد بعد قولهم: أستغفر الله، اللهم أنت السلام…. يشرعون بالتكبير مباشرة.

فيشترك أهل البلدان مع الحجاج في التكبير المقيد من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر يوم الثالث عشر، ويزيد أهل البلدان من فجر يوم عرفة إلى الفجر الآخر في يوم العاشر تكبيرا مقيداً، كل ذلك توحيدا لله، وتعظيما له.

وهذه التلبية التي يقولها الحجاج أيضا توحيد لله: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك”، رداً على تلبية المشركين: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك! وهذا تناقض فاضح صارخ يدل على انه لا عقلَ للقوم.

من خلال التلبية يعلن المسلمون الطاعة المطلقة لله، وأصله من الفعل “لبا”، وعلى الأصل أن تكون “لبك” هي الخطاب من المؤمن لربه، ولكنها جاءت بلفظ التسمية: “لبيك وسعديك”، فلماذا صارت التسمية هنا؟ التسمية تكرير بلا حصر، أي: لبيك إجابة بعد إجابة، وطاعة بعد طاعة، وعزما على عبادتك بعد عزم.

لبيك كقوله: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الملك:4]، المقصود التكرار بلا حصر، فاختصروا بالتسمية تعداد ذكر الاسم تعدادا مشيرا إلى التكفير، والمقصود: لبيك مرارا وتكرارا.

فهذه التلبية تدل على التوحيد والإخلاص؛ ليستشعر العبدُ معناها: “ما مِن مُسْلِمٍ يُلَبِّي إلا لبى مَن عن يمينه أو عن شماله من حجرٍ أو شجرٍ أو مدَرٍ، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا”.

وكذلك فإننا نجد في الأذكار توحيدا عظيما، وأيضا ما يفعله الحُجاج عند الطواف والسعي وعرفة والرمي والنحر، وكذلك ما يذبح لله -عز وجل- من الهدايا والضحايا، ارتباط الذبح بالتوحيد ارتباط عظيم: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:2]، أي: وانحر لربك أيضا.

لقد كانت عبادة الذبح وتقديم القرابين في الجاهلية للأصنام، وموجودة في الديانات الأخرى شرِكا مع الله، وكان للمشركين نُصُب، كما قال ربنا في بيان المحرمات من الذبائح: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) [المائدة:3]، والنصب حجارة منصوبة كانوا يعبدونها من دون الله ويذبحون عندها.

وهكذا الهندوس الذين يقولون بتعدد الآلهة، ويعبدون آلهة الطبيعة كالماء والهواء والأنهار والجبال، يتقربون لآلهتهم بالعبادة والقرابين.

وكذلك كونفشيوس في الصين، دياناتهم فيها عبادة إله السماء، وعبادة أرواح الآباء والأجداد، ويقدِّمون لها الذبائح والقرابين.

وكانت العرب في الجاهلية إذا ذبحت أو نحَرَت للصنم صاحوا باسم الصنم عند الذبح فقالوا: باسم اللات، باسم العزى، ونحو ذلك… وكان نداء المعبودات عند الذبح عادة عند اليونان.

كان لقريش أصنام كأساف ونائلة، واحد ملتصق بالكعبة والآخر في موضع زمزم، ينحرون ويذبحون عندها، والله تعالى قال لنا في المحرمات: (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) [المائدة:3].

وقال ربنا: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأحقاف:28].

وكذلك قال عن كفَرة أهل الكتاب: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران:183].

القربان كان في شرائع من قبلنا لله -عز وجل-، وهو في شريعتنا كذلك، القربان معروف من شريعة آدم -عليه السلام-، وفي قصة ابنيه: (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ) [المائدة:27].

إذاً، فالذبح لله كان في كل شريعة سماوية أنزلها الله، كان عبادة معروفة، عبادة قديمة جدا في البشر، معنى ذلك أن لهذا -أي: الذبح لله- مكانة خاصة عند الله، فما من شريعة أنزلها ربنا، ولا رسول بعَثَه، إلا وفي دين ذلك الرسول ذبح لله.

الذبح على اسم الله شكر لنعمة هذه الأضحية التي تذبحها أنت يا عبد الله، شكر نعمة، بهيمة الأنعام طعام البشر، ولا مقارنة بين نسبة هذه اللحوم إلى اللحوم الأخرى كالأرانب والغزلان ونحوها من الحيوانات من بهيمة الأنعام غير الطير الذي أنعم الله به.

أما هذه الحيوانات فإن بهيمة الأنعام هذه الأنواع الثلاثة، هو أكثر ما يتغذى عليه البشر من لحوم الحيوان، توحيداً لله، ولذلك كان المخالف ملعونا، لعَنَ اللهُ مَن ذبح لغير الله.

ويقول أبو عثمان النهدي: دخلتُ على ابنِ مسعودٍ -رضي الله عنه- وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: لا يبلغ عبدٌ كُفْرَاً ولا شركا حتى يذبح لغير الله، أو يُصَلِّي لغيره.

وقال ربنا: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [الأنعام:121]، فإذن، هذا دين التوحيد، فيه صلاة لله، وذبح لله، كما قال ربنا: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي)، يعني ذبحي، نسك نسيكة: ذبح ذبيحة، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162].

ومن هنا نعلم لماذا اهتم العلماء بأحكام الهدايا والضحايا اهتماما عظيما، فجعلوا لها أبوابا في كتب الفقه كبيرة، واهتموا بمسائلها وتشريعاتها وأحكامها، بل أفردت لها المصنفات في أحكام الذبح والزكاة وأحكام الأضحية والهدي وغيرها من القرابين كالعقيقة والنقيعة، وكذلك ذبائح الفدية والكفارة ونحوها.

عباد الله: إن صيام يوم عرفة توحيد لله أيضا، فإن الصيامَ إمساكٌ عن الطعام والشراب لله رب العالمين، وإن أجره عظيم، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، فيوم واحد صيامه يكفر سنتين، يوم واحد تمتنع عن الطعام والشراب في نفسه، الآن مع اعتدال الجو فيه توحيد لله رب العالمين، يكفر اللهُ لك به ذنوب سنة ماضية وسنة آتية.

وكذلك فإن هذه الذنوب عند أكثر أهل العلم المقصود منها الصغائر التي يقع عليها التكفير، فينبغي للعبد أن يتذكر الكبائر بتوبة خاصة، وإذا كفرت صغائره بأسباب أخرى يجرى تخفيف الكبائر، فإن لم يكن عليه كبائر رفع بها درجات، كما قال أهل العلم.

لكن؛ مَن الذي مِنا يخلو من الصغائر، بل الكبائر؟! ولذلك نحن بأمَسِّ الحاجة إلى المكفِّرات، فعندنا ذنوب كثيرة تحتاج إلى مَن يمحوها، وإن سيئاتنا المتوالية تحتاج إلى ما يكفرها.

عباد الله: هذا اليوم العظيم الذي يوافق في هذه السنة يوم السبت لا يضر إفراده بالصوم، فإن النهي عن صيام يوم السبت لم يثبت، فقال بعض أهل العلم إنه شاذ منكر؛ لمخالفته للأحاديث الصحيحة الأخرى، كسؤاله -عليه الصلاة والسلام- لأم المؤمنين لما أرادت أن تصوم الجمعة: “هل صمتِ يوماً قبله؟ وهل تريدين أن تصومي يوماً بعده؟” ومعلوم أن بعد الجمعة السبت.

ومن صحح الحديث من العلماء قال بأن يوم السبت إذا وافق صوما فاضلاً كعرفة وعاشوراء فلا يدخل في الحديث، يعني في النهي؛ لأن مقصود الصائم عرفة وليس السبت، ومنهم مَن قال: إذا وافَق عادة له أيضا فلا يدخل في النهي، كمَن يصوم يوما ويُفطر يوما، ومعلوم أن هذا أفضل الصيام، وهو صيام داود.

فلو وافق فطرُه مثلا يوم الأربعاء وصام الخميس وأفطر الجمعة فإنه سيصوم السبت ويفطر الأحد، وهكذا ترى أن صوم السبت داخل في صوم داود لمــَن وافق هذه العادة من صيامه يوم السبت فلا حرج فيه.

ومنهم مَن قال: لا يفرد، فيضاف إليه ما قبله أو ما بعده، ومعلوم أنه لا يمكن أن يصوم بعده إذا وافق عرفة يوم السبت، فإن صيام العيد حرام، وكذلك أيام التشريق لا يجوز صومها، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: “أيام التشريق أيام أكل وشكر وذكر لله -عز وجل-“.

اللهم تقبل منا، وتب علينا، واغفر لنا ذنوبنا، وفقهنا في ديننا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجمع كلمتنا على الحق يا رب العالمين، وارزقنا التوحيد في المحيا والممات يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أشهد أنه رسول الله حقا، والداعي إلى سبيله صدقا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعن أزواجه وذريته الطيبين، وخلفائه الميامين، صلى الله وسلم وبارك عليهم إلى يوم الدين.

عباد الله: هذه الأضحية، العبادة العظيمة التي هي سنة الخليل لما فدى الله ولده بذِبْحٍ عظيم، وقال لنا ربنا: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ) [الممتحنة:4].

تقربا إلى الله -عز وجل-، واقتداء بنينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي ضحى عشر سنوات في المدينة، إلا السنة العاشرة فقد كان في مكة.

هذه الأضحية التي هي سنة المسلمين كما قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: “مَن ضحَّى قبل الصلاة فقد ذبح لنفسه، ومَن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين”.

فقوله: سنة المسلمين يدل على أهميتها، ومَن ضحّى في الوقت الشرعي فقد أصابها، ويجوز أن يذبح بعد صلاة العيد، والأفضل بعد الخطبتين، فهكذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم خطب ثم ذبح.

هذه الشعيرة العظيمة التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلنها عندما يخرج بأضحيته إلى المصلى ليذبحها هناك بعد الخطبتين؛ إظهارا لهذه الشعيرة أمام الناس؛ ولذلك فإن ذبح الأضحية أفضل بكثيرة من الصدقة بثمنها، أنهار الدم هنا أفضل بكثير من توزيع مال.

وقد ذكر الله هذه العبادة في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:2]، أي: وانحر لربك، وربنا قال: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى) [الحج:37]، فإذاً؛ فالأضحية هي التقوى، تقرب إلى الله، ومَن استطاع أن يذبحها فليفعل، فإن فيها سرورا وتوسعة على الأهل، وشكرا لنعمة الله، (كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الحج:37]، وتنفيذا للعبادة العظيمة (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، وإذا ذبحها بيده فهو أفضل، وإذا لم يفعل حضر ذبحها، فإذا لم يفعل فلا بأس عليه.

قال ربنا: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) [الحج:34]، فذكر الله عليها عبادة عظيمة تزيد الإيمان، هذا المنظر المهيب، ذكر اسم الله والتكبير عند الذبح، قال ربنا: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) [الحج:36].

والأكل منها عبادة أيضا، كما قال ربنا: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الحج:36]، فالأكل منها بركة، ليس كالأكل من أي ذبيحة، أو أي طعام آخر.

ولما فقد أهل الأوطان الذهاب إلى الحرم وذبح الهدي هناك جعل لهم ربنا ما يقيم به شعائره حتى في بلدانهم، وشرع لهم مشابهة الحجاج في شيء من أحكام إحرامهم، فقيل لهم: مَن أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره وبشرته حتى يضحي، فهذا مما كرم الله به المــُضَحِّين مِن مشابهة الحجاج في بعض أحكام إحرامهم، ذهبوا وقعدنا؛ ولذا فإنَّ من تسلية القاعدين هذه الأضحية وهذه الأحكام.

الأضحية من أمارات التوحيد: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:162]، وأيضا فإن هذه العبادة العظيمة التي تكفي فيها الذبيحة الواحدة عن الرجل وأهل بيته، هذه الأضحية العظيمة التي فيها التوسعة على أهل البيت وصلة الرحم والجيران والأقارب، وكذلك الإخوان في الله والأصدقاء بالإهداء منها، والفقراء بالصدقة عليهم؛ فإنهم قليلا ما يأكلون اللحم؛ لأنهم لا يملكون ثمنه، فجعل الله لهم في هذا اليوم لحما كثيرا يُتَصَدَّقُ به عليهم، حتى لا ينسى الأغنياء الفقراء من الطعام الرفيع الذي لا يستطيعون تحصيله في كثير من أيام العام.

أيها المسلمون: عباد الله: وإن من شعائر ديننا صلاة عيد الأضحى، وسوف تكون في هذا المسجد إن شاء الله صبيحة يوم العاشر، عيد الأضحى وعيد الفطر لا ثالث لهما رغم أنف من يريد التشبه بالكفار، فلا عيد لنا إلا في هذين اليومين.

ولذلك نُهِينا عن صيامهما؛ لأن الصيام لا يتناسب مع معنى العيد فيما فيه من الطعام والشراب والتوسعة وإظهار الفرح بما أنعم الله -عز وجل- على الإنسان.

وأيام التشريق تابعة ليوم العيد لهذه التوسعة، كما قال عليه الصلاة والسلام-: “أيام التشريق أيام أكلٍ وشُربٍ وذكرٍ لله”.

والتوسعة وإظهار السرور يتناسب معهما المعنى الموجود في هذه الأضحية، ويوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق لا يصومها الحاج إلا أن يكون ليس عنده هدي وهو متمتع أو قارن؛ فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج -غير يوم العيد- وسبعة إذا رجع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: جمْع الناس للطعام في العيدين وأيام التشريق سُنة، وهو من شعائر الإسلام التي سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وأيضا فإن التجمل فيه سنة، كما عرض عمر -رضي الله عنه- أن يعطي الجبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليتجمل بها للعيد والوفود.

وتخصيص ليلة العيد بشيء من العبادات ليس من السنة؛ بل هو بدعة، فالقيام فيها كالقيام في غيرها.

وبعض الناس يسأل عن حكم التعريف، فهو الاستماع في المساجد الكبار يوم عرفة دعاء جماعياً، فهذا ليس من السنة في شيء، وإنما التعريف هو اجتماع يوم عرفة بعرفة، وهم الحجاج.

وصلاةُ العيدِ سُنةٌ مؤكدة، وقال بعض العلماء بوجوبها، كأبي حنيفة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم من أهل العلم.

قال الشوكاني -رحمه الله-: من الأدلة على وجوبها وجوبا مؤكد أنها مُسْقِطَة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد، وما ليس بواجب لا يُسْقِطُ ما كان واجبا.

والنبي -صلى لله عليه وسلم- قد أمر النساء بالخروج للعيد، وأمر من لم يكن عندها جلباب أن تُلبسها أختها من جلبابها، تستعير، والأمر بالحضور حتى لو تستعير يدل على أهمية هذا الحضور، وعندما يؤكد عليه حتى للحُيَّض من النساء فإن ذلك يعني بأن صلاة العيد لها موقع خاص في الدين.

ولذلك ذهب مَن ذهب من أهل العلم إلى وجوبها على الرجال والنساء، وهي رواية عن أحمد، ومذهب بعض المالكية، واختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، وغيرهم من أهل العلم.

والسنة في صلاة العيد أنها تقام في المدن والقرى لا البوادي ولا في طريق السفر؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه.

وأهل البادية يذبحون بعدما يعرفون أن أهل البلد القريبين قد صلوا صلاة الأضحى، ومن فاتته صلاة العيد يُسْتَحَبُّ له أن يقضيها على صفتها. كذلك فإن من فاتته بعض التكبيرات مع الإمام لا يجب عليه قضاؤها؛ لأنها سنة فات موضعها. ليس هناك أذان ولا إقامة في صلاة العيد، ومن حضر فلا يلهو ولا يشوش على غيره.

عباد الله : يبقى شعارنا الذي لا ننساه: “الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *