الرئيسية / مـنـوعـات / البدار البدار لاغتنام هذه العشر الأخيار

البدار البدار لاغتنام هذه العشر الأخيار

البدار البدار لاغتنام هذه العشر الأخيار
ناصر عبدالغفور

قال الله جلَّ في علاه: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾ [القصص: 68]، فهو سبحانه يَصطفي ما يَشاء ويختار، وله تعالى كامِل الاقتدار؛ ففضَّلَ بعضَ الأشخاص على بعض، وبعضَ الأمكِنة على بعضٍ، وفضَّل بعضَ الأزمنة على بعض…، وإنَّ ممَّا فضَّل جلَّ شأنُه واختار عشرَ ذي الحجَّة المفضال، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((ما العملُ في أيَّامٍ أفضل منها في هذه)) – أي: عشر ذي الحجَّة – قالوا: ولا الجهادُ؟ قال: ((ولا الجهادُ إلاَّ رجُلٌ خرج يُخاطِرُ بنفسه ومالِه فلم يَرجع بشيءٍ))؛ رواه الإمام البخاري.

وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: ((أفضل أيَّام الدنيا العشر)) – يعني: عشر ذي الحجة – قيل: ولا مثلهنَّ في سبيل الله؟ قال: ((ولا مثلهنَّ في سبيل الله، إلاَّ رجل عفَّر وجهه بالتراب))؛ رواه البزَّار وغيره، وصححه العلامة الألباني.

فعلى العاقِل أن يستشعر عِظمَ شأن هذه الأيام ويتدبَّر، وفي منزلتهنَّ عند الله يتفكَّر، تصوَّر أخي: أن يخرج رجلٌ للجهاد في سبيل الله – وقد علمتَ منزلة الجهاد؛ فهو كما أَخبر الصادقُ المصدوق: ((ذروة سَنَامِ الإسلام)) – فيقاتِل حتى يُقتل؛ بل حتَّى يعفر وجهه في التراب، ويَفقد كلَّ شيء، بل يَفقد نفسَه وروحه – تصوَّر أنَّ عملك الصَّالح في هذه العشر أَفضل وأحبُّ إلى الله وأعظم أجرًا من هذا الذي جاهد بنفسه حتى قُتل في سبيله سبحانه.

وأما السرُّ في فضِيلة هذه الأيام وشرفهنَّ وعلوِّ قدرهنَّ، فهو اجتماع أُصول العبادات فيهنَّ؛ كما أشار إليه الحافظ رحمه الله تعالى في “الفتح”؛ حيث قال: “والذي يَظهر أنَّ السبب في امتياز عَشر ذي الحجَّة لمكان اجتماعِ أمَّهات العبادة فيه؛ وهي الصَّلاة والصيام، والصَّدقة والحج، ولا يتأتَّى ذلك في غيره” اهـ.

فالبدارَ البدار لاستغلال هذه الأيام، فوالله إنَّها الغنيمة الكُبرى، لمن رَام الفوزَ بأعظم بُشرى، فكُن أخي – أختي – في الرَّكب المبارَك والزُّمرة السعيدة التي توفَّق لاغتنام هذه الأيام، والمتاجَرة فيهنَّ تجارة لن تَبور؛ بل رِبحها مَضمون عند العزيز الغَفور، والمغبون حقًّا من خَسر هذه الأيام، ومرَّت عليه كسائر الأيَّام؛ في غفلةٍ ولهوٍ واتِّباعٍ للنَّفس والشيطان.

والأعمال الصَّالحة التي تُستثمَر فيها هذه الأيام كثيرة، لكن حاول أخي – أختي – أن تَجمع بينها ما استطعتَ إلى ذلك سبيلاً:
1 – أكثِر من الصيام فيهنَّ؛ فإنَّه لا عِدْلَ له، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، مُرني بعملٍ، قال: ((عليك بالصَّوم؛ فإنَّه لا عِدْل له))، وفي رواية: قلتُ: يا رسولَ الله، دلَّني على عملٍ أدخل به الجنَّة، قال: ((عليك بالصَّوم؛ فإنَّه لا مِثل له))؛ صحيح الترغيب والترهيب.

2 – واظِب على الرَّواتب القَبليَّة والبَعديَّة، فعن عن أمِّ حبيبة قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبدٍ مسلِم يصلِّي لله كلَّ يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فرِيضة، إلاَّ بنى الله له بيتًا في الجنَّة، أو إلاَّ بُنِيَ له بيتٌ في الجنَّة))؛ رواه مسلم.

3 – أكثِر من النَّوافِل والسجود للواحِد القهَّار، ربِّ السموات والأرض العزيزِ الغفَّار؛ فإنَّه ((أقرب ما يكون العبدُ من ربِّه وهو ساجِد))؛ رواه مسلم.

وعن ثوبان رضي الله عنه أنَّه سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن عملٍ يُدخله اللهُ به الجنَّة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((عليك بكثرةِ السُّجود لله؛ فإنَّك لا تسجد لله سَجدة إلاَّ رفعك الله بها دَرجة، وحطَّ عنك بها خطيئة))؛ رواه مسلم.

وأخصُّ بالذِّكر قيامَ الليل؛ فإنَّه كما قال صلى الله عليه وسلم: ((دَأب الصَّالحين قبلكَم، وهو قُربةٌ إلى ربِّكم، ومَكفَرة للسيِّئات، ومَنهاة عن الإثم))؛ رواه الترمذيُّ، وصححه الألباني.

وفي حديثِ ((من عادَى لي وليًّا))، يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((وما يَزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتى أحبه))؛ رواه البخاري.

4 – أكثِر من تِلاوة القرآن، وحاول أن تكون لك خَتمة تامَّة في هذه العَشر المبارَكات على الأقل، اقرأ ما بين ستة وسبعة أحزابٍ في اليوم، وستختم القرآنَ ختمةً تكون لك ذخرًا عند ربِّك تنفعك يومَ لا ينفع مالٌ ولا بَنون إلاَّ مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليم.

ولا يَخفى عليك أخي أجرَ قِراءة القرآن وثوابه العَظيم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قرأ حرفًا مِن كتاب الله، فله به حسَنة، والحسنة بعَشر أمثالها، لا أقول: ﴿ الم ﴾ [البقرة: 1] حرف؛ ولكن: ألفٌ حَرف، ولام حرف، وميم حرف))؛ رواه الترمذيُّ، وصحَّحه الألباني.

5 – أكثِر من الذِّكر، سواء المقيَّد بالمناسبات والأحوال أو المطلَق، حاول أن يكون لسانك رطبًا بذكره تعالى، فعن أبي الدَّرداء أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أنبِّئكم بخير أَعمالكم، وأزكاها عند مَلِيككم، وأَرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إِنفاق الذَّهب والورِق، وخيرٌ لكم من أن تَلقَوا عدوَّكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقكم؟ ذكر الله))؛ متفق عليه.

6 – جُد وتصدَّق، وإيَّاك والشحَّ، أنفِق ما استطعتَ ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو بالتصدُّق بشقِّ تَمرة، فقد تكون سببًا لدخولك الجنان، والنجاة من النِّيران، والفوز برِضا الرحمن، ولعلَّه أخي لا يَخفى عليك فَضلُ الصَّدقة وما ورد فيها من الآيات والآثارِ، التي تبيِّن فضلَها عند الملك الغفَّار؛ من ذلك قولُه تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((من تصدَّق بعدل تَمرَة من كَسبٍ طيِّب – ولا يَقبل الله إلاَّ الطيِّب – فإنَّ اللهَ يقبلها بيمينِه، ثمَّ يُرَبِّيها لصاحبها كما يربِّي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل))؛ متفق عليه.

وهناك أعمالٌ أخرى كثيرة، منها: صِلَة الأرحام، والجلوس في المسجد بعد الصَّلوات، والمساهمَة في قضاء الحاجات…

وختامًا:
أسأل اللهَ تعالى بأسمائه الحسنى وصفاتِه العلى أن نكون ممَّن كُتب عنده سبحانه من الموفَّقين لاغتنام هذه الأيَّام واستغلالها بما يُرضي الرحمن بصالح الأعمال، إنَّه سميعٌ مُجيب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *