الرئيسية / مـنـوعـات / وقفات مع آيات الحج

وقفات مع آيات الحج

وقفات مع آيات الحج

وقفات مع آيات الحج

يقول الله- تبارك وتعالى -: (ثمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)[الحج: 29].

التفث: هو الوسخ والدرَن.

قال نفطويه: سألت أعرابيًا: ما معنى قوله: (ثم ليقضوا تفثهم) فقال: ما أفسّرُ القرآن ولكن نقول للرجل: ما أتفثك، أي: ما أدرَنَك.

قال العلماء: التَّفَث يشمل كل ما يَحْرم على المُحْرِم من قصِّ الأظفار، والأخذ من الشارب وشعر الإبط.

وأضاف بعض العلماء: ورمي الجمار والحلق، والتقصير، والذبح.

والمعنى: ثم ليكمل الحجاج ما بقي عليهم من النُّسُك، بإحلالهم وخروجهم من إحرامهم، وذلك بإزالة ما تراكم مِن الوَسَخ والأدران في أبدانهم، والتي لحقتهم بسبب التزامهم بأمور الإحرام، حيث يمكث الحاجُّ أيام الحج مُحْرِمًا لا يتطيب، ولا يأخذ شيئًا من شعره أو أظافره، فإذا ما أنهى أعمال الحج وذبح هَدْية يجوز له أنْ يقطع هذا التفث، ويزيل هذه الأدران بالتحلُّل من الإحرام، وفِعْل ما كان محظورًا عليه.

وفي الآية دلالة على أن الحلق وقص الأظافر ونحوه ينبغي أن يكون بعد النحر، كما قال – تعالى -: (ولا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)[البقرة: 196] لكن النبي – صلى الله عليه وسلم – بين أن من حلق قبل أن ينحر فلا شيء عليه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: ((اذبح ولا حرج)) رواه البخاري ومسلم.

(وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ): والنذر: أن يوجب العبد على نفسه أمرًا ليس بواجب تعظيما وقُربة لله – تعالى -.
والمعنى: وليوفوا بما أوجبوه على أنفسهم من الحج والعمرة والهدايا.
قال سفيان في قوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) أي: نذر الحج، فكل من دخل الحج فعليه من العمل فيه: الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، على ما أمروا به.

وآخر المناسك هو الطواف بالبيت، فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت.

وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض.
ولذلك قال – تعالى -: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) والعتيق القديم، والمراد هنا: الكعبة، أفضل المساجد على الإطلاق، وأحب البقاع إلى الله.
وهو قديم؛ لأنه أول بيت وُضِع للناس: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)[آل عمران: 96]

والقِدَم هنا صفة مدح؛ لأنها تعني الشيء الثمين الذي يُحافظ عليه ويُهتَم به.

والعتيق أيضاً الشيء الجميل الحسن، وكذلك هو -البيت- غالٍ ونفيس ونادر حيث نرى فيه مَا لا نراه في غيره من آيات بينات: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)[آل عمران: 97].

إضافة إلى ما تميز به من فضل الطواف به وما يترتب عليه من الأجور ومغفرة الذنوب، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة)) رواه أحمد وصححه الألباني.

والعتيق كذلك المحرر غير المملوك للناس، المعتوق من السيطرة والعبودية لغير الله، كما وأنه لا مُلْك لأحد عليه، لأن الله حفظه من اعتداءِ وتسلط الجبابرة.

قال مجاهد: لم يُرِده أحد بسوء إلا هلك.
ألاَ ترى إلى قصة الفيل، وما فعله الله بأبرهة حين أراد هَدْم البيت؟
حتى الفيل الذي كان يتقدَّم هذا الجيش أدرك أن هذا اعتداءٌ على بيت الله، فتراجع عن البيت، وأخذ يتوجَّه إلى كل الجهات التي أرادوا إلا ناحية الكعبة.
ويُقال: إن رجلًا تقدّم إلى الفيل، وقال في أذنه: ابْرُك محمود – وهو اسم الفيل – وارجع راشدًا فإنك ببلد الله الحرام.

قال الشاعر:
حُبِسَ الفيل بالمُغَمَّسِ حَتَّى *** ظَلَّ يعوي كأنه مَعْقُور

ثم أنزل الله عليهم الطير الأبابيل التي أخذت ترميهم بالحجارة حتى الموت.

إنه البيت العتيق الذي أعفاه الله فلم يغلب عليه جبار، وأعفاه الله من البلى والدثور، فما يزال معمورًا منذ إبراهيم – عليه السلام – ولن يزال.
وفي الآية تعريض بالمشركين إذ كانوا يمنعون منه من يشاءون.

وفي الآية أمر بالطواف، خصوصا بعد الأمر بالمناسك عموما، لفضله، وشرفه، ولكونه المقصود، وما قبله وسائل إليه، وهو المسمّى بطواف الإفاضة، أو طواف الحج، أو طواف الزيارة.

وهناك فائدة أخرى وهي: أن الطواف مشروع في كل وقت، وسواء كان تابعا لنسك، أم مستقلا بنفسه.

(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)[الحج: 30]:
(ذَلِكَ) أي: ذلك الذي ذكر الله لكم من تلكم الأحكام، وما أمر به – سبحانه – من الطاعات في أداء المناسك، وما فيها من تعظيم حرمات الله وإجلالها وتكريمها، هي خير للعبد عند بارئه جلَّ وعز.

والحُرمات: جمع حُرُمة: وهي ما يجب احترامه.

وحرمات الله: كل ما له حرمة، وأمر الشارع باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، والإحرام، والهدايا، والمسجد الحرام، والبيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمشعر الحرام، والمُحرِم ما دام مُحْرِمًا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها، ويشمل القلائد وغير ذلك من أعمال الحجّ، كالغسل في مواقعه، والحلق ومواقيته ومناسكه.

وحين تُعظِّم هذه الحرمات لا تُعظمها لذاتها، فليس هناك شيء له حُرْمة في ذاته، إنما تُعظِّمها لأنها حرمات الله وأوامره؛ فالوضوء مثلًا، البعض يرى فيه نظافة للبدن، فإذا انقطع الماء وعُدِم وجوده حَلَّ محلّه التيمُم بالتراب الطاهر مما يدل على أن الأمر إنما هو الالتزام والانقياد واستحضار أنك مُقْبل على أمر غير عادي يجب عليك أنْ تتطَّهر له بالوضوء، فإنْ أمرك الله بالتيمم فعليك الالتزام دون البحث في أسباب الأمر وعِلّته. وهكذا يكون الأدب مع الأوامر وتعظيمها؛ لأنها من الله.

فالعبادة ما هي إلا انضباط عابد لأوامر معبود وطاعة مطلقة لا تقبل المناقشة؛ لأنك لا تؤديها لذاتها وإنما انقيادًا لأمر الله، ففي الطواف تُقبِّل الحجر الأسود، وفي رمي الجمار ترمي حجرًا، وهذا حجر وذاك حجر، هذا ندوسه وهذا نُقبِّله فَحَجر يُقَبَّل وحَجر يُقَنْبل؛ لأن المسألة مسألة طاعة والتزام، وهذا كله من تعظيم حرمات الله.

والمراد من تعظيم الحرمات: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون، ولا متكاسل، ولا متثاقل.
وتعظيم حرمات الله يتبعه التحرج من المساس بها. والرجس دنس النفس والشرك بالله دنس يصيب الضمير ويلوث القلوب، ويشوب نقاءها وطهارتها كما تشوب النجاسة الثوب والمكان.

ثم يُبيَّن الحق – سبحانه – جزاء هذا الالتزام: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي: من عظَّمها وأجلَّها، واجتنب معاصي الله ومحارمه، وكان ارتكاب المعاصي عظيما في نفسه، فهو على خير وهدى، وله الخيرية من ربه – جل وعلا -، والخيرية هنا ليست في ظاهر الأمر وعند الناس أو في ذاته، إنما الخيرية للعبد عند الله.

تأمل.. عند الله وهذا يعني: الثواب الجزيل والخير الكثير والعطاء الكريم للعبد في الدنيا والآخرة، قال- تبارك وتعالى -: (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رضي الله عنهم وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)[البينة: 8].

فكما أن الشارع رتب على فعل الطاعات الثواب والأجر الكبير، كذلك فقد جعل على ترك المحرمات و(اجتناب) المحظورات الخير العظيم والأجر العميم.

لأن تعظيم حرمات الله، من الأمور المحبوبة لله، المقربة إليه – جل وعلا -. قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأبي هريرة – رضي الله عنه -: ((اتق المحارم تكن أعبد الناس)) رواه الترمذي وحسنه الألباني.

ثم يقول – سبحانه -: (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) هي في الأصل حلال، لكنه لما حرَّم الصيد قد يظن البعض أنه حرام دائمًا فلا ينتفعون بها، فبيَّن – سبحانه – أنها حلال إلا ما ذُكر تحريمه، كقوله – تعالى -: (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ… )(الأنعام: 121).

فذكر – جل وعلا – منته وإحسانه بما أحله لعباده، من بهيمة الأنعام، فقال: (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ) فهو وحده من خلق الأنام، ثم خلق الأنعام، وشرعها من جملة المناسك عند البيت الحرام، التي يتقرب العباد بها إلى العزيز العلاَّم، فعظمت منته – تعالى – فيها من الوجهين، كما جاء في موضع آخر قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)[الزمر: 6].

أي: من عزته أن خلقكم ربكم- أيها الناس على كثرتكم وانتشاركم في أنحاء الأرض – من آدم، وخلق منه زوجه ليسكن إليها وتسكن إليه، وتتم بذلك النعمة، ثم خلق لكم -رحمة بكم- من الأنعام ثمانية أنواع ذكرًا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز، قال – تعالى -: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) [الأنعام: 143] وقال في الآية التي بعدها: (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ)[الأنعام: 144]

وخصها بالذكر، مع أنه أنزل لمصالح عباده من البهائم غيرها، لكثرة نفعها، وعموم مصالحها، ولشرفها، ولاختصاصها بأشياء لا يصلح غيرها، كالأضحية والهدي، والعقيقة، ووجوب الزكاة فيها، واختصاصها بالدية.

يخلقكم في بطون أمهاتكم طورًا بعد طور من الخلق، وأنتم في حال لا يد مخلوق تمسكم، ولا عين تنظر إليكم، وهو قد رباكم في ذلك المكان الضيق في ظلمات البطن، والرحم، والمَشِيمَة، ذلكم الله ربكم الذي خلق السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر، وخلقكم وخلق لكم الأنعام والنعم، وهو رَبُّكُمْ
المألوه المعبود، الذي رباكم ودبركم المتفرد بالملك المتوحد بالألوهية المستحق للعبادة وحده، فكيف تعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره مِن خلقه؟

فكما أنه الواحد في خلقه وتربيته لا شريك له في ذلك، فهو الواحد في ألوهيته، لا شريك له، ولهذا قال: (لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) فكيف تعدِلون عن عبادته إلى عبادة يغره بعد هذا البيان ببيان استحقاقه – تعالى – للإخلاص وحده إلى عبادة الأوثان، التي لا تدبر شيئا، وليس لها من الأمر شيء، وأين ذهبت عقولكم!؟.

ثم جاء الاستثناء بقوله: (إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) والمراد: إلا ما يتلى عليكم في القرآن تحريمه، وقد حرمه الله – جل وعلا – على عباده، ومنعهم منه، رحمة بهم وتزكية لهم، مثل قوله – تعالى -: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ)[المائدة: 3].

ومنه أيضا ما يتلى تحريمه في القرآن واستثني، كقوله – تبارك وتعالى -: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[الأنعام: 145].

وجيء بالمضارع في قوله: (إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)؛ ليشمل ما نزل من القرآن في ذلك مما سبق وتلي، وكذلك ليشمل ما لم يزل يتلى، ويشمل أيضا ما عسى أن يَنزل من بعد.

وفي الآية إشارة لطيفة، وذلك أنه لما ذكر آنفًا بهيمة الأنعام وتعظيم حرمات الله أعقب ذلك بإبطال ما حرمه المشركون على أنفسهم من الأنعام مثل البَحيرة، والسائبة (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)[المائدة: 103].

واجتناب الكذب على الله بقولهم لبعض المحرمات (هذا حلال) مثل الدم وما أهلّ لغير الله به، وقولهم (هذا حرام)، قال – تعالى -: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)[النحل: 116].

والأمر باجتناب الأوثان مستعمل في طلب الدوام كما في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)[النساء: 136] أي: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم بالله – تعالى – وبرسوله محمد – صلى الله عليه وسلم -، ومن طاعتهما، وبالقرآن الذي نزله عليه، وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل.

ومن يكفر بالله – تعالى -، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب، فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق.
والرّجس: حقيقته الخبث والقذارة، قال – تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[المائدة: 90].

فأكرم به من دين طهارة ونقاء؛ فحيثما توجه أهله، فعليهم دوما تجنب كل خبيث من المسكرات ومراهنات القمار مما يصدٌّ عن ذكر الله، وأنصاب الحجارة المعظَّمة، والقِداح التي يستقسم بها الكفار على الأشياء، إقداما أو إحجاما عنها، فكل ذلك إثمٌ مِن تزيين الشيطان، فابتعدوا عن هذه الآثام أيها المؤمنون – لعلكم تفوزون بالجنة.

بل وأمر الدين بتجنب أهل الشرك والإعراض عنهم احتقارًا لهم، فإنهم خبثاء البواطن، ومكانهم الذي يأوون إليه في الآخرة نار جهنم; جزاء بما كانوا يكسبون من الآثام والخطايا: (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[التوبة: 95].

ووصف الأوثان بالرجس المعنوي لِكون اعتقاد إلهيتها في النفوس بمنزلة تعلّق الخبث بالأجساد.

والمراد: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) أي: الخبث القذر من الأنداد، التي جعلتموها آلهة مع الله، فإنها أكبر أنواع الرجس، والرجْس: النجاسة الغليظة المتغلغلة في نفس الشيء لا يمكن أنْ تفصلها عنه، فهي ليست سطحية فيه يمكن إزالتها.

(وَاجْتَنِبُواْ) لا تدل على الامتناع فقط، إنما على مجرد الاقتراب من دواعي هذه المعصية؛ لأنك حين تقترب من دواعي المعصية وأسبابها لا بُدَّ أن تداعبك وتشغل خاطرك، ومَنْ حام حول الشيء يوشك أنْ يقع فيه، اجتنبوا أبلغ في النهي والتحريم وأوسع من حُرِّمَتْ عليكم، ولأن حدود الله نوعان:

• الأوامر وما أحلَّ الله فتلك يقف عندها العبد ولا يتعداها إلى غيرها: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا)[البقرة: 229].

• أمَّا النواهي والمحرمات: فلا يقترب منها العبد مجردَ اقتراب: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)[البقرة: 187].

(وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) أي: جميع الأقوال المحرمات، فإنها من قول الزور الذي هو الكذب، ومن ذلك شهادة الزور.

ويغلظ النص من جريمة قول الزور إذ يقرنها بالشرك في قوله – تعالى -: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)؛ لأن الشرك افتراء على الله وزور، وهو كقوله – تعالى -: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)[الأعراف: 33] وإنما يريد الله من الناس أن يميلوا عن الشرك كله، وأن يجتنبوا الزور كله، وأن يستقيموا على التوحيد الصادق الخالص، ويدخل في ذلك أيضاً: شهادة الزور، كما جاء عن أبي بَكْرَة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: ((الإشراك بالله وعقوق الوالدين -وكان متكئا فجلس، فقال: – ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور))، فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت.
متفق عليه.

(حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)[الحج: 31]:
وحنفاء جمع حنيف وأحنف، مأخوذة من حنيف الرِّجل يعني: تقوُّسها وعدم استقامتها، فهو ميْل، لكنه ميل واعوجاج عن الشر والشرك، والاعوجاج عن الاعوجاج استقامة.

والحنيف هو المخلص لله في العبادة، لذلك وُصِف إبراهيم – عليه السلام – بأنه (كَانَ حَنِيفًا.. )[آل عمران: 67] يعني: مائلًا عن عبادة الأصنام. وهو كقوله – جل وعلا -: (إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين)[النحل: 120]. فمن أراد ثواب الآخرة فليحقق معنى(حُنَفَاءَ للَّهِ..)[الحج: 31] ويعمل من منطلق أن الله أمر بالتوحيد.

والمراد أي: كونوا على ملّة إبراهيم حقًا، مستقيمين لله على إخلاص العمل له، مقبلين عليه بعبادته وحده وإفراده بالطاعة، معرضين عما سواه بنبذ الشرك، ولذلك زاد معنى (حُنَفَاء لِلَّهِ) بياناً، بقوله: (غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)، وهذه هي الصفة الثانية التي وصف الله بها عباده المؤمنين، فالشرك خطره عظيم؛ لذلك يقول الله – سبحانه – في الحديث القدسي: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشِرْكه)) رواه مسلم.

وذلك جميعه هو الدين الخالص والعروة الوثقى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)[البقرة: 256].

فأمر الشرك كما ذكر الله: (وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِى بِهِ الريح فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ) فإنَّه من يشرك بالله شيئًا، فمثله- في بُعْده عن الهدى، وفي هلاكه وسقوطه من رفيع الإيمان إلى حضيض الكفر، وتخطُّف الشياطين له من كل جانب، وانحطاطه وتلقف الضلالات إياه ويأسه من النجاة – كمثل مَن سقط من السماء:
بحيث لا تستطيع قوة أنْ تحميه، أو تمنعه لا بذاته ولا بغيره، وقبل أنْ يصل إلى الأرض تتخطفه الطير.
والخطف: أخذ الشيء بسرعة سواء كان في الأرض أم كان في الجو.

فالمشرك بالله إما أن تخطفه الطير فتقطع أعضاءه في الهواء وتفرّقه مِزعًا في حواصلها، وإما أن تأخذه عاصفة شديدة من الريح، وتتلاعب به فتهوي به فتقذفه في مكان بعيد، فهو هالك لا محالةَ، ولو كانت واحدة من هذه الثلاث لكانت كافية.

ولهذا جاء في حديث البراء: ((إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحا من هناك)) صححه الألباني.

وهنا تصوير بليغ وعظيم للإيمان، فالإيمان بمنزلة السماء، محفوظة مرفوعة عالية، والطير هي الشهوات، والريح هي ريح الشيطان.
وكذلك المؤمن المستقيم على منهج الله، هو في عزة واستعلاء وسمو ورفعة، فإذا ترك الإيمان والاعتصام بالرحمن وأشرك بالله، فهو بمنزلة الساقط من السماء، عرضة للآفات والبليات، عرضة للأهواء وتتقاذفه الأوهام التي تتوزع أفكاره، وتتخطفه الشياطين من كل جانب، وتتلاعب به هنا وهناك، فإذا هو ضائع ذاهب بددًا كأن لم يكن من قبل أبدًا.

إنه مشهد الهُوِيِّ من شاهق.. وفي مثل لمح البصر يتمزق.
فإذا مزقوه طوَّحوا به في وادي الضلالة في المهاوي المتلفة التي لا نجاة لمن حل فيها، فأذهبوا عليه دينه ودنياه.
وهو إيماء إلى أن من المشركين من شركه لا يرجى منه خلاص كالذي تخطفته الطير، ومنهم من شركه قد يخلص منه بالتوبة إلا أن توبته أمر بعيد عسير الحصول.

وهي صورة صادقة لحال من يشرك بالله، فيهوي من أفق الإيمان السامق إلى حيث الفناء والانطواء.
إذ يفقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها.
قاعدة التوحيد.
ويفقد المستقر الآمن الذي يثوب إليه.

أ – أنور الداود النبرواى جزاه الله خير

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *