الرئيسية / مـنـوعـات / ليشهدوا منافع لهم (مقال نادر عن الحج)

ليشهدوا منافع لهم (مقال نادر عن الحج)

ليشهدوا منافع لهم (مقال نادر عن الحج)

الشيخ محمد حامد الفقي

نشر في مجلة الهدي النبوي – الجزء العاشر من السنة الثالثة (ع: 34)

15 من ذي القعدة سنة 1358هـ

أحمد الله سبحانه على ما أسبغ عليَّ من سوابغ نعمه، وما أولاني من واسع رحمته وعظيمِ فضله؛ فنعمه عليَّ لا تزال تتوالى، وفضله عليَّ لا يزال يترى؛ فهو الذي تفضل عليَّ بالهداية إلى الدين الحق، والتمسك بعروة الكتاب والسنة، واستعملني في إحياء سنة نبيه الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، ومحاربة البدع والخرافات التي شوَّهت وجهَ الإسلام، وطمسَت معالِمَه، وحجبت عن الناس نورَه، حتى ضلوا بها في بَيداء الأهواء والشهوات والشبهات، فعاد الإسلامُ بها غريبًا كما بدأ، ويسر الله لي من واسع كرمه وجوده استجابة دعائي بالضيافة عند بيته المحرَّم كل عام، والتشرف بتلك البقاع المقدسة التي أشرقَت منها شمسُ الهداية الإسلامية؛ فأخرجت العالمَ من ظلماته، وجلجَل فيها صوت خاتم المرسلين بكلمة الحق، فقوضَت الباطلَ من أساسه، والتي جعلها الله مثابةً للناس وأمنًا، وأهوى إليها أفئدةَ أحبابه الذين شغلَتهم محبتُه ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم عن كل شيء، ووجدوا فيها كلَّ متعةٍ وسعادة لأرواحهم، وحياةٍ ونعيم لقلوبهم وطمأنينة لنفوسهم، ووجدوا فيها الأمنَ والأمان والسرور والحبور؛ ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس: 62 – 64]، فكان أحقَّ الحق وأوجب الواجب عليَّ أن أرسل صيحتي بالدعوة كلَّ عام إلى تلك الضيافة الكريمة، على مائدة أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين عند بيته المحرم ﴿ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ [آل عمران: 96، 97]؛ ليشهدوا منافعَ لهم، كما شهد أحباب ربهم كل عام، وليحظوا بنُزلهم من الغفور الرحيم الذي هيَّأه وأعدَّه لمن استجاب دعوةَ خليله الكريم إبراهيم.

لذلك أخصص هذا العدد من مجلة الهدي النبوي للتحدُّث في الحج ومناسكه، وفي البلد الحرام ومشاعره، والبلادِ المقدَّسة وما فيها من شؤون اجتماعية واقتصادية وعلمية، مما يحتاج قاصدها أن يلمَّ به إلمامة تعطيه صورةً حقيقية تعينُه على شهود منفعة من منافع الحج التي نوَّه الله تعالى بها، ورغَّب فيها وحضَّ عبادَه عليها؛ لأنهم بحاجة إليها في معاشِهم ومعادهم، فقال: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج: 28].

وسأجعل لذلك بابَ التفسير من هذا العدد في تفسير آيات الحج، فأقول وبالله تعالى التوفيق، ومنه أستمدُّ المعونة، وهو حسبي ونعم الوكيل.

ثم أبدأ بسوق كلمةٍ للإمام المحقِّق ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97]، ثم أذكر بعدها تفسير آيات الحج من سورة الحج إن شاء الله تعالى.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الآية السابقة: ﴿ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ مبتدأ، وخبره في أحدِ المجرورَين قبلَه، والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله: ﴿ عَلَى النَّاسِ ﴾؛ لأنه وجوب، والوجوب يقتضي ﴿ عَلَى ﴾، ويجوز أن يكون في قوله: ﴿ وَلِلَّهِ ﴾؛ لأنه يتضمن الوجوبَ والاستحقاق، ويرجح هذا التقدير: أن الخبرَ محطُّ الفائدة وموضعها، وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير، وكان الأحق أن يكون ﴿ وَلِلَّهِ ﴾، ويرجح الوجه الأول بأن يقال: قوله: ﴿ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ على الناس أكثر استعمالاً في باب الوجوب مِن أن يقال: ﴿ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ لله؛ أي: حق واجب لله، فتأمله.

وعلى هذا ففي تقديم المجرور الأول – وليس بخبر – فائدتان؛ إحداهما: أنه اسمٌ للموجِب للحج؛ فكان أحقَّ بالتقديم من ذكر الوجوب، فتضمنَت الآيةُ ثلاثة أمور مرتبة بحسب الوقائع؛ أحدها: الموجِب لهذا الفرض، فبُدِئ بذِكره، والثاني: مؤدِّي الواجب، وهو المفترَض عليه، وهم الناس، والثالث: النسبة والحق المتعلق به إيجابًا، وبهم وجوبًا وأداءً، وهو الحج.

والفائدة الثانية: أن الاسم المجرور من حيث كان لله سبحانه اسمًا وجب الاهتمامُ بتقديمه؛ تعظيمًا لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه، وتخويفًا من تضييعه؛ إذ ليس ما أوجبه اللهُ سبحانه بمثابة ما أوجبه غيره، وأما قوله: ﴿ مَن ﴾ فهي بدَل، وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها فاعل المصدر، كأنه قال: أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وهذا القول يضعف من وجوه:
منها: أن الحج فرض عين، ولو كان معنى الآية ما ذكره، لأفهم فرض الكفاية؛ لأنه إذا حج المستطيعون برئت ذممُ غيرهم؛ لأن المعنى يؤول إلى: ولله على الناس أن يحجَّ مستطيعهم، فإذا أدَّى المستطيعون الواجبَ لم يبقَ واجبًا على غير المستطيعين، وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض عين على كل أحد، حجَّ المستطيعون أو قعدوا، ولكن اللهَ سبحانه عَذَر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب، فلا يؤاخذ به، ولا يطالب بأدائه، فإذا حجَّ أسقط الفرضَ عن نفسه، وليس حج المستطيعين بمُسقط للفرض عن العاجزين.

وإن أردتَ زيادةَ إيضاح، فإذا قلت: واجب على أهل هذه الناحية أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعة للجهاد، فإذا جاهدَت تلك الطائفةُ انقطع تعلق الوجوب عن غيرهم، وإذا قلت: واجب على الناس كلهم أن يجاهد منهم المستطيع، كان الوجوب متعلقًا بالجميع، وعُذِر العاجز بعجزه.

ففي نظم الآية على هذا الوجه – دون أن يقال: ولله حجُّ البيت على المستطيعين – هذه النكتة البديعة، فتأملها.

الوجه الثاني: أن إضافةَ المصدر إلى الفاعل إذا وُجد أولى من إضافته إلى المفعول، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول، فلو كان ﴿ مَنْ ﴾ هو الفاعل، لأضيف المصدرُ إليه، وكان يقال: ولله على الناس حج من استطاع، وحمله على باب: يعجبني ضرب زيدًا عمرو مما يفصل به بين المصدر وفاعله والمضاف إليه بالمفعول والظرف – حَمْلٌ على المَكْثُور المرجوح، وهي قراءة ابن عامر ﴿ قَتْلُ أَوْلَادَهمْ ﴾ [الأنعام: 137] بفتح الدال (شُرَكَائهمْ) فلا يصار إليه.

وإذا ثبت أن ﴿ مَنْ ﴾ بدَل بعضٍ مِن كلٍّ، وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود إلى الناس، كأنه قيل: من استطاع منهم، وحَذْف هذا الضمير في أكثر الكلام لا يحسن، وحسَّنه ها هنا أمور، منها:
أن ﴿ مَنْ ﴾ واقعة على من يعقل، كالاسم المبدَل منه، فارتبطَت به.

ومنها: أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول، ولو كانت الصلة أعمَّ لقبح حذف الضمير العائد، ومثال ذلك: إذا قلت: رأيت إخوتك مَن ذهب إلى السوق، تريد: من ذهب منهم – لكان قبيحًا؛ لأن الذاهب إلى السوق أعمُّ من الإخوة، وكذلك لو قلت: البَسِ الثياب ما حسن وجمل، تريد: منها، ولم تذكر الضمير، لكان أبعد في الجواز؛ لأن لفظ: “ما حسن” أعمُّ من الثياب، وبابُ بدَل البعض من الكلِّ: أن يكون أخصَّ من المبدل منه، فإذا كان أعمَّ وأضفتَه إلى ضمير، أو قيدته بضمير يعود إلى الأول – ارتفع العمومُ، وبقي الخصوص.

ومما حسَّن حذف الضمير في هذه الآية أيضًا – مع ما تقدم – طولُ الكلام بالصلة والموصول، وأما المجرور من قوله: ﴿ إِلَيْهِ ﴾ فيحتمل وجهين.
أحدهما: أن يكون في موضع حالٍ مِن “سبيل”، كأنه نعت نكرة قدِّم عليها؛ لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لـ: “سبيل”.

والثاني: أن يكون متعلقًا بـ: “سبيل”.

فإن قيل: كيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟
قيل: السبيل إن كان ها هنا عبارة عن الموصل إلى البيت مِن قُوتٍ وزاد ونحوهما، كان فيه رائحة الفعل، ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق، فصلح تعلُّق المجرور به، واقتضى حسنُ النظم وإعجاز اللفظ تقديمَ المجرور، وإن كان موضعه التأخير؛ لأنه ضمير يعود على البيت، والبيت هو المقصود بالاعتناء، وهم يقدِّمون في كلامهم ما هُمْ به أهَمُّ وببيانِه أَعْنَى، هذا تعبير السهيلي، وهو بعيد جدًّا، بل الصواب في متعلق الجار والمجرور وجه آخر أحسن من هذين، ولا يليق بالآية سواه، وهو الوجوب المفهوم من قوله: ﴿ عَلَى النَّاسِ ﴾؛ أي: يجب على الناس الحج؛ فهو حقٌّ واجب، وأما تعليقه بالسبيل، أو جعله حالاً منها، ففي غاية البعد، فتأملْه، ولا يكاد يخطر بالبال من الآية، وهذا كما يقول: لله عليك الحج، ولله عليك الصلاة والزكاة.

ومن فوائد الآية وأسرارها: أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكرُه بلفظ الأمر والنهي، وهو الأكثر، أو بلفظ الإيجاب والكتابة والتحريم؛ نحو: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]، ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ [المائدة: 3]، ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام: 151].

وفي الحجِّ أتى بهذا اللفظ الدالِّ على تأكد الوجوب من عشرة أوجهٍ:
أحدِها: أنه قدَّم اسمه تعالى، وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص، ثم ذكر مَن أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف ﴿ عَلَى ﴾، ثم أبدل منه أهل الاستطاعة، ثم نكَّر السبيلَ في سياق الشرط؛ إيذانًا بأنه يجب الحج على أي سبيل تيسرَت مِن قوتٍ أو مال، فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلاً، ثم أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر؛ فقال: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ ﴾؛ أي: بعدم التزام هذا الواجب وتركِه، ثم عظَّم الشأنَ وأكَّد الوعيد بإخباره باستغنائه سبحانه عنه، والله تعالى هو الغني الحميد، ولا حاجة به إلى حجِّ أحد، وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخَطه عليه، وإعراضه بوجهه عنه ما هو من أعظم التهديد وأبلغِه، ثم أكَّد ذلك بذكر اسم ﴿ الْعَالَمِينَ ﴾ عمومًا، ولم يقل: فإن الله غنيٌّ عنه؛ لأنه إذا كان غنيًّا عن العالمين كلهم فهو عنه أغنى، فله الغِنى التام من كل وجهٍ عن كل أحد بكل اعتبارٍ، وكان أدل على عِظَم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه، ثم أكَّد هذا المعنى بأداة ﴿ إِنَّ ﴾ الدالة على التوكيد.

فهذه عشرةُ أوجه تقتضي تأكُّد هذا الفرض العظيم.

وتأمَّل سرَّ البدل في الآية، المقتضي لذكر الإسناد مرتين، مرةً بإسناده إلى عموم الناس، ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين، وهذا من فوائد البدَل، تقويةً للمعنى وتأكيدًا له بتكرار الإسناد؛ ولهذا كان في نية تكرار العامل وإعادته.

ثم تأمَّل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيلِ بعد الإجمال، وكيف تضمَّن ذلك إيراد الكلام في صورتين وحُلَّتين، اعتناءً به وتأكيدًا لشأنه.

ثم تأمَّل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما يدعو النفوسَ إلى قصده وحجِّه، وإن لم يطلب ذلك منها؛ فقال: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ [آل عمران: 96، 97]، فوصفه بخمس صفات:
أحدها: أنه أسبق بيوتِ العالم وُضع في الأرض.
الثاني: أنه مبارك، والبركة: كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه، ولا أكثر خيرًا، ولا أدوم ولا أنفع للخلائق.
الثالث: أنه هدًى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة، حتى كأنه هو نفس الهدى.
الرابع: ما تضمنه من الآيات البيِّنات التي تزيد على أربعين آية.
الخامس: الأمن لداخله.

وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجابِ قصده ما يبعث النفوسَ على حجه، وإن شطت بالزائرين الديار، وتناءَتْ بهم الأقطار.

ثم أتبع ذلك بصريحِ الوجوب المؤكَّد بتلك التأكيدات، وهذا يدلك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره، ولو لم يكن له شرفٌ إلا إضافة الله له إلى نفسه بقوله: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ﴾ [الحج: 26] – لكفَى بهذه الإضافة فضلاً وشرفًا، وهذه الإضافة هي التي أقبلَت بقلوب العالَمين إليه، وسلبَت نفوسَهم حبًّا له وشوقًا إلى رؤيته؛ فهو المَثابة للمحبِّين، يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرًا أبدًا، كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له حبًّا، وإليه اشتياقًا، فلا الوصال يشفيهم، ولا البعاد يسليهم، كما قيل:

أطوفُ به، والنفسُ بعد مشوقة
إليه، وهل بعد الطواف تداني؟

وألثم منه الركن، أطلب برد ما
بقلبي من شوقٍ ومن هيمانِ

فوالله ما أزدادُ إلا صبابةً
ولا القلب إلا كثرة الخَفقانِ

فيا جنة المأوى، ويا غاية المنى
ويا منيتي من دون كلِّ أماني

أبَت غلباتُ الشوق إلا تقربًا
إليك، فما لي بالبُعاد يدانِ

وما كان صدِّي عنك صد ملالة
ولي شاهد من مُقلتي ولساني

دعوتُ اصطباري عنك بعدك والبكا
فلبَّى البُكا والصبر عنك عصاني

وقد زعموا أن المحبَّ إذا نأى
سيبلى هواه بعد طول زمانِ

ولو كان هذا الزعم حقًّا لكان ذا
دواء الهوى في الناس كل أوانِ

بلى، إنه يبلى التصبر، والهوى
على حاله، لم يُبْلِه الملوانِ

وهذا محب قاده الشوق والهوى
بغير زمام قائد وعِنانِ

أتاك على بعد المزار ولو ونَت
مطيتُه جاءَت به القدمانِ

انتهى كلام ابن القيم – رحمه الله ورضي عنه -.

قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 25 – 37]، يقول الله تعالى ذكرُه عائبًا كفارَ قريش ومَن سار سيرتهم من الذين لم يقدروا اللهَ حقَّ قدرِه؛ فلم يعظموا شرائعَه، ولم يوقِّروا أوامرَه، ولم يقبَلوا هدايته، ولم يقوموا بحق المسجد الحرام الذي طهَّره أبوهم إبراهيم وابنه إسماعيل بأمر الله للطائفين والعاكفين والرُّكع السُّجود لله وحده، وأبعَدَا عنه كلَّ شوائب الشرك التي كانت تحيط بما أقيم من بيوت وهياكل للكواكب والموتى من الإنسان، وبَنَيَاه ساذجًا لا زخرف فيه ولا نقوش، ولا صور ولا تماثيل ممَّا كان ولا يزال يُعنى به المشركون في هياكلهم ومعابدهم الوثنية؛ ليفتنوا بها الناسَ، ويصرفوهم عن التفكُّر والتأمُّل بعقولهم في حقيقة هذه الأوثان؛ فإنهم لو تأملوا لعقلوا أنها خرافات وسخافات يمجُّها العقل السليم، وتأباها الفطرة التي فطر اللهُ الناسَ عليها، وكذلك الشأن في كنائس النصارى، يصرفون كلَّ عنايتهم في زخرفها ونقشها بالنقوش الفاتنة، ويملؤونها بما تصل إليه قدرتُهم من الصور والتماثيل، ويتخذون فيها آلات الموسيقا ومزامير الشيطان، ولأجل ذلك نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ النهي عن زخرفة المساجد ونقشها، واتخذ مسجدَه المشرف – أول مسجد ﴿ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ﴾ [التوبة: 108] – مِن اللَّبِن، وسَقَفَه بعريش النخيل، وفرَشَه بالحصباء، وقال عمر رضي الله عنه حين جدَّد المسجدَ النبوي: “لا تحمِّر ولا تصفِّر، أَكِنَّ الناسَ من الشمس والمطَر”.

وما دَخَلَ الزخرف والتزويق والتكلُّف في عبادةٍ أو محلِّ عبادة إلا ضيَّع الخيرَ منها، وحرم القلب من خشوعه وانتفاعه بها، واستفادتِه القُربَ من ربه والخشية له، فلا يكون للنفوس من تلك العبادة: الطهرُ ولا التزكية والصفاء والرقة واللين والرحمة، التي إنما أنعم الله علينا بالعبادات من أجلها، والتي هي سرُّ الشرائع وثمرتها التي نحيا بها حياةً طيبة في الدنيا والآخرة.

صدَّ المشركون – مِن عتاة قريش وطغاتهم – رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه عن تطهير المسجد الحرام وتعظيمه بإقامة الصلاةِ فيه، ورفعه بذكر اسم الله وحدَه، وبذلوا أنفسَهم وأموالَهم في الدفاع عن اللاَّت والعزَّى ومَناة وهُبَل وأشباههم مما أقاموه حول الكعبة وفي جوفها، ولطَّخوا به ذلك البيت الذي لا يتحقق شرفه إلا بتطهيره منها، وتخليصه لله وحده، ولعبادته دون غيره، وصدوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم جاؤوا من المدينة مُحْرمين يلبُّون اللهَ بالعمرة، وساقوا هديَهم يعظمون به شعائرَ الله وحده، ومنعوهم عن دخول مكة وإتمام نسكهم، وردوهم من الحديبية، وشرطوا عليهم الشروط التي يرونها مجحفةً بحقِّ رسول الله والمؤمنين، وقَبِلها رسولُ الله؛ إكرامًا لهذا البيت، وليبعد عن الطغيان والعصبية لغير الحق، ولتتمَّ كلمةُ الله على أولئك الطغاة الظالمين، فينقضوها ويكون نقضها هو مفتاح مكة والمِعول الذي يهدم تلك الرؤوس المنفوخة بغرور الشيطان، ويطهر البيتَ من تلك الأصنام والأوثان، ولتعلوَ كلمةُ الله ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]، وتكون كلمةُ أبي سفيان يومَ أُحُدٍ: “اعل هُبَل” هي السُّفلَى، ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾، وحقَّق اللهُ وعده، وأعز جنده ونصر عبده؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]، ومن عظيم كفر أولئك الطغاة الملحدين في الحرم: أنهم كانوا يؤمِّنون كلَّ لاجئ إلى الحَرَم مهما كان جُرمه، ومهما بلغَت جنايتُه على النفس والمال، ولكنه مشرك يعبد الأوثانَ، ويمنعون عن هذا البيت الذي جعله اللهُ للناس كلِّهم مثابةً وأمنًا، سواء منهم العاكف المقيم بجواره ببكَّة، والباد الذي يفِدُ إليه من قاصي البلاد ودانيها، ولم يجعلْه اللهُ وقفًا على أهل مكة يتحكمون فيه ببغيهم وظلمهم، ويمنعون منه أطهرَ الخلق وأزكاهم وأعرفهم بقدر البيت، وأشدهم له تعظيمًا، محمدًا صلى الله عليه وسلم وصحبَه الأبرار؛ لأنهم كانوا يؤمنون بالله وحده، ويبرؤون إلى الله من عبادة أولئك الموتى الذين اتخذوهم آلهة من دون الله، وكانوا يدعون قريشًا إلى خلع تلك الأنداد؛ ليكون الدين لله، وكان هذا هو الذنب الذي لا تغتفِره قريش ولا تتجاوز عنه، والذي يقضي في نظرها الضالِّ على كلِّ فضلٍ وخير للأمين محمد بن عبدالله الذي بعثه الله رحمة للعالمين؛ ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [البروج: 8، 9].

توعَّدهم اللهُ أن يذيقهم العذاب الأليم، وحذَّرهم عاقبة بغيِهم وصدهم عن سبيل الله والمسجد الحرام، وإلحادهم بالشرك والظلم والفسوق والعصيان في الحرم، وخوَّفهم أن تحلَّ بهم صاعقةٌ مثلُ صاعقة عاد وثمود، فما تغني النذر عن قوم ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179]، فأوقع اللهُ بهم بأسَه، وسلَّط عليهم نبيَّه وحِزبه، وأذاقهم الخزيَ في يوم بدر وما تلاه من الأيام، ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [فصلت: 16].

ثم بيَّن اللهُ – جلَّ شأنه – أنه هو الذي أسبغ البركةَ والشرف والفضل على هذا البيت، لا قريش ولا غيرهم؛ فإنه هو الذي بوَّأ لإبراهيمَ مكانه، ووطَّأه له ومهَّده، ودلَّه على بقعته، وعرَّفه موضعَ الأساس الذي تقوم عليه قواعدُ هذا البيت وجدرانه، واختار لبنائه وإقامته أفضلَ خلقه على ظهر الأرض في ذلك الحين، وأطهر الأيدي وأبرَّها؛ إبراهيم وإسماعيل.

وتأمَّل الحكمة في اختيار الخليل، الذي آيةُ صِدق خُلَّته أن قدَّم ولدَه وحيده قربانًا لهذه الخلَّة، ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ [الصافات: 103]؛ ليذبحه فداءً لهذه المحبة، واختيار ذلك الابن البرِّ الصادقِ الإسلام لربه، الصادق البِرِّ بوالده، الذي قال: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: 102]، فيا نعم ذلك الوالد، ويا نعم ذلك الولد! ولعل في قوله تعالى: ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ [البلد: 3] بعد إقسامه بهذا البلد: إشارةً إليهما، وإشادةً بفضلهما ومكانتهما، وفضلِ البيت الذي أقاماه لربهما، والبلد الذي عمَراه ليكون أمَّ القرى.

تأمَّل الحكمةَ هذه، واستشعر في نفسك سرَّها، وأمعِن التفكُّر والوقوفَ عندها طويلاً؛ فلعلَّك واجدٌ من وراء ذلك مفتاح سر الحب لذلك البيت، الذي لا تزال تهوي إليه أفئدةُ المحبين، والذي لا يزال يطير على أجنحته أحباب ربِّ العالمين؛ لينزلوا ضيوفًا على حبيبهم الذي ملك حبُّه قلوبَهم فشغلهم عن كلِّ شيء، وصفَّى قلوبهم، وجعل لها شبهًا من قلبِ هذا الخليل الأوَّاه المنِيب.

وأمرهما ربُّهما أن يخلصا النيةَ له عند مباشرة بنائه؛ ليكونَ العمل فيه لله وحده، وأن يجنِّباه – كما قلنا آنفًا – الزخارفَ والنقوش والرسوم، وأن يجعلاه ساذجًا على البساطة والفطرة، إذا جاءه العبدُ لا يجد فيه ولا عنده ما يشغَلُ بصرَه فيلفتَ قلبَه عن التوجُّه الخالص لله ربه، فيقوم عنده بالعبادة الصافية النقية طائفًا راكعًا ساجدًا، داعيًا ضارعًا، خاشعًا مخبتًا لله بارئِ النسم، ومبدع الكلِّ من العدم، الحيِّ القيوم، لا إله إلا هو، فقام إبراهيم يَبني وإسماعيلُ يناوله الحجارةَ.

ولقد ذكر الله تعالى من شرف هذا البناء، وما صحبه من نشيد ذلك البنَّاء والمناول الكريمين ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 127، 128]، فما رفع إسماعيلُ حجرًا من الجبل، ولا وضعه بجوار أبيه، ولا ناوله لأبيه، ولا وضعه أبوه مكانه من الجدار، إلا شادَا بتلك الدعوة الخالدة، وتلك الكلمات العَذْبة الحُلْوة المعبِّرة عن طُهر هذين القلبين، وصفاء هاتين النفسين، وصدق هذين النبيَّين الكريمين، وشرف ما يبنيان، وكرامة ما يقيمان، وعلوِّ قدر ما يرفعان، تبارك الله ربي، ونعم المُناوِل والبنَّاء، ونعم المكان وما قام عليه من بِناء، وفوزًا ثم فوزًا، وسعادة ثم سعادة، وشرفًا ثم شرفًا، لمن أنعم اللهُ عليه بشهود تلك البنية الكريمة، وطافَت بقلبه تلك الذكريات الطيبات المباركات، وحلَّقت نفسُه في عالم هذه الذكريات، فشهدَت هذين النبيَّين الكريمين وهما يعملان في بناء البيت، وعاينَت صفاءَ قلبيهما وطهارة رُوحيهما، وصدق إخلاصهما لربهما، المتجلي في دعائهما الذي يشعُّ نورًا ويقينًا، فأخذه جلال تلك الذكريات، وملكَت مشاعره روعتها، فتشبَّه بهما، وأخلص عملَه وقلبَه لربِّه كما أخلصا، وضرَع إلى ربه بذلَّة ومسكنة وفقر كما ضرَعا، ونادى ربَّه بقلبٍ خاشع كما نادَيَا: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 127]، لا تسَلْ عن فرحةِ القلب وسرورِه ولذَّته وحبوره عندئذ، فإنه تنفسح أمامه الآفاق، وتجلى عنه الغشاوات، ويغسل من دَرَن الخطايا والسيئات، وتفيض عليه الهِبَات والخيرات من رب الأرض والسموات، ويجد نفسَه كأنه في جنة النعيم، وفي روضات الرضوان مقيم؛ ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60].

لأجل ذلك الفوز الكبير وهذه السعادة التامَّة: أمر اللهُ الخليلَ أن يؤذِّن في الناس بالحج إلى هذا البيت، وأن يُعلنَ بالدعوة إلى مائدة الكريم الرحيم، التي مدَّها لأحبابه عند هذا البيت، فيسمع المحبون المشتاقون دعوة إمامهم فيأتون من كل فجٍّ عميق، ويطيرون على أجنحة الشوق من كل بلد ناءٍ ومكانٍ سحيق، لا يقعد بهم عدم المطيِّ ولا فقدان الرواحل، بل يجيئون رجالاً يمشون على الأقدام، ولو استطاعوا لمشَوا إلى مائدة الكريم الوهاب على الأفئدة والقلوب، وما كان ذلك على ما سينالون من هِباته وعطاياه ومنحِه لهم بكثيرٍ.

واخْلُ بنفسِك أيها القارئ، وأطرق، وتأمَّل طويلاً، وعُد بقلبك راجعًا إلى ذلك الماضي البعيد في الزمن، ثم أصغِ بقلبك، وابعث أشعة البصيرة من قول ربك لخليله: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ ﴾ [الحج: 27]، فلا إخالك إلا شاهدًا إبراهيم قد وضع أصبعَيه في أذنيه ورفع عقيرتَه، ينادي بأعلى صوته، يقبِل به يمينًا وشمالاً وشرقًا وغربًا يقول: “يا أيها الناس، ألا إن ربكم قد بنى لكم بيتًا فحجُّوه”، فيجيبه أحبابُ الله من أطراف الأرض وجهاتها الأربع، ويجيئون جماعات وفرادى، والكل يقول: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”، فلا تتمالك نفسك، ولا تستطيع أن تردَّها، ولا أن يردها أيُّ رادٍّ، عن الانضمام إلى هذه الثُّلَّة المسارعة إلى إجابة الخليل، وإلى تلك الزُّمرة المصطفاة التي لبَّت النداءَ وبادرَت بالإجابة، ولم تخدعها خوادعُ التسويف وتعِلَّات: هل هو على الفور أو التراخي؟ وما شروط استطاعة السبيل؟ وكلاَّ والله ثم كلا والله، إنك لو شهدَتْ نفسك هذا الشهود، وأشرق على بصيرتك هذا النور، لتبيعنَّ الأهل والولد والوطن، ولتبيعنَّ نفسَك إذا لم يكن إلا نفسك تبيعها، وتخرج مسارعًا إلى مغفرة الله ورضوانه اللذين مدَّ اللهُ مائدتهما عند بيته المحرم، وأمر خليلَه بدعوة الضيوف والأحباب إليها، وجرِّبْ ذلك إن كنت في ريب مما أقول، واعرف ذلك بما ترى وتشهد من مسارعة من يدعوهم ملك بلدهم إلى مائدته، ليتفضلَ عليهم بتشريفهم بمجالسته ومكالمته، هل تجد أحدًا منهم يعتذر بعدم المركب أو فقدان الثياب؟ إنك لتراهم يحرصون أشدَّ الحرص على هذا الشرف، ويتحدثون به في المجالس تفاخرًا وتمدحًا ومباهاة بما نالوا من هذه المنزلة الدنيوية، وربَّما كلفتهم فوق ما يطيقون، وحملتهم مِن المشاقِّ والمتاعب ما ينوء به كاهلُهم، ولكنهم مع كل ذلك وأكثر منه عليها حريصون، وإليها مجيبون، فاعرف هذا وقارن بينه وبين مائدةِ ملِك الملوك أرحمِ الراحمين في أشرف بقعة وأقدس مكان، ومع أحسن الرفقة وخيرة المصطفَيْنَ من العباد، ومائدة ملِك الدنيا يتلاشى أثرُها بعد حين، ومائدة الله سعادة خالدة إلى يوم الدين، بل باقية أبدَ الآبدين، فانظر بالله إلى أولئك المغبونين الذين يعدِلون برب العالمين، بل يقدمون إجابة دعوة العبد على دعوة أرحم الراحمين، ولعل منهم من يجيب دعوةَ كلِّ مَولد وعيدٍ من أعياد الجاهلين، وينفق فيه المالَ الكثير والوقت الطويل؛ تقرُّبًا إلى الميِّت الذي لا يملِك له ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فإذا دعا داعي الحج إلى بيت الله المشرَّف اعتذر بقلَّة المال أو ضيق الوقت أو نحو ذلك قائلاً: الحج على التراخي، مما لا يقوله ولا يعتذر به عن السعي إلى أولئك الموتى وموالدهم وأعيادهم، ثم يدَّعون بعد هذا أنهم من المسلمين المطيعين، أليس ذلك من أعجب ما سمع السامعون ورأى الراؤون؟ اللهم غَفْرًا غَفْرًا، ورحمة رحمة يا أرحم الراحمين، لا تهلِكنا بما فعل السفهاء منَّا؛ إنك أنت العزيز الحكيم ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [البقرة: 130].

﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج: 28]:
دعا اللهُ تعالى عبادَه من جميع أطراف الأرض ونواحيها إلى حج هذا البيت المشرف على كل بقاع الأرض بتشريف الله واختيارِه، والله سبحانه إنما يدعو عبادَه لما يحييهم الحياة الطيبة، ويسعدهم السعادةَ الخالدة، بما ينتفعون منه من منافعَ جمَّة، وما يستفيدون من فوائد في معاشهم ومعادهم لا غِنى لهم عنها إن كانوا يريدون هناء العيش الرغيد، فقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}: لفظ عامٌّ شامل لكل نفع وخير، سواء في ذلك نفع الدنيا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؛ إذ تتلاقى أجزاء هذه الكتلة الإسلامية الموزعة في أكناف الأرض ومختلف نواحيها البعيدة، ويتعارفون، ويتشاكى كلٌّ منهم بما عنده، فيجد العلاجَ عند الآخر، وتتوحد هذه الكتلة توحيدًا يجعلها كالبنيان المرصوص، والحصن المنيع الذي لا ينال، ويتحقق معنى الأخوَّة الإيمانية، ومعنى الوحدة الإسلامية؛ فيرهَبها الأعداءُ، ويخشون بأسها، ويملأ قلوبهم الرعبُ والخوف من هذه الأجزاء التي تسري فيها جميعها روحٌ واحدة، هي روح الإسلام القوية العزيزة، ولها شعار واحد، هو كلمة الحق: “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، ويدعوهم ذلك إلى التواصل المستمر، والحرص على تعرف أحوالهم؛ حتى لا يؤخذ جزء من هذه الكتلة على غرَّة، ولا تخدش عزَّة طائفة من المسلمين على غير أُهْبة واستعداد، وتقوي روابط المنافع التجارية والاقتصادية تلك الأخوة الإيمانية، فتكون كالشرايين التي لا تزال تمد الجسم بغذائه وقوَّته الحيوية، ويعرفون معنى التعاون بينهم بتبادل كل جماعة ما عند الأخرى من ثمرات مجهودهم وعملهم للدنيا؛ من صناعات، وزراعات وفنون، واختراعات، فتبقى ثروتهم بينهم يتداولونها، ويدَّخرون الزائدَ منها لحاجة الدفاع، ولحاجة المعونة والمساعدة، والمالُ هو العمود الفقري لحياة الأمم، وبقائها وعزتها، فإذا خرج من يدها إلى يدِ عدوِّها بأي طريق، تحول معه كل مقومات الحياة، وأسباب العزة الدنيوية، وقوة الدفاع، كما نرى ونشهد الآن حالَ الأمم الإسلامية مع أوربا؛ إذ تسرَّبت الثروة كلها إلى الأيدي الأوربية، ونالوا الثقةَ منا ومن غيرنا، وأصبحنا ذيلاً لهم وعالة عليهم، بل أصبحنا لا يقام لنا وزن، ولا يعمل لنا حساب، ذلك من يوم أغمضنا أعيننا وانصرفنا عن شهود تلك المنافع التي دعانا الله تعالى إليها.

أما منافع الدين والآخرة فأكثر من أن تحصى؛ فالصلاة عند المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والطواف حول بيت الله والتعلق بأستاره لجئًا إلى الله يحطُّ الخطايا التي تقصم الظهور، ويبيِّض الصحائف التي سوَّدتها المعاصي والأعمال، ومشهد عرفة يتجلى اللهُ فيه على ضيوفه، ويباهي بهم ملائكتَه، ويكرمهم بنزلهم مغفرةً ورضوانًا واستجابة لدعائهم، وغير ذلك من هذا القبيل كثيرٌ.

وهناك منافع دينية كبيرة جدًّا، لو أدركها المسلمون وفقهوها – ذلك أن لهذا البلد الأمين والبيت المشرف من الجلالة والهيبة والاحترام في نفوس المسلمين ما لا يدانيه فيه بقعة أخرى، فإذا اختلف أهل قُطْرٍ أو بلد في مسألة دينية، روَّجها بينهم شياطين التفرقة، وحاولوا بها أن يجعلوا منهم شِيعًا وأحزابًا تمزِّق الوحدة الإسلامية وتقطِّعها أممًا – ثابوا إلى هذا البلد الأمين، وتحاكموا فيه إلى هذا المؤتمر الإسلامي العام الذي يجب أن يجمع في كلِّ عام خلاصةَ كلِّ قُطر في العلم والدين والسياسة والاقتصاد، والصناعة، وفنون الدنيا، ويطرحون هذه المسألة على بساطِه، ويديرونها بينهم بحثًا وفحصًا وتمحيصًا، ويعرضونها على كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وينظرون إليها بعين الصالح الإسلامي الفردي والاجتماعي، والدنيوي والأخروي – فهم لا بدَّ خارجون من بحثهم هذا بنتيجة ممحصة يكون فيها كلُّ الخير والقوة، قوة الحجَّة والدليل، وقوة التوحيد وربط القلوب، فيلزم الناس هذه النتيجة، ويقفون عند كلمة هذا المؤتمر، ومن شذَّ عنها كان عليه ما يستحق من العقوبة، ومقتَه المسلمون، واحتقره أهلُ بلده وكان بينهم مرذولاً، فلو أن ذلك كان كذلك من أزمنة متطاولة لما تفرَّق المسلمون هذا التفرُّق الذي جعلهم شيَعًا وأحزابًا، وقطَّعهم في الأرض أممًا مستضعفين متخاذلين، ليس عندهم من الحياة ما يجيبون به الصارخَ القريب، أو يغيثون به الجار الجُنُب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *