الرئيسية / مـنـوعـات / الاستعمار في الوطن العربي

الاستعمار في الوطن العربي

الاستعمار في الوطن العربي
المعامل الاستعماري:
لا شك أن بحثنا سوف يكون معرضاً لانتقاد محق، إذا نحن تغافلنا عن تأثير المعامل الإستعماري واتصاله بنهضة البلاد العربية والإسلامية إتصالاً وثيقاً، غير أنه يجب أن نتحدث عن هذا المعامل من ناحيته الفنية:
فللفرد بصفته عاملاً أولياً للحضارة قيمتان:
الأولى منهما خام، والأخرى: صناعية؛ أو: الأولى منهما: طبيعية، والأخرى: اجتماعية.
أما القيمة الأولى فهي موجودة في كل فرد من الأفراد، في تكوينه البيولوجي، وتتمثل في استعداده الفطري لإستعمال عبقريته وترابه ووقته.
وإذا نظرنا إلى المسلم الجزائري مثلاً من هذه الزاوية، فإننا نراه مزوداً من ذلك بأطيب زاد، فإن التاريخ يشهد بكفاءته وعبقريته في هذا الشأن إذ أنه سطر من مظاهر هذه العبقرية كثيراً، ما بين عهد القديس أوغستين البوني إلى عهد ابن خلدون.
وأما القيمة الثانية وهي القيمة الصناعية فإنه يكتسبها من وسطه الإجتماعي، وهي تتمثل في الوسائل والمسيرات التي يجدها الفرد في إطاره الإجتماعي لترقية شخصيته وتنمية مواهبه وتهذيبها.
ووظيفة الهيئة الإجتماعية إنما تتمثل في الواقع في هذه الترقية أو التنمية. فإنها تصنع للإنسان ما يمده في رفع مستواه من مدرسة أو مستشفى، ومن إدارة تسهر على مصلحته إلخ…
ومن هنا تبدأ قضية الإستعمار تهمنا، حيث أنه يُفرض على حياة الفرد عامل سلبي نسميه بالمصطلح الرياضي (المعامل) الإستعماري Coefficient. ولذلك المعامل تاريخه في سياسة الإستعمار، فقد كان القائد الفرنسي «بوجو» – وهو في عهد الإحتلال الصورة المقابلة لصورة الأمير عبد القادر – أول فرنسي أدرك حقيقة الشعب الجزائري وما ينطوي عليه من عبقرية فذة إدراكاً وضع بمقتضاه الطريقة المناسبة لاستقرار الإستعمار.
وقد وضعها أساساً لتخطيط سياسته الفرنسية، التي كانت في نظره تحتاج إلى معمرين يتكافئون مع قيمة الأهالي الطبيعية. لذلك فإن شهادته بتلك الحقيقة لم تكن تخلو من النظر السياسي، إذ كان يريد اختيار معمرين تساوي قيمتهم قيمة الشعب الجزائري.
القوي والضعيف:
ولئن كانت شهادة الجنرال المذكور من قبيل الإعتراف بمزايا الخصم؛ ذلك الإعتراف الذي يحمل في طياته بقية الخلق الفرنسي القديم، فإن تلك الشهادة قد أصبحت اليوم هي الموحية لسياسة التهديم في جوهر الفرد الجزائري ومحو عبقريته. ولقد ظهرت طلائع هذه السياسة غداة الهزيمة التي أصابت فرنسا عام 1870 فانتقصت من هيبتها.
وبدلاً من أن يدفعها شعورها بالنقص إلى الرفع من قيمة شعبها، فإنها – رغبة منها في إقرار التوازن بين المعمرين والمستعمرين – قد عمدت إلى الإنتفاض من قيمة هؤلاء الآخرين؛ وتحطيم قواهم الكامنة فيهم. فمنذ ذلك الحين بدأ الحط من قيمة الأهالي ينفذ بطرق فنية، كأنه معامل جبري وضع أمام قيمة كل فرد، بقصد التنقيص من قيمته الإيجابية.
ولقد رأينا هذا (المعامل) يؤثر في حياة الفرد في جميع أطوارها؛ يؤثر فيه وهو طفل، إذ لا يمده المجتمع بما يقوي جسده وينمي فكره، أو يهيئ له مدرسة أو توجيهاً، هذا إذا كان له أب يحنو عليه.
أما إذا فقد من نشأته الأب فسيكون الأمر أدهى وأمر، ولسوف يؤول صاغراً إلى ماسح أحذية، أو سائل يتخلى عن كل عزة وكرامة، بإراقة ماء وجهه.
فإذا ما كتبت له النجاة من كل هذه النكبات، وهيئت له الأسباب لأن يجد مقعداً في مدرسة.. فكم من العراقيل توضع في طريقه!… ممتحنون بلا انتصاف.. وحكام بلا شفقة، ومستخدمون بلا ضمير… وأخيراً فكم يلاقي ذلك الفتى المسلم في سبيل الحصول على وظيفة حقيرة!
وإذا ما بلغ مبلغ الرجال ماذا يعمل؟ فالشراء، والبيع، والسفر، والكلام، والكتابة، والتلفون، وكل الأعمال التي تقوم عليها حياته الإجتماعية لا تنالها يداه إلا بشق الأنفس، ومن خلال شبكة دقيقة مسمومة من الأحقاد، تسلبه كل وسيلة لإقامة حياته، وتنشر من حوله الأفكار المحطمة لقيمته والمعرقلة لمصالحه، فتحيطه بشبكة محكمة ينسجها خبث المستعمر الداهية.
وبديهي إنه في حالته هذه لا سبيل له لأن يقوم بأعماله إلا بالقدر الذي يقدره الإستعمار له، فهو يعيش كأن يدا خفية، وتارة مرئية، تشتت معالم طريقه، وتقصي باستمرار أمامه العلامة التي تحدد هدفه، فلا يدركه أبداً.
نعم، هناك واقع استعماري، هو ذلك المعامل الإستعماري.
لقد تكلم البعض في شأن هذا المعامل بلسان السياسة، فطالبوا بالحقوق التي هضمها الإستعمار، وأغفلوا الواجبات، وأصبح هذا الكلام من أروع مظاهر المأساة التي يعانيها الجنس البشري في عصرنا.
وتكلم عنه آخرون بلسان الواجبات كغاندي ففاز بحقوقه كاملة، وكأنها نظرة قرآنية غير منتظرة عند ذلك المصلح البرهمي.
الحقوق والواجبات:
أما هنا فنحن نريد أن نبحثه بحثاً علمياً في بلادنا، ولكي نتبع المقياس الصحيح في درس الإستعمار، يلزمنا أن نراه في أعماق التاريخ، وأن نوسع نطاق البحث فيه، لأنه ليس بالشيء الذي يخص علاقات الجزائر بفرنسا فحسب، ولكنه يهم بصفة علاقات الحضارة الغربية بالإنسانية منذ أربعة قرون.
والاستعمار يعتبر من الوجهة التاريخية نكسة في التاريخ الإنساني؛ لأننا إذا بحثنا عنه فسنجد أصوله تعود إلى روما، حيث وضعت المدينة الرومانية طابعها الإستعماري في سجل التاريخ. وقد أعقبهما العهد الإسلامي الذي كان في الواقع تجربة من نوع جديد في تاريخ علاقات الشعوب، فنحن لا نرى الحكم الإسلامي قد استعمر بما في هذه الكلمة من معنى مادي منحط، بل كان فتحة للبلاد كجنوب فرنسا واسبانيا وأفريقيا الشمالية، لا لاستغلالها، ولكن لضمها للحضارة الإسلامية في الشام أو العراق. وليس لأحد أن ينكر هذه الحقيقة محتجاً بأن انعدام التفرقة السياسية إنما يعود إلى أن شعوبه كانت متوحدة في الدين، فإن الواقع التاريخي يشهد، وأقباط مصر ويهودها يشهدون، بأن الإسلام لم يكن يعم البلاد كدين، بل كحضارة.
وقد وجدنا القسيس (هربرت) يتعلم العلوم الإسلامية ثم يرقى عرش البابوية باسم البابا سلفستر الثاني، فيصبح المحرك الأول للحرب الصليبية الأولى. نعم، ما كان لذلك أن يحدث لولا ان الإسلام قد جاء بعهد جديد في تاريخ العلاقات بين الشعوب.
ومن سوء حظ الإنسانية أن نسيت أوروبا أوتناست هذه التجربة اليوم، ولا عجب فإن الواقع كما لاحظه (جوستاف لو بون) هو أن جميع الوسائل قد اتخذت لمحو الحضارة الإسلامية من سجل التاريخ، من أجل ذلك زور الكتاب الغربيون التاريخ، حتى ظهر في عيون من أخذ عنهم أن التاريخ البشري ليس تلك المسافة المختزلة تبتدئ من (الأكروبول) في اثينا وتنتهي عند قصر (شايو) بباريس، أو أكثر من ذلك بقليل. ولقد تظهر هذه الخرافة علمية في أعين قوم من أعلام المثقفين في أوروبا، حتى إنه لتعلوهم الدهشة إذا ما كشف لهم المتحدث عن وهم هذه المسافة التي رأوا في مبتدئها ابتداء للمدنية وفي منتهاها انتهاء لها. ولو أنهم دققوا النظر، لوجدنا هوة كبيرة تفصل حضارة أرسطو وحضارة ديكارت، وأن تلك الهوة من القرون هي الحضارة الإسلامية. وإني لأذكر يوماً دهش فيه محدث لي بينت له زيف معلوماته التاريخية وأوضحت له هذه الحقيقة التي كانت همزة الوصل في التاريخ الإنساني بين حضارة باريس وأثينا.
غير أن المدينة الحاضرة تخطت الحضارة الإسلامية (التي تحمل رسالة الإنسانية) لتأخذ من الحضارة الرومانية روحها الإستعمارية، والمعمرون أنفسهم يعترفون بذلك من حيث لا يشعرون، إذ نسمعهم صباح مساء يردون أعمالهم إلى عبقرية الرومان، ومن هنا نرى أن الإستعمار قد رجع بالإنسانية في التاريخ ألف عام ما قبل الحضارة الإسلامية ولكن ذلك لا يدفعنا إلى أن نحسبه شراً كله، بل إن خيراً قد حققه الله على يديه من حيث لا يدري، فلئن كان بطشه انتقاماً، فإن في طياته رحمة…
الاستعمار واليقظة:
ولنتأمل.. ما الذي بعث العالم الإسلامي من نومه قرناً؟
من الذي أيقظه من خمسين سنة تقريباً.
من الذي قال له قم!!!
إنه الإستعمار. نعم إنه قد خلع عليه بابنا، وزعزع دارنا، وسلب منا أشياء ثمينة.
لقد أخذ من حريتنا وسيادتنا وكرامتنا؛ وكتبنا المنسية، وجواهر عروشنا، وأرائكها الناعمة، التي كنا نود أن لو بقينا عليها نائمين!..
ولكن إذا كان هذا الواقع الإستعماري فيجب أن نعترف بأنه أيقظ الشعب الذي استسلم لنوم عميق، بعد الغداء الدسم الذي أكله عندما كان يرفل في نِعَمٍ حضارته. والتاريخ قد عودنا أن كل شعب يستسلم للنوم، فإن يبعث عليه سوطاً يوقظه. على أن الذي نلاحظه في الإسلام روح الإنسانية.
وللإنسانية أن نختار بين هاتين القيادتين في مستقبلها، الذي لا بد فيه من يقظات أخرى لشعوب نائمة، ومن تداول مستمر لتلك القيادة.
فإما أن يكون مستقبلها نوماً تغط فيه إلى الأبد، ولا تستطيع النهوض من مشرق فجر جديد، فتعجز عن تجديد حضارة لا تحمل طابعاً خاصاً من شعب متكبر، يسوم سوء العذاب، من غير ما ضمير يردع، ولا قانون يمنع.
وإما أن تأتي بحضارة تكون للبشر جميعاً: تستخدم مواهبهم المتنوعة، وتطور قواهم المتعددة.
وفي هذين الإحتمالين عقدة عصرنا الحاضر، وإن تلك العقدة بيد (الكبار) فهل هم يريدون حلها لصالح الإنسانية؟.
واجب الصغير:
ومهما يكن من أمر فإن واجبنا نحن (غير الكبار) أن نتحدث في الأشياء التي تخصنا، ومنها ذلك المعامل الإستعماري، الذي يعمل في حياة الفرد ضد مصيره، وضد ضميره.
وإن الواجب ليقضي على كل (غير كبير) أن يشعر بما تنطوي عليه شخصيته من قيمة جوهرية، هي تراثه الخاص الذي لا سلطان لأحد عليه فكما إنه ليس للإستعمار أن يتصرف في الزمان والمكان، فكذلك لا يستطيع أن يتحكم في عبقرية الإنسان.
ولئن كان له من السلطان السياسي ما يهدم مجتمع الفرد، ويزيف قيمته الإجتماعية فإن قيمته الجوهرية، التي تشتمل على شروط بسيطة لازمة لاجتياز مرحلة العسرة من حياته، تقصر عنها يد المستعمر، وما دامت القيم الجوهرية الثلاث: الإنسان والتراب، والزمن (وهي الزاد وقت العسرة) في يد شعب، يشعر بها حينما ينهض من النوم، فإن ذلك الشعب بلا شك يمسك بيده مفتاح الأقدار، وربما تصادفه عراقيل أو يعثر مرات كثيرة، أو يفقد الأداوات المساعدة في طريقه، ولكن هيهات أن ينتكس أو يعود إلى الإنحطاط إذا ما تصرف في إمكانياته تصرف الرشيد.
وأخيراً فإن المعامل الإستعماري في الواقع يخدع الضعفاء، ويخلق في نفوسهم رهبة ووهماً، ويشلهم عن مواجهته بكل قوة، وإن هذا الوهم ليتعدى أثره على المستعمرين أنفسهم فيغريهم بالشعوب الضعيفة، ويزين لهم احتيالهم إذ يحاولون اطفاء نور النهار على الشعوب المتيقظة، ويدقون ساعات الليل عند غرة الفجر، وفي منتصف النهار، لترجع تلك الشعوب إلى العبودية والنوم.
ولكن مهما سمعنا تلك الدقات الخادعة تلح في إيهامنا بأنه الليل فلن نعود إلى النوم.
لقد أصبحنا والحمد لله، ولا رجعة إلى الظلام، مهما حاول الإستعمار، إنه النهار… النهار…
معامل القابلية للإستعمار:
تبين لنا مما سبق كيف يُحرِّف الإستعمار منهجياً معادلة الفرد المستعمَر، باستخدام أنواع من العراقيل متعددة، يصادفها الفرد في طريقه.
وعرفنا كف يؤثر المعامل الإستعماري لتضييق نشاط الحياة في البلاد المستعمرة، حتى تكون مصبوبة في قالب ضيق، يهيئه الإستعمار في كل جزئية من جزئياته، خوفاً من أن تتيح الحياة المطلقة لمواهب الإنسان أن تأخذ مجراها الطبيعي إلى النبوغ والعبقرية.
على أنه من الناحية الجدلية: هذا الإعتبار خارجي بكيفية ما، لأنه يرينا كيف يؤثر الإستعمار على الفرد من الخارج، ليخلق منه نموذج الكائن المغلوب على أمره، والذي يسميه المستعمر في لغته (الأهلي).
ونحن هنا نريد أن نتعرض لمعامل آخر ينبعث من باطن الفرد الذي يقبل على نفسه تلك الصبغة، والسير في تلك الحدود الضيقة التي رسمها الإستعمار، وحدد له فيها حركاته وأفكاره وحياته.
فنرى أولاً هذا الرجل يقبل إسم (الأهلي)، يوم استأهل لكل ما ترمي إليه المقاصد الإستعمارية، من تقليل قيمته من كل ناحية، حتى من ناحية اسمه.
ومملاً يلاحظ أنه منذ سنين قليلة، كان هذا الرجل يحمل هذا الإسم كرايته، وكانت الجرائد تعنون به صحفها، وكنا نسمع هذه الكلمة تتردد في خطب الطبقة المثقفة (الأهلية) ونقرأها في مقالاتها.
وإذا لم نكن شاهدنا خصياناً يلقبون أنفسهم (بالخصي) فقد شاهدنا مراراً مثقفين جزائريين يطلقون على أنفسهم (الأهلي).
ومعنى ذلك أننا قد أخذنا أنفسنا بالمقياس الذي تقيسنا به «إدارة الشؤون الإستعمارية».
إن المستعمر يريد منا بطالة يحصل من ورائها يداً عاملة بثمن بخس فيجد منا متقاعدين، بينما الأعمال جدية تترقب منا الهمة والنشاط.
وهو يريد منا جهلة يستغلهم، فيجدنا نقاوم ذلك الجهد البسيط المبذول عندنا ضد الأمية وهو جهد «جمعية العلماء».
وهو يريد منا انحطاطاً في الأخلاق كي تشيع الرذيلة بيننا، تلك الرذيلة التي تكون نفسية رجل «القلة» فيجدنا أسرع إلى محاربة الفضيلة، التي يحاول نشرها العلماء في بلادنا، وهو يريد تشتيت مجتمعنا وتفريق أفراده شيعاً وأحزاباً، حتى يحل بهم الفشل في الناحية الأدبية، كما هم فاشلون في الناحية الإجتماعية، فيجدنا متفرقين بالسياسات الإنتخابية، التي نصرف في سبيلها ما لدينا من مال وحكمة.
وهو يريد منا أن نكون أفراداً تغمرهم الأوساخ، ويظهر في تصرفاتهم الذوق القبيح، حتى نكون قطيعاً محتقراً، يسلم نفسه للأوساخ والمخازي، فيجدنا ناشطين لتلبية دعوته.
وبذلك تكون العلة مزدوجة، فكلما شعرنا بداء المعامل الإستعماري الذي يعترينا من الخارج، فإننا نرى في الوقت نفسه معاملاً باطنياً يستجيب للمعامل الخارجي ويحط من كرامتنا بأيدينا.
درس من اليهود!
وربما لم نكن لنفقه لهذا الداء الباطني معناه الإجتماعي، لولا أن الفئة اليهودية في الجزائر قد لقنتنا درساً مفيداً. فقد رأينا كيف أن اليهود أثناء الحرب الماضية كانوا يعيشون ساعات شديدة من الإضطهاد، كانت الدوائر الحكومية تحكمهم بقوانين قاسية، تنغص عليهم حياتهم في كل ميدان.
كان أبناؤهم ينبذون من دور التعليم، وتجاراتهم تعرقل بمختلف القوانين، وكانوا في هذه الحقبة على وشك أن تصيبهم العوامل التقليلية، التي قللت من قيمتنا نحن المسملين، غير أنه سرعان ما قام اليهود برد الفعل.
فتكونت مدرسة سرية في كل بيت من بيوتهم، يدرّس فيها أساتذة متطوعون، فيهم المهندس والطبيب والمحامي، يتطوعون بلا ثمن.
وقد عمروا معابدهم أكثر من ذي قبل، في حين أن أعمالهم التجارية قد استرسلت في نشاطها، أحسن وأقوى من الماضي، بفضل تعاضدهم في الضراء على مبدأ (الجميع للفرد والفرد للجميع).
وهكذا أتيح لليهود أن يجتازوا ساعات الخطر ساعين منتصرين رغم ما كانوا يعانون من معوقات خارجية سلطت على حياتهم في كل جزئياتها.
ولقد كان نجاحهم منطقياً، فإن أنفسهم لم تكن معلولة من باطنها، ولم يكن من معوق داخلي يمسكهم عن التقدم، ويحط من قيمة أنفسهم بأنفسهم.
وإننا لنجد في نجاحهم المثل لانتصار الفرد على البيئة، مهما كانت ظروف حياته، وإن لنا في ذلك درساً يعلمنا كيف يتعلم الأطفال بلا مدارس مفتوحة؛ وكيف تنشط حياة قوم تحت الضغط والمراقبة. وهكذا يؤدي القيام بالواجبات إلى كسب الحقوق.
الاستعمار النفسي:
إن القضية عندنا منوطة أولاً بتخلصنا مما يستغله الإستعمار في أنفسنا من استعداد لخدمته، من حيث نشعر أو لا نشعر. وما دام له سلطة خفية على توجيه الطاقة الإجتماعية عندنا، وتبديدها وتشتيتها على أيدينا، فلا رجاء في استقلال، ولا أمل في حرية، مهما كانت الأوضاع السياسية، وقد قال أحد المصلحين «اخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم».
إن الإستعمار لا يتصرف في طاقتنا الإجتماعية إلا لأنه درس أوضاعنا النفسية دراسة عميقة، وأدرك منها موطن الضعف، فسخرنا لما يريد، كصواريخ موجهة، يصيب بها من يشاء. فنحن لا نتصور إلى أي حد يحتال لكي يجعل منا أبواقاً يتحدث فيها، وأقلاماً يكتب بها، أنه يسخرنا وأقلامنا لأغراضه، يسخرنا له، بعلمه، وجهلنا.
والحق أننا لم ندرس بعد الإستعمارَ دراسة علمية، كما درَسنا هو، حتى اصبح يتصرف في بعض مواقفنا الوطنية، وحتى الدينية، من حيث نشعر أولا نشعر.
مشكلة التكيف:
تخضع الحياة الإجتماعية لقانون (رد الفعل)،كما تخضع له الميكانيكا، وبما أن الإستعمار في نوعه هو «فعل» المدينة الحاضرة تسلطت به على الشعوب المستعمرة. فلا غرابة إذن أن يكون لذلك الفعل في تلك الشعوب «رد».
وإننا اليوم لنرى هذا «الرد» بادياً في صور مختلفة من حياة العالم الإسلامي. وحري بنا أن نطلق على ذلك «الرد» الإسم الإصطلاحي الذي يعطينا له مدلولاً أوضح.
فمن المعلوم أن علم (البيولوجي) وعلم الاجتماع يًعَرِّفان هذا «الرد» بأنه: (إتجاه الفرد ونزوعه إلى التكيف مع الوسط الذي يعيش فيه). ونعلم أيضاً أن من قوانين التكيف (غريزة التشبه والاقتداء).
وبالفعل فإن أشكالاً جديدة من السلوك بدأنا نراها في الجزائر مثلاً. وهي ليست من عاداتنا، وهي موجودة في سائر بلاد العروبة والإسلام.
مظاهر وظواهر:
فمن تلك الإشكال: تلك الأوضاع المثيرة التي تتخذها الفتاة لكي تلتفت إليها الأنظار. وتخفق لها القلوب. وذلك الشاب ذو الشعر الطويل الذي يتحاشى النطق بالراء فينطقها (غيناً).
ولو أننا حللنا حياة مجتمعنا لوجدنا فيه ألواناً جديدة تدل في جملتها على نزعات متباينة. واستعدادات فردية متنافرة، في مجتمع فقد توازنه القديم، ويبحث الآن عن توازن جديد.
ولقد غرس هذا التطور في حياتنا عدداً من المتناقضات، في اشياء مضحكة أحياناً، ومبكية أخرى. فأب كريم ينتحر إثر موبقة ارتكبتها ابنته، التي كانت تتعلم، فلم تعرف كيف تتشبه بالفتاة الأوروبية المتعلمة.
نعم إن مجتمعنا قد فقد توازنه القديم، وهو لا يزال يتذبذب، ولا يعرف له قراراً حتى اليوم. وإننا لنشاهد عدم الإستقرار هذا في أنفسنا، وفي تصوراتنا للأشياء، حين تختلف باختلاف الناظرين إليها.
فهناك نظرة ذلك الشاب الذي يتغذى بثقافة ضيقة، قانعة بضيقها، فهو يرى أن سعادة البشر قد ابتدأت مع القرن التاسع عشر بانتشار ما يسمى بالأفكار التحررية.
وهناك من يشك في كل شيء، ويرى المدينة معركة إقتصادية وأن تخليص الشعب لن يتأتى إلا بحيلة إقتصادية يحتالها المحتكرون، أو بكارثة مالية في السوق السوداء.
ومنا من ينظر النظرة المملوءة بالحقد، المطلية بالرياء، فهو يرى المدنية في الأعراس الإنتخابية، والمظاهرات العمومية، وهو يظن أن خطبة يهتف لها تقلب النظام العالمي.
وهناك نظرة الشاب (السلفي) المملوءة بذكريات الماضي فهو يظن أنه يغير نظام المجتمع بتطهير لغته،وتطبيق النحو والصرف.
وهناك النظرة المخدرة، يرى صاحبها أن المثل الأعلى للمدنية يبرق في قعر كأسه، ويلمع في جو الخمارة.
ومنا من يرى نجاة الشعوب في تحرير النساء، ويظن أنه ملك بيديه المدنية إذا ما فاز بإمراة عصرية.
وهناك المقتنع بحالة، الذي لا يرى شيئاً، لا يفهم شيئاً، ولا يبحث عن شيء، فهو قانع بدفع ضريبته، من غير أن يتساءل عن موجبها الإجتماعي.
وإن في هذه الوجهات المتعددة دليلاً على درجات متعددة من التكيف مع مجرى الحضارة.
وإلى هذه الوجهات يعود إختلاف الملابس، وتباين الأذواق وتنافر الاراء، وتباعد الأفراد، واحياناً اصطدام الجهود.
فإننا حتى في علاقاتنا الودية والعائلية نعيش في وسط كأنه متألف من أجناس متعددة، ومتأثر بثقافات مختلفة. إننا قد انزلقنا في المتناقضات بسبب تفكيرنا الذي لم يتناول الموضوع بأكمله، وإنما أجزاء منه.
ولو أننا درسنا الحضارة بالنظرة الشاملة، الخالية من الشهوات المبرأة من الأوهام، لما وجدنا ألواناً متباينة، ولا أشياء متناقضة، ولا مظاهر متباعدة.
الوثنية المبطّنة:
ولا شك في أن عقائدنا السياسية تدين لتلك القيم الفاسدة للحضارة تلك العقائد التي تمثلت عندنا اليوم في اسطورة: (الشيء الوحيد) و(الرجل الوحيد) الذي ينقذنا.
وما زالت هذه العقيدة الوثنية التي تقدس الأشخاص لا زالت منتشرة في بلاد الإسلام، لم نتخلص منها، وإن كنا قد فعلنا شيئاً فربما كان ذلك في استبدالنا وثناً بوثن، فلعلنا اليوم قد استبدلنا (الرجل الوحيد) (بالشيء الوحيد).
فالتاجر الذي تنجح تجارته يجزم بلا تردد بأن النجاة في الإقتصاد، وآخرون يرون الشيء الوحيد في البيان وتزويق الكلام…
وهكذا ننتقل من وهم لنتخبط في وهم، ولا ندري كم من السنين سوف نقضيها لندرك عجز (الأشياء الوحيدة) عن حل المشكلة… التي هي مشكلة الحضارة أولاً وقبل كل شيء.
إن من الواجب ألا توقفنا أخطاؤنا عن السير حثيثاً نحو الحضارة الأصيلة، توقفنا خشية السخرية أو الكوارث، فإن الحياة تدعونا أن نسير دائماً إلى أمام، وإنما لا يجوز لنا أن يظل سيرنا نحو الحضارة فوضوياً، يستغله الرجل الوحيد، أو يضلله الشيء الوحيد، بل ليكن سيرنا علمياً عقلياً، حتى نرى أن الحضارة ليست أجزاء مبعثرة ملفقة، ولا مظاهر خلابة، وليست الشيء الوحيد، بل هي جوهر ينتظم جميع أشيائها وأفكارها وروحها ومظاهرها، وقطب يتجه نحوه تاريخ الإنسانية.
وإن قضيتنا منوطة بذلك التركيب الذي من شأنه إزالة التناقضات والمفارقات المنتشرة في مجتمعنا اليوم. وذلك بتخطيط ثقافة شاملة، يحملها الغني والفقير، والجاهل والعالم، حتى يتم للأنفس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *