الرئيسية / مـنـوعـات / عشر ذي الحجة: شرفها وما ينبغي فيها

عشر ذي الحجة: شرفها وما ينبغي فيها

عشر ذي الحجة: شرفها وما ينبغي فيها

الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر

الحمد لله على هداه، والشكر له سبحانه على سابغ نعماه، وأسأله سبحانه للجميع التوفيق لكل قولٍ سديد، وعملٍ صالح وخلقٍ حسن، والعصمة من الشرور ومكائد الأعداء ومضلات الفتن.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فلا معبود بحق سواه.

وأشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله ومصطفاه، وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده في تبليغ رسالته وبيان هداه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم لقاه.

أما بعد:
فيا أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، والسعي إلى كل ما فيه محبته ورضاه، والنأي عن كل ما يسخطه ويأباه، فإن ذلكم برهان التقوى وآية الاستمساك بالعروة الوثقى، وموجب السعادة والفلاح في الدنيا والأخرى.

عباد الله: إن من فضل الله عليكم لما قضى الله بقصر أعماركم وتأخر زمانكم، أن أعطاكم بتعاقب مواسم العبادة والخير عليكم، وضاعف على العمل اليسير أجوركم، وكثر في دينكم أسباب تكفير خطاياكم، وحط أوزاركم وموجبات رفعت درجاتكم، وعلو مقامكم على الأمم ممن كان قبلكم: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21]، ﴿ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 70].

أيها المسلمون: إن من المواسم الشهيرة، ذات الأجور الكبيرة، على أعمال معتادة يسيرة، أيام عشر ذي الحجة، فأن فضلها معلوم باتفاق وهي أفضل أيام السنة على الإطلاق، تلك الأيام المعلومة التي أعلن الله تبارك وتعالى شرفها، ورفع ذكرها، وأعظم البركة والمثوبة للعاملين والمحتسبين فيها.

فبادروا موسمها بكل عمل صالح، والنأي عن القبائح، والتوبة القريبة النصوح، فإنها شأن كل عبد صالح وتلكم أمة الإسلام عناوين وموجبات المتجر الرابح، والفلاح العاجل والأجل الذي لا يناله غير أهل الإيمان والتقوى من غاد أو رائح.

أيها المسلمون: سارعوا وسابقوا في هذه الأيام المباركة، التي هي غره في جبين الزمان ومتجر أهل الإيمان، إلي أمهات الطاعات من الصلاة والزكاة وأنواع الصدقات والصيام، والقيام والإحسان والنصح لكافة أهل الإسلام، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أيام العمل الصالح فيمن أحب إلى الله من هذه العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».

عباد الله: إن أفضل ما تقربتم به إلي ربكم في هذه الأيام أداء فريضة الإسلام، ففي الحديث الصحيح: «أن الله تعالى قال: وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه».

وقد دلت أحاديث صحيحة أخرى أن الفرائض تكتمل من جنسها من النوافل، فيكمل بعضها بعضًا، ويغتفر التقصير فيها ويعظم أجرها ويتم مبارك أثرها، فأحسنوا أداء الفرائض واستكثروا من أداء النوافل، تروا من ربكم تبارك وتعالى ما تسر به النفس، وتقر به العين قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17].

أيها المؤمنون: وأما صوم يوم عرفة لمن لم يقف بعرفة، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله فيه: «أحتسب على الله عز وجل أن يكفر السنة الماضية والباقية فصوموا هذا اليوم».

وما تيسر لكم قبله من أيام تلك العشر، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «عليكم بالصوم فإنه لا مثل له»، وفي رواية قال: «لا عدل له».

أيها المؤمنون: أكثروا في تلك العشر المباركة من الذكر والدعاء والجهر بالتكبير في سائر الآناء؛ لقول نبيكم صلى الله عليه وسلم: «فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل».

ذلكم يا عباد الله؛ لأن الجهر بالتكبير في تلكم الأيام، من شعائر الإسلام، وسنة أهله التي تميزهم عن غيرهم.

معشر المؤمنين: ومن جليل ما تتقربون به إلى ربكم تبارك وتعالى في هذه الأيام، الحج والعمرة إلى بيت الله الحرام، وأداء المناسك العظام، فإن الحج والعمرة والنسك العام لأهل الإسلام، من شرائع الإسلام، وهو من الجهاد في سبيل الله، ومن أعظم خصال محو الأوزار والعتق من النار، وسعة الرزق وإغاظة الكفار فهنيئًا لأهل الإسلام.

قال تعالى: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 27 – 37].

وثبت عن نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».

وقال صلى الله عليه وسلم «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه» وأخبر صلى الله عليه وسلم: «أن الله تعالى يباهي بأهل الموقف عشية عرفة ملائكته ويقول: ما أراد هؤلاء؟ ويقول: «انصرفوا مغفورًا لكم»، وما رُأي أكثر عتيقًا من النار يوم عرفة، وكم في السنة الصحيحة من حديث فيه التنويه بشأن الحج والعمرة وبيان كرم الله تبارك وتعالى لمن أتمهما خالصًا لوجهه، وجمع فيها بين البر وترك الوزر، فما أكرم العطايا وما أجل الهبات!

أمة الإسلام: وتاج هذه الأيام يوم النحر يوم الحج الأكبر للحجاج، ويوم العيد والأضاحي لأهل الإسلام، حيث يؤدي فيه الحجاج اعمال الحج الكبار رمي جمرة العقبة والنحر والحلق أو التقصير والطواف بالبيت ويؤدي فيه المسلمون في الأمصار صلاة العيد، ويذبحون للضحايا فيشتركون في النسك والذكر وينفرد كل صنف فيما يخصه وما من عمل آدمي يوم عملا أحب إلى الله من إراقة دم.

فاستعظموا الهدي والأضاحي واستحسنوها واتقوا ما فيه نقص وطيبوا بها نفسًا، واعلموا أن أفضلها أغلاها عند أهلها وأكثرها ثمنا قال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92]، وقال سبحانه: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39].

أمة الإسلام: اغتنموا مواسم الطاعات فاستبقوا الخيرات، وتنافسوا في جليل القربات، وبادروا بالتوبة من الخطيئات قبل الممات، فإن الفرص عارضة، وإن النعم عارية، وإن باب التوبة مفتوح، وإن الله تعالى يحب التوبة النصوح، وقد ضمن السبق للمتسابقين وإن العمل لغير الله لا يدوم، وإن الشيء لغير الله لا يكون، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 197 – 203].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الهدي والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *