الرئيسية / مـنـوعـات / الأضحية: معان وأحكام

الأضحية: معان وأحكام

الأضحية: معان وأحكام

أحمد الجوهري عبد الجواد

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:
فيا أيها الأحبة، ما أن يهل علينا هلال ذي الحجة المبارك حتى تتزاحم علينا أعمال البر والخير من كل ناحية، والسعيد مَن انتهز هذه الفرصة، فخرج منها بمرضاة الله وعفوه وغفرانه، والشقي من مرت عليه كل هذه الأعمال دون أن ينال منها ما يكون سببًا لنجاته والفوز برحمة الله وجناته.

ففي ذي الحجة: العشر الأوائل، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفضل أيام الدنيا أيام العشر))[1]؛ ولهذا شرع صيامها، وقيامها، والصدقة فيها، والحج، وسائر أعمال البر، مما لا نعلمه يتأتى مجتمعًا أبدًا إلا خلال هذه الأيام العظيمة؛ حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ليقول – كما روى البخاري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما -: ((ما العمل في أيامٍ أفضل منها في هذه))، قالوا: ولا الجهاد، قال: ((ولا الجهاد، إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيءٍ))[2].

وفي رواية الترمذي وأبي داود عن ابن عباسٍ – رضي الله عنهما -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر))، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيءٍ))[3].

وفي ذي الحجة: يوم عرفة، الذي قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما روي عن أبي قتادة الأنصاري – رضي الله عنه -: ((صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده))[4].

وفي ذي الحجة: يوم النحر الأكبر، الذي يجتمع فيه من أعمال الخير: أداء الصلاة، وصلة الأرحام، وذبح الأضاحي، وغيرها، وهو واليوم الذي بعده أفضل أيام الدنيا؛ كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن عبدالله بن قرطٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر، ثم يوم القَرِّ))[5].

ويوم القَرِّ: هو الغدُ من يوم النحر، وهو حادي عشر ذي الحجة؛ لأن الناس يقَرُّون فيه بمنى؛ أي: يسكنون ويقيمون[6].

وفي ذي الحجة: الحج إلى بيت الله الحرام بما فيه من نسك؛ الطواف، والسعي، والمبيت بمنى، والمبيت بمزدلفة، والوقوف بعرفة، والهدي، ورمي الجمار… إلخ أعمال الحج الكريمة المباركة.

ونتذكر في هذا حديث أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من حج فلم يرفث، ولم يفسُقْ، رجع كأنما ولدته أمه))[7]، ونتذكر فيه أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة))[8].

وفي ذي الحجة: الأضحية، وسوف نخصها في هذا اللقاء بالحديث؛ لنقف على معناها، والحكمة منها، ولنتعرف على أحكامها وفضائلها وميزة أهلها، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أصحاب البِرِّ، والحريصين على الخير؛ ابتغاء وجهه، فأعيروني انتباهكم إخواني، أُلْقِ على مسامعكم كلام الخير عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وسوف أجعل حديثنا عن الأضحية في نقاطٍ، هي التالية:
عناصر الخطبة:
أولًا: ما معنى الأضحية؟ وما هي الحكمة التي شرعت من أجلها؟
ثانيًا: ما هي فضائل الأضحية، وما هي أحكامها الشرعية؟
ثالثًا وأخيرًا: أسئلة شائعة عن الأضحية، وأجوبتها.

الموضوع
أيها الأحبة، ما معنى الأضحية؟ وما هي الحكمة منها؟
الأضحية هي: ما يذبح من الأنعام يوم عيد الأضحى وأيام التشريق الثلاثة التي بعده، من الإبل والبقر والغنم، يذبحها المسلم تقربًا إلى الله تعالى، وطلبًا لثوابه؛ أسوة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فهي إذًا نوعٌ من الذبائح التي شرعها الله – تبارك وتعالى، والذبائح كثيرة: الهَدْي الذي يكون في الحج، والعقيقة التي تكون عن المولود يوم سابعه، وما يذبحه الإنسان تقربًا إلى الله وطلبًا لثوابه، أو وفاءً بنذرٍ نذره، وهذه الأضحية، وهي من أفضلها.

والذبائح عبادةٌ من أفضل العبادات وأعظمها أجرًا، أتى ما يدل على ذلك في الكتاب والسنة في كثير من النصوص؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]، والمقصود بالنُّسُك في هذه الآية: الذبح، وقد جعله الله تبارك وتعالى فيصلًا بين الحق والباطل، الإسلام والكفر، التوحيد والشرك، كما قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – عند تفسير هذه الآية: يأمر الله – تعالى – نبيَّه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه: أنه مخالف لهم في ذلك؛ فإن صلاته ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله – تعالى -: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾ [الكوثر: 1 – 3]؛ أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك؛ فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله – تعالى – بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال والقصد والنية والعزم على الإخلاص لله -تعالى- فيما هو فيه[9].

ولاحظ معي قول الله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي ﴾ [الأنعام: 162]؛ فخص هاتين العبادتين: الصلاة والذبح من بين العبادات؛ “وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ودلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس من المال، لما هو أحب إليها، وهو الله تعالى”[10].

فهذا مما يدل على فضل الذبائح في دين الإسلام، ومما يدل على خطر الذبائح – أيضًا – ما جاء في الأثر الرائع الذي أخرجه أحمد وأبو نعيم عن سلمان الفارسي أنه قال: “دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب”، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: “مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجُوزُه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرِّب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابًا، فقرب ذبابًا، فخلَّوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله – عز وجل – فضربوا عنقه، فدخل الجنة”[11].

دل هذا الأثر على أن الذبح عبادةٌ؛ ولهذا لا يتقرب بها إلى غير الله؛ فإنها من أجل العبادات التي شرعها سبحانه؛ ولهذا حذر الشرع الكريم من صرف هذه العبادة لغير الله، وسماه شركًا، بل ولعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله؛ كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي الطفيل، قال: قلنا لعلي بن أبي طالبٍ: أخبرنا بشيءٍ أسره إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أسَرَّ إليَّ شيئًا كتمه الناس، ولكني سمعته يقول: ((لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله مَن آوى مُحدِثًا، ولعن الله من لعن والديه، ولعن اللهُ مَن غَيَّرَ المنار))[12].

قال العلماء – وانتبهوا أيها الإخوة -: إن قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي ﴾ [الأنعام: 162]، وقوله: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]، يشمل:
أولًا: ما ذبح تقربًا إلى غير الله من الأولياء وأصحاب المشاهد، وغيرها.

ثانيًا: ما ذبح للَّحم وذُكر عليه اسم غير الله.

ثالثًا: ما قصد بذبحه تعظيم مخلوق، ميت أو حي.

رابعًا: ما ذبح استنزالًا للبركة في مكان لم يحدده الشرع، أو عند قبر.

خامسًا: ما يذبح عند نزول البيوت؛ خوفًا من الجن أن تصيبه، أو طلبًا لنفع أو دفع ضر من الجن، كما يفعله السحرة[13]؛ فكل هذا شرك بالله -تعالى- كما دلت عليه هاتان الآيتان؛ لأنه ذبح لغير الله.

فالذبح – ومنه الأضحية – عبادة، وصرفه لغير الله شرك.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذبح، وجَّه ذبيحته إلى القبلة، وذبحها وهو يتوجه إلى ربه ومولاه بهذه المناجاة العذبة: عن جابر بن عبدالله قال: “ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين مُوجَأَيْنِ، فلما وجههما – أي نحو القبلة – قال: ((إني وجهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض، على ملة إبراهيم حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر، ثم ذبح))”[14].

هذا هو معنى الأضحية – أيها الكرام – لكن ما هي الحكمة التي من أجلها شرعت الأضحية؟
أيها الأحبة، ليس المقصود من الأضحية لحومها التي تُطعَم، ولا دماؤها التي تراق، بل وراء ذلك للشرع مقاصد عظيمة، وحكم كريمة؛ كما قال تعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37]؛ أي: يصل إليه التقوى منكم؛ أي: ما أريد به وجهه، فذلك الذي يَقبَلُه ويُرفع إليه، ويَسمعه ويُثيب عليه[15].

وقد أحصى العلماء مجموعة من الحِكم التي تلمسها العقول المتأملة في هذه الشعيرة العظيمة؛ من هذه الحِكم:
أولًا: إحياء سنة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، حينما رأى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل، ورؤيا الأنبياء حق وصدق؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾ [الصافات: 99 – 106].

وقد كان موقف إبراهيم الخليل – عليه السلام – عظيمًا جدًّا؛ انظر كيف أقدم طائعًا لتنفيذ الرؤيا، يذبح ولده الوحيد إسماعيل، وتأمل موقف ذلك الولد المطيع المستسلم لأمر الله تعالى، وإن في عملهما لقدوة لنا معاشر المسلمين؛ قال تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الممتحنة: 4].

ثانيًا: ذبح الأضحية وسيلة للتوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجيران والأقارب والأصدقاء، والتصدق على الفقراء، وقد مضت السنَّة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم في التوسعة على الأهل وإكرام الجيران والتصدق على الفقراء يوم الأضحى؛ فقد ثبت في الحديث عن أنس – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من ذبح قبل الصلاة، فليُعِدْ))، فقال رجل: هذا يوم يشتهى فيه اللحم، وذكر هَنَةً من جيرانه – أي لمس حاجة من جيرانه للحم[16] – فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عذره، وقال الرجل: عندي جذعة – أي صغيرة السن – خير من شاتين، فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم في ذبحها، وأخبره أنها لا تَجزي عن أحد بعده[17].

ثالثًا: شكرًا لله سبحانه وتعالى على نعمه المتعددة: فالله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بنعمٍ كثيرةٍ لا تعد ولا تحصى؛ كنعمة البقاء من عام لعام، ونعمة الإيمان، ونعمة السمع والبصر والمال؛ فهذه النعم وغيرها تستوجب الشكر للمنعم سبحانه وتعالى، والأضحية صورةٌ من صور الشكر لله سبحانه وتعالى، فيتقرَّب العبد إلى ربه بإراقة دم الأضحية؛ امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى[18]؛ حيث قال جل جلاله: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2].

هذه – أيها الأحبة – هي الحِكَم التي تلمَّسها العلماء من تشريع الأضحية في الإسلام، ولا يقف دون التأمل في جديد شيء؛ فلله في تشريعه حِكَمٌ جلية وخفية[19].

ثانيًا: ما هي فضائل الأضحية، وما هي أحكامها الشرعية؟
مشروعية الأضحية:
والأضحية – أيها الكرام – مشروعة بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فقد قال الله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]، قال القرطبي: “قوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ ﴾؛ أي أقمِ الصلاة المفروضة عليك؛ كذا رواه الضحاك عن ابن عباس، وقال قتادة وعطاء وعكرمة: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾: صلاة العيد يوم النحر، ﴿ وَانْحَرْ ﴾: نُسكَك.

وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر ثم يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر.

وقال سعيد بن جبير أيضًا: صلِّ لربك صلاة الصبح المفروضة بجَمْعٍ – أي مزدلفة – وانحر البدن بمنًى”[20].

ومن أهل العلم من يرى أن المراد بقوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾؛ أي: صلاة العيد، وبقوله: ﴿ وَانْحَرْ ﴾؛ أي: نحر الأضحية.

ولا يخفى أن صلاة العيد داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾، وأن الأضحية داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿ وَانْحَرْ ﴾، وهذه الأقوال في تفسير الآية محتملة[21].

وأما السنَّة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُضحِّي، وكان يتولى ذبح أضحيته بنفسه صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك:
ما رواه البخاري بإسناده عن أنس – رضي الله عنه – قال: (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين، فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما، يسمِّي ويكبر، فذبحهما بيده).

ورواه مسلم، ولفظه: (عن أنس قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، قال: ورأيته يذبحهما بيده، ورأيته واضعًا قدمه على صفاحهما، قال: وسمى وكبر)[22].

وعن جندب بن سفيان – رضي الله عنه – قال: (شهدت الأضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يَعْدُ أن صلى وفرغ من صلاته سلَّم، فإذا هو يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته، فقال: من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي أو نصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح، فليذبح باسم الله)[23].

فضل الأضحية:
أيها الأحبة، والأضحية كما هي مشروعة فقد جاءت آيات وأحاديث تدل على فضلها وجلالتها؛ فهي شعيرةٌ من شعائر الله، واجبٌ تعظيمها؛ كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32].

وهي من أفضل الأعمال في الحج؛ كما في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قام رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من الحاج؟، قال: ((الشَّعِث التَّفِل)) – أي تارك الزينة، والطِّيب – فقام رجلٌ آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟، قال: ((العَجُّ والثَّجُّ)) – العج: أي رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ هو: نحر البُدن[24]، وفي هذا بيان لفضل الأضحية؛ إذ سمى النبي صلى الله عليه وسلم نحر الإبل أفضل الحج.

وقد يقول بعض السامعين الكرام: هذا في الحج، لكن ماذا عمن لم يوفقه الله أن يكون من الحجاج؟ ما هو ثواب أضحيته؟
والجواب من الحافظ ابن عبدالبر – رحمه الله – قال: “وقد روي في فضل الضحايا آثارٌ حسان؛ فمنها ما رواه سعيد بن داود، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من نفقة بعد صلة الرحم أعظم عند الله من إهراق الدم))[25].

قلت: وعن أبي هريرة – رضي الله عنه -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين))[26].

وهذا الحديث يبين محبة الله لإراقة دم الذبائح ابتغاءَ وجهه تعالى، وهو يشير – كما سيأتي معنا – إلى أن لون الذبيحة الأبيض – أو المائل للبياض – أفضلُ ممن كان لونها أسود، أو مائلًا إلى السواد.

ونستطيع أن نشير إلى كثير من فضائل الأضحية التي وردت بها السنة، أو أشار إليها القرآن؛ فمن فضائل الأضحية أنها إطعام للطعام، وقد روى الترمذي – وصححه الألباني – عن عبدالله بن سلام – رضي الله عنه – قال: أول ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه – أي ذهبوا مسرعين – فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستثبتُّه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: ((يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام))[27].

وهذا الحديث – أيها الأحبة – يطابق تمامًا قول الله تعالى عن صفات عباد الرحمن: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا *وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 63 – 67].

والشاهد من مجموع الآية والحديث: أن إطعام الطعام بغير إسراف ولا إقتار من صفات عباد الرحمن، الذين يُجزَوْن الجنة ويُلقَّوْنَ فيها تحية وسلامًا.

ومن فضائل الأضحية: الصدقة على فقراء المسلمين؛ روى أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن تصدق بعدل تمرةٍ من كسبٍ طيبٍ، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل))[28].

ومن فضائل الأضحية: صلة الأرحام؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن سرَّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصِلْ رحمه))[29].

ومن فضائل الأضحية: التوسعة على الأهل والأولاد؛ روى مسلمٌ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دينارٌ أعطيته مسكينًا، ودينارٌ أعطيته في رقبةٍ، ودينارٌ أعطيته في سبيل الله، ودينارٌ أنفقته على أهلك، قال: الدينار الذي أنفقته على أهلك أعظم أجرًا))[30].

ومن فضائل الأضحية: إدخال السرور على كل هؤلاء، ولا يزال إدخال السرور على المسلمين وتقديم الفضل لهم دأب الصالحين، كما قيل لابن المنكدر – رحمه الله -: أي العمل أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، قال: فما بقي مما يستلذ؟ قال: الإفضال على الإخوان[31].

وكيف لا؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – فيما روى الطبراني في الأوسط عن عمر رضي الله عنه -: ((أفضل الأعمال: إدخال السرور على المؤمن؛ كسَوْتَ عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجةً))[32].

ومن فضائل الأضحية: الائتساء بالمصطفى عليه الصلاة والسلام، وقد ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما مر بنا في غير حديث، والله تعالى يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

ومن فضائل الأضحية: تنفيذ أمر الله؛ في قوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2].

وبالجملة، ففضائل الأضحية كثيرة كثيرة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها، وألا يحرمنا أجرها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *