الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / واقعية من النقد والتحليل

واقعية من النقد والتحليل

واقعية من النقد والتحليل
فاضل خلف
علـي سيار
يصطفي كاتب القصة الواقعية القصيرة مشكلته، ويختار مواقفها ليجسد بها واقعاً مستلباً، أي أنه لا يريد من شخصياته أن تكون نموذجاً لذواتها، بل إنه يريد منها أن تكون نموذجاً ماثلاً للظاهرة أو المشكلة . فالظاهرة هي مناط الاختيار والرصد، حيث ينصب اهتمامه الفني لها فتأتي أدواته في اللغة، والحوار، واستبار الحدث في موضعها ومجراها الطبيعي من غير أن يسبغ عليها جوانب من المبالغة، أو العاطفة المؤثرة .
ولا شك أن ذلك يعتبر بادرة متقدمة في نشأة ونمو تقاليد فن القصة القصيرة في الخليج العربي، وجدت المجال في بروز سماتها من توجه بعض الكتاب إلى صياغة الجوانب الحيوية في الصراع الاجتماعي، ومن أمثلة تلك الجوانب التفاتهم إلى نقد المظاهر الزائفة في بعض الشرائح الاجتماعية التي بدأت تحقق صعودها مع قلق التطور الاجتماعي .
ومن القصص التي تحقق لنا سمات هذا التوجه، قصة (حضرة المدير) لفاضل خلف فهي تنتقد أسلوباً من أساليب البرجوازية في مجال الإدارة التي تنحو إلى التحكم الجائر في سبيل إصلاح وضعها البيروقراطي، وإن جاء ذلك على حساب من هم دونها في المرتبة الاجتماعية . ويعد ذلك من ردود فعل التغير الاجتماعي بعد النفط، الذي أدى إلى قيام الشركات والتنظيمات الإدارية والمكتبية .
لقد أصبحت العلاقات الاجتماعية مشوبة بكثير من مظاهر القلق، وتحاول هذه القصة أن ترصد الجوانب الخلفية لذلك، فقد استدعى مدير الدائرة الموظف (عبدالعزيز) المعروف بإخلاصه الشديد في العمل وقال له :
– إنني دعوتك يا عبدالعزيز في أمر يتعلق بوظيفتك …
ولكنه لا يتم عبارته، حيث يقطع عليهما الحديث زائر يدخل على المدير، فيضطر إلى تأجيل الأمر الهام ويخرج عبدالعزيز لينتظر خروج الزائر على أحر من الجمر، ويقع في حالة نفسية مضنية، فهل هو يريد ترقيته ؟ أم لا ؟ ويظل يمني نفسه بمعرفة ما يريده المدير حتى يتمنى لو أنه اقتحم الباب على الزائر الذي حرمه من أمتع اللحظات الفاصلة في حياته، وبعد انتظار مرير تنتهي ساعات الدوام، ويستبشر عبدالعزيز بابتسامة المدير وهو يودعه، ويوقن أن الاستدعاء لم يكن إلا من أجل ترقيته، وتظل هذه الفكرة تداعبه وهو في طريقه إلى السوق وحين يذهب إلى البيت تتراءى له في النوم، حتى يأتي الصباح فيذهب لينتظر استدعاء المدير له ثانية . ولكنه عندما يدخل عليه يفاجأ مفاجأة شديدة فقد طلب منه أن ينسحب من وظيفته ويتركها لموظف جديد لديه شهادة علمية، كي يعمل هو في وظيفة أقل درجة، ويرتاع عبدالعزيز لذلك كثيراً ويحاول أن يثني المدير عن عزمه، فلديه خبرة السنوات الطويلة وصاحب الشهادة جديد على العمل، ولكن المدير يصارح عبدالعزيز بأنه يفضل صاحب الشهادة عليه، فيثور الموظف المسكين، ويرتفع صوته غاضباً ويطلب من المدير أن يطلعه على شهاداته ما دام قد فضل عليه غيره لمجرد أن لديه شهادة، وهنا يضطرب المدير ويتلعثم إذ أنه مدير الدائرة حقاً ولكن ليس لديه شهادة علمية .
إن الجوانب الواقعية في هذه القصة أكثر وضوحاً من غيرها عند فاضل خلف، فهو يسجل فيها موقفه إزاء مشكلة من مشاكل التغير التي تأتي على صغار الموظفين، كما يكشف عما تستند إليه البرجوازية الكبيرة من تبرير لسلطتها. فقد رأينا مدير الدائرة يستغني عن أكثر الموظفين إخلاصاً وخبرة ويطلب منه أن يتنحى عن منصبه من أجل موظف آخر يحمل شهادة علمية، وهذا التصرف يدل على أنه كان يبتغي المصلحة الخاصة، وكأنه أراد أن يجعل لوظائف الدائرة واجهة شرفية بهذه الشهادة التي احتمى بها في تنحية عبدالعزيز، ويتناسى أنه يستحوذ على أكبر مناصب الدائرة وقمتها من غير أن تكون لديه شهادة علمية، ويسفر الموقف الأخير عن أكثر من زاوية في الرؤية الواقعية للكاتب إذ يقول المدير لعبدالعزيز :
( قلت لك إنني مكتوف اليدين ولا أستطيع أن أعمل شيئاً أبداً لأن الأمر خرج من يدي الآن وسيستلم السيد وديع عمله في هذا المساء ) فقال عبدالعزيز ( ولكن يا حضرة المدير هذا ظلم عظيم، وكيف تسوغ لك نفسك أن تكون ظالماً وتسلبني حقوقي، إن يد الله فوق الجميع .. وكل ظالم سيبلوه الله بمن هو أكثر قوة منه (فقال المدير) إنني لا أفهم ما تقوله يا عبدالعزيز وخذها كلمة صريحة .. أنت لا تحمل شهادة وهو يحمل شهادة وعندها ثارت الحمية والنخوة في رأس عبدالعزيز وصاح بصوت سمعه أكثر الموظفين …
اسمع يا حضرة المدير إنك تتكلم عن الشهادات فلماذا لا تبرز أنت شهادتك لنراها .. أجل أين شهادتك أنت ؟ أنت أنت يا مدير الإدارة أنت يا من تتشدق بالشهادات إنني أعرف قصدك تماماً .
فاضطرب المدير وقال : أنا.. أنا شهادتي أنا.. ماذا تقول أمامي.. شهادتي أنا.. إنني مدير .. ولا يحق لك ..
لقد فكر حضرة المدير في كل شيء إلا في هذا الأمر .. أجل فكر في كل شيء إلا في هذا الأمر ) (21).
بهذا الموقف المحتدم بالمواجهة ينهي الكاتب القصة، وقد اكتسب أسلوب الكاتب بما في هذا الموقف من مفارقة سخرية لاذعة ورافضة في آن واحد لمنطق (المدير) .
إن موقف الكاتب يقوم على تعرية أسلوب البرجوازية عندما تستأثر بسلطة ما. وقد دفع الكاتب إلى ذلك ما كان يلحق بمجتمعه من أضرار التغير الذي تتلاحق مظاهره بسرعة، ولعل في منطق المدير جانباً مما جلب إليه ذلك التغير الذي أفسح مكاناً كبيراً لكثير من عناصر البرجوازية كي تؤسس لها مواقع متقدمة، ومتضخمة بامتيازاتها الاجتماعية من غير أن تحقق لها كفاءة حقيقية على المستوى الاجتماعي والعلمي .
والكاتب بعد ذلك يسوق شخصيته الأساسية في القصة (عبدالعزيز) نحو موقفه الاحتجاجي في مواجهة ظلم المدير وتعنته، بعد أن أشبع هذه الشخصية بالتحليل، والاستجلاء النفسي الذي يكشف عن مقدرة الكاتب في سرد الحركة الذهنية، وتداعياتها المنبثقة من أكثر حالاتها حرجاً وقلقاً، في الوقت الذي يحافظ محافظة شديدة على أن يكون وراء تلك الحركة سياق قصصي متوهج مثير بالترقب والمعرفة والكشف، فهو يبدأ القصة باستدعاء المدير لعبدالعزيز في أمر هام يتعلق بوظيفته ولكنه يقطع الحديث دفعة واحدة بدخول الزائر ويترك لنا شخصيته في حالتها النفسية التالية :
(ولكن يا ترى ماذا يرمي من وراء هذه الكلمات ؟ وماذا كان يريد أن يقوله ؟ إنه دعاه في أمر يتعلق بوظيفته، فما هو ذلك الأمر لقد فكر طويلاً ثم اهتدى إلى الأمر، ألا يقصد المدير إنه سيرفعه إلى درجة أكثر من درجته ؟ ألا يقصد أنه سيزيد مرتبه ؟ ربما … بل هو يقصد ذلك تماماً . إنه يشتغل في هذه الوظيفة منذ بضع سنوات وقد أتقن عمله كل الإتقان ولا يذكر أنه تهاون قط في واجبه .
ولكنه ود من صميم فؤاده لو أن الزائر الثقيل خرج قبل انتهاء الدوام ليتمكن من الاتصال بالمدير ثانية . ليطلع على جلية الأمر، وأخذ يردد النظر في ساعته تارة وفي ساعة الحائط تارة أخرى . وهو يتململ، ويتأوه وينهض من مكانه ليرى هل خرج الضيف الثقيل . وحدثته نفسه باقتحام غرفة المدير لينهال عليهما لوماً وتقريعاً . وينهال على الزائر لأنه حرمه من أمتع اللحظات الفاصلة في حياته، وينهال على المدير لأنه صرف ساعتين من عمله في كلام سخيف . بينما كان عليه أن ينفق تينك الساعتين في محلهما، وأخيراً دق جرس المنبه معلناً انتهاء الدوام، فخابت أمانيه وتحطمت آماله، ووقف مدة من الزمن لا يدري ماذا يفعل (22).
إن هذا الاهتمام بالأعماق النفسية لشخصية القصة من أكثر ما يميز القصة الواقعية القصيرة في هذه الفترة . فنحن لم نألف مثل هذه اللغة التي تدور حول شتى الأفكار المتضاربة داخل ذهن الشخصية في أقصر اللحظات الزمنية الممكنة التي تمر عليها . وهي لغة يؤسسها فاضل خلف ويتمكن من تأصيلها.. والتأثير على عدد من كتاب القصة الذين عايشوا تجربته . وآية ذلك أننا نجد نفس المدير الـذي سخـر منـه فاضـل خلف . في قصـة للكاتب علـي سيـار بعـنـوان (دموع العيد) (23) ولكنه هنا يمارس سلطته بصورة أكثر فظاظة واجحافاً بمن هم دونه في المرتبة الاجتماعية، ويصور الكاتب ذلك من خلال شخصية أب فقير معدم لديه أربعة من الأولاد، وهو مقبل على العيد وعليه أن يلبي احتياجاتهم من الملابس الجديدة كغيره من الناس . إنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً لأولاده الذين يتباكون محرومين مما يتمتع به غيرهم بسبب استغلال رئيس العمل له، فقد اشتغل طوال أربعين عاماً قوست ظهره قبل الأوان . فلم يجد سوى التحقير والمعاملة السيئة .
ثم يتذكر فجأة ورقة خضراء وهي عبارة عن مائة روبية مزيفة أعطاه إياها رئيسه في العمل كي يشتري له بها فاكهة من السوق ولكنه لم يستطع أن يفعل ذلك لخوفه من اكتشاف زيفها (يذكرنا هذا الموقف الجانبي في القصة بالمدير في قصة فاضل خلف الذي دفع بموظفه ليكون ضحية لمصلحة أرادها، كما أن رئيس العمل في قصة علي سيار يدفع به للمجازفة كي يكون ضحية لتحلله وزيفه).
ولا يكاد يتذكر العملة المزيفة حتى يفكر في أن يفك بها أزمته وحرمانه فيخرج إلى الدكان الوحيد الذي ينتظر زبائن الليل . ولكنه لا يجد عند صاحبه نقوداً كافية للبقية من المائة روبية فيعتذر له، وحين ترجع إليه الورقة ثانية يدخل إليه شعور بالاطمئنان ويمضي متعللاً بالصبر .
إن الجانب الأساس في واقعية هذه القصة يرتكز بالدرجة الأولى على نظرة الكاتب إلى صورة الاستغلال الاجتماعي الذي تتعرض له شخصيته الفقيرة، إذ أنه ينتقد هذه الصورة الفاحشة المجحفة التي تتمثل في رئيس العمل، بل إنه يجعل هذا الاستغلال في خضم دورانه مع النفسية المحبطة لشخصيته عاملاً أساسياً دفع به إلى المجازفة بالعملة المزيفة في نهاية القصة.
وكما تدين هذه القصة أسلوب الاستغلال الاجتماعي تصور أيضاً مظاهر الحرمان والاضطهاد الذي تعيشه الطبقة الفقيرة، ويستهلك حياتها بسبب ما يستلبه الاستغلال من عمرها وطاقتها، ولعل هذه الصورة هي التي أدخلت بعض المشاعر الرومانسية الحزينة المؤسية التي تتزاحم في نفس الشخصية وهي تعاين حرمانها وقلقها .
وأياً ما كان الأمر، فإن هذه القصة مع قصة (حضرة المدير)، لفاضل خلف تعدان بحق، من القصص التي تبشر بميلاد الواقعية في القصة القصيرة، فقد استأثر الكاتبان بأكثر الموضوعات اقتراناً بهذه الواقعية، كما استخدما كثيراً من وسائل الواقعية الفنية في اختيار لحظات القلق والحرج، وفي إيثار التحليل النفسي الذي يهتم بالحركة الداخلية المضطربة التي تبرز التميز والحيوية في الموقف القصصي . وخلال كل ذلك يبدو الاهتمام بالتماسك الفني، وبخاصة في سياقه الذي يستجمع أكبر قدر من القوة، والكشف، حين يعتمد سرد التفاصيل النفسية والاجتماعية الصغيرة ويركز على توظفيها دون كلل حتى نهاية القصة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *