الرئيسية / مـنـوعـات / شرف الأيام المعلومات والمعدودات واغتنامها بالأعمال الصالحات

شرف الأيام المعلومات والمعدودات واغتنامها بالأعمال الصالحات

شرف الأيام المعلومات والمعدودات واغتنامها بالأعمال الصالحات

الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، بفضل سورة الإخلاص يا رب لا تكلنا إلى أحد، ولا تحوجنا إلى أحد، وأغننا يا رب عن كل أحد، يا من إليه المستند، وعليه المعتمد، عاليًا على العلا فوق العلا فرد صمد، منزه في ملكه ليس له شريك ولا ولد.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بعزك الذي لا يُضام، واكلأنا بعنايتك في الليل والنهار في الصحارى والآجام.

ونشهد أن سيدنا وقائدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبدالله ورسوله القائل: «الظلم ظلُمات يوم القيامة»، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم وسار على دربهم واستن بسنتهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، وتقربوا إليه سبحانه بما شرع لكم من دين وهدى على منهاج نبيكم صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله ومصطفاه، فإن ذلكم عنوان السعادة، وآية الفلاح والإفادة، وموجب الفوز بالحسنى والزيادة.

أيها الناس: إنكم في موسم عظيم، ومتجر كريم مع الرب الرحيم، بأنواع من العمل الصالح الموجب للمتجر الرابح، فإن الأيام المعلومات المحدودات جعلها الله تبارك وتعالى ظروفا لأعمال صالحة، وموسم لتجارة رابحة، يتفنن عباد الله الصالحون الموفقون فيها بالاتجار مع الله تبارك وتعالى بالأعمال الصالحة من التوحيد والذكر والصلاة التي هي رأس مظهر الشكر والصدقة التي هي حقيقة الإحسان، والصوم الذي هو زينة العمل عند عرضه على الله عز وجل، والحج والعمرة النافيان للفقر والذنوب فضلًا من علَّام الغيوب وجزاؤهما الجنة دار السلام فضلًا من ذي الجلال والإكرام، والنسك لله تعالى بشعائر الإحرام والمشاعر العظام وبالنحر والذبح الذي هو أظهر شيء يوم العيد من أهل الإسلام كل عام.

فاضربوا – عباد الله – في خصلة من خصال الخير بسهم وافر، وسابقوا إلى ما شرع الله لكم من العبادات التي تصلح بها السرائر، وتعمر بها الضمائر، ويتحقق بها الأجر الوافر، وتذكروا أن الأعمار نفس معدود، وأمد محدود، والمعدود إلى فناء، والمحدود إلى انقضاء، ثم تقضون إلى دار الحساب والجزاء، فيجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فقد بلغ في الإعذار من تقدم بالإنذار.

عباد الله: إن النسك – أي ذبح بهيمة الأنعام؛ تقربًا إلى الله تعالى بما شرع – من أعظم شعائر الملة التي تعبد الله بها المكلفين، وميز بها الموحدين عن المشركين، لما فيه من كرم النفس، والثقة برب الخلق في الرزق والإحسان، إلى النفس والخلق والبراءة من الشح ونحوه من سيء الخلق؛ ولذا جعله الله تبارك وتعالى من الشرائع العامة للأمم.

قال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 34 – 37].

أيها المسلمون: ومما يبن عظمة شريعة النسك في دين الإسلام، أن الله تبارك وتعالى جعلها قرينة الصلاة التي هي عمود الديانة وسر الأمانة، وفرقان ما بين المسلمين الأخيار والكفار الفجار في الدنيا؛ تمييزًا لأهل الجنة من أهل النار قال تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2].

وقال سبحانة: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].

فانسكوا لله كما تصلون، واذكر اسمه على نسككم توحدون، وتحققوا التقوى وتنالوا ما وعدتم به من كرم المثوبة في الدنيا والآخرة، وتذكروا قول ربكم فيما تقرؤون: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92].

معشر المسلمين:
لقد أقام نبيكم صلى الله عليه وسلم بعد هجرته عشر سنين، يضحي كل عام ويهدي هديا إلى البيت الحرام، فكان صلى الله عليه وسلم كثير الصلاة كثير النحر جوادًا لكل خير وبر، وقد قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم : «عليكم بسنتي»، وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني».

وفي الطبراني عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام العشر» يعني ذي الحجة، ورواه البزار بلفظ: «أفضل أيام الدنيا العشر – يعني عشر ذي الحجة -»، قيل ولا مثلهن في سبيل الله؟، قال: «ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجلًا عفر وجهه بالتراب» يعني قتيلًا في سبيل الله.

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام – يعني أيام العشر»، قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلًا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» ورواه البيهقي بلفظ: «ما عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى».

أيها المؤمنون: إن من جليل العمل الصالح في تلكم العشر، ذكر الله عز وجل بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي – صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن التسبيح والتحميد والتكبير» رواه الطبراني بإسناد جيد ورواه الطبراني بمعناه وفيه «وإن صيام يوم منها يعد بصيام سنة والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف».

وقد رويت آثار وأخبار تحض على صيام تلك الأيام وقيام ليلها وننبه على عظم المثوبة وكرم الأجر وأنه يعدل الجهاد والرباط في سبيل الله.

معشر المؤمنين:
وأما صوم يوم عرفة بخصوصه، فهو أمر مؤكد وثوابه كريم لا يحد. ففي مسند أبي يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من صام يوم عرفة غفر له ذنب سنتين متتابعتين».

وخرج الإمام مسلم في صحيحة عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم عرفة قال «يكفِّر السنة الماضية والباقية» وخرَّجه الترمذي في سننه بلفظ «صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده».

أمة الإسلام:
وأما الوقوف بعرفة حاجًّا لمن تيسر له ذلك، فإن الله تعالى يباهي بأهل عرفة الملائكة يقول: «عبادي جاءوني شعثًا غبرًا من كل فج عميق يرجون جنتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها (انصرفوا) مغفورًا لكم ولمن شفعتم له».

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنوا يتجلى، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟».

وفي الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو يعلم أهل الجمع بمن حلوا، لاستبشروا بالفضل بعد المغفرة».

أمة الإيمان: إنه ما من عمل يعمله الآدمي يوم النحر أحب إلى الله من إراقة دم، فضحوا تقبل الله ضحاياكم وطيبوا بها نفسًا، فإن الدم ليقع من الله تعالى بمكان قبل أن يقع على الأرض، قال على رضي الله عنه: إذا اشتريت أضحية فاشترها ثنيا فصاعدًا، واستسمن فإن أكلت أكلت طيبًا، وإن أطعمت أطعمت طيبًا.

أمة الإيمان: اذكروا الله في الأيام المعلومات والمعدودات، واجتهدوا فيما شرع لكم ربكم من أنواع الطاعة فيها ترفعوا إلى أعلى الدرجات، وتعتقوا من النار وما فيها من الدركات، وما علمتم فاعملوا به، وما جهلتم فاسألوا عنه لتعلموا به، وما أخطأتم فيه فتبينوا ما يلزمكم لتصحيحه، وما اقترفتم من إثم فتوبوا إلى الله منه، قبل فوات الأوان وزوال الإمكان.

قال تعالى: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [الحج: 27].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الهدي والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *