الرئيسية / مـنـوعـات / الاسلوب النفسي لمكافحة الجريمة في القرآن

الاسلوب النفسي لمكافحة الجريمة في القرآن

الاسلوب النفسي لمكافحة الجريمة في القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

الجريمة ما يقترفه الجاني من جرم في حق نفسه أو أسرته أو مجتمعه ، أو وطنه أو قومه .
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 175 هـ ) : فلان له جريمة ، أي : جرم ، وهو مصدر الجارم الذي يجرم على نفسه وقومه شراً .
والجرم الذنب ، وفعله الاجرام ، والمجرم المذنب ، والجارم : الجاني (1) وكذا في لسان العرب ، فالجريمة هي الجرم مصدر الجارم ، ويأتي بما أورد الخليل لا يزيد عليه (2) .
وقد وردت الجريمة ـ مادة ـ في القرآن الكريم أكثر من ستين مرة ، ولم ترد بلفظها ولا مرة واحدة (3) .
وردت الألفاظ الآتية : الاجرام ، أجرمنا ، أجرموا ، تجرمون ، مجرمون ، مجرمين ، مجرميها ، من هذه المادة للدلالة على اسم المصدر : الجريمة .
في هذه الالفاظ عرض القرآن الكريم لسيماء المجرمين ، وأوصافهم ، وحالاتهم وأعمالهم ، وحسراتهم ، ومفارقاتهم ، وصورهم ، وانذارهم ،
____________
(1) الخليل ، العين : 6 / 118 ـ 119 .
(2) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : 14 / 375 .
(3) ظ : محمد فؤاد عبد الباقي ، المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم : مادة جرم .
________________________________________
(80)

وتحذيرهم ، وارشادهم عن غيهم ، ووازنهم بسواهم من الصالحين والمسالمين والبررة .
هذا الحشد الهائل من المفردات يتسع لأكثر من بحث موضوعي ، وهنا نستطيع أن نلمس فيه صورة متميزة أخاذة للاسلوب النفسي الذي اعتمده القرآن العظيم لمكافحة الجريمة من خلال التأثر والتأثير في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والاصلاح .

الاجرام كما يصوره لنا القرآن الكريم ذو ظاهرتين :
الأولى : الاجرام الفردي وهو الذي يتحدث به عن المجرم ذاته ، ويراد به كل جنس المجرم أنّى كان جرمه ، ويمثله قوله تعالى :
أ ـ ( يُبَصَّرُونَهُم يَوَدَّ المُجرِمُ لَو يَفتَدِى مِن عَذَابِ يَومِئِذٍ بَبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * ) (1) .
ب ـ ( إِنَّهُ مَن يَأتِ رَبَّهُ مُجرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحيَى * ) (2) .
وقد يبرز الاجرام الفردي في هذا الملحظ مزعوماً ، دون جريمة كقوله تعالى :
( قُل إِنِ افتَرَيتُهُ فَعَلَىَّ إِجرَامِي وَأَنَا بَرِيءُُ مِّمَّا تُجرِمُونَ ) (3) .
فليس هناك افتراء ، وليس هناك اجرام ، ولو ثبت الافتراء افتراضاً لتحقق الاجرام ، ولو تحقق الاجرام ، فلا تؤخذون بجرمي ولا أؤخذ بجرمكم ، وفيه تأكيد على اجرام الكافرين فيما يبدو .
الظاهرة الثانية : الاجرام الجماعي ، وهو الذي يتحدث به القرآن عن الجماعات المجرمة في مقارفتها الجريمة ومعايشتها ، ويمثله قوله تعالى :
أ ـ ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجرَمُوا صَغَارٌ عِندَ آللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمكُرُونَ ) (4) .
ب ـ ( إِنَّ الَّذِينَ أَجرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضحَكُونَ * ) (5) .
____________
(1) المعارج : 16 .
(2) طه : 74 .
(3) هود : 35 .
(4) الانعام : 124 .
(5) المطففين : 29 .
________________________________________
(81)

جـ ـ ( وَكَذَلِكَ جَعَلنَا فِي كُلِّ قَريَةٍ أَكَابِرَ مُجرِمِيهَا لِيَمكُرُوا فِيهَا ) (1) .
بعد تشخيص هاتين الظاهرتين نجد القرآن متحدياً عن سمات المجرمين وأوصافهم في كل من النشأتين الحياة الأولى ، والحياة الآخرة .
وتبدأ مشخصات الجريمة في القرآن بالقتل المتعمد ، وبقطع الطريق ، وبالسرقة ، وبالزنا ، وكبائر المحرمات ، وأحاول فيما يلي القاء الضوء على بعض هذه المفردات ، ومعالجتها في القرآن نفسياً ، دون الدخول في التفصيلات المضنية .
1 ـ القتل : يعتبر القتل من أبشع الجرائم في القوانين السماوية ، وهو كذلك في القوانين الوضعية ، وقد حدد الله تعالى هذا المعلم بأسبابه ودوافعه ونتائجه ، وهو نوعان : قتل العمد ، وقتل الخطأ ، ولهما في الشريعة الاسلامية حدود في القصاص والديات ، ولا يتعلق حديثنا لمثل هذه الحدود وإنما بالمشخصات الجرمية فحسب .
أ ـ قال تعالى : ( وَلاَ تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِ وَمَن قُتِلَ مَظلُومًا فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيّهِ سُلطَنًا فَلاَ يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً * ) (2) .
فقد حددت هذه الآية عدة معالم لحالة القتل :
الأولى : عدم جواز قتل النفس التي حرم الله الا بالحق .
الثانية : من قتل مظلوماً فلوليه الحق بالقصاص .
الثالثة : الاكتفاء في المقاصة الشرعية عن الاسراف .
وقد كرّر تعالى الملحظ الأولى في آية أخرى فقال :
( وَلاَ تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِ ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ ) (3) .
ب ـ وفيما اقتص الله تعالى من خير ابني آدم حددت معالم آخرى لجواز القتل وحرمته مع الارشاد الموحي ، قال تعالى :
____________
(1) الانعام : 123 .
(2) الاسراء : 33 .
(3) الأنعام : 151 .
________________________________________
(82)

( مِن أَجلِ ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَنِي إِسرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ نفسٍ أَو فَسَادٍ فِي الأَرضِ فَكأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَن أَحيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحيَا آلنَّاسَ جَمِيعًا ) (1) .
وتحدد استنباطات الفقهاء ان القتل يجب في مواضع الكفر بعد الايمان على تفصيل به في مسألة الارتداد ، والزنا بعد الاحصان ، والفساد في الأرض كالعصابات المسلحة ، وقطاع الطرق ، وفي حالة القصاص .
والأول والثاني مستفادان من السنة الشريفة ، والثالث والرابع من النص القرآني السابق .
وقد عالج القرآن ظاهرة القتل المتعمد نفسيّاً في عدة ملامح تحذيرية وترغيبية وإصلاحية .
أولاً : حذر القرآن الكريم من قتل الأولاد خشية الفقر بأن ربط الرزق بالله ، فنها عن القتل لهذا الملحظ فقال في آيتين :
أ ـ ( وَلاَ تَقتُلُوا أَولَدَكُمُ مِّن إِملاَقٍ نَّحنُ نرزُقُكُم وَإِيَّاهُم ) (2) .
ب ـ ( وَلاَ تَقتُلُوا أَولَدَكُم خَشيَةَ إِملاَقٍ نَّحنُ نَرزُقُهُم وَإِيَّاكُم ) (3) .
ويلاحظ هنا الذوق البلاغي في القرآن إذ استعمل في آية الأنعام ( من املاق ) وفي آية الاسراء ( خشية املاق ) وفي الأولى قدم ضمير الخطاب ( نرزقكم ) على ضمير الغائب ( اياهم ) وفي الثانية عكس الامر فاستعمل مكان المخاطب الغائب ( نرزقهم ) ومكان الغائب المخاطب ( اياكم ) وهو ملحظ دقيق تفصيله في غير هذا البحث .
ثانياً : الانكار الشديد بصيغة الاستفهام ، قال تعالى :
( وَإِذَا المَوءُدَةُ سُئِلَت * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت * ) (4) .
ثالثاً : الوعيد بالخلود في النار ، وغضب الله تعالى ولعنه وهو أشد ،
____________
(1) المائدة : 32 .
(2) الأنعام : 151 .
(3) الاسراء : 31 .
(4) التكوير : 8 ـ 9 .
________________________________________
(83)

وإعداد العذاب العظيم وهو أقطع ، ويمثل هذا الاتجاه قوله تعالى :
( وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً * ) (1) .
رابعاً : الثناء المطلق والوعد الجميل مع الوعيد باعتبار الذين يتصفون بعدم القتل من عباد الرحمن ، قال تعالى في صفتهم :
( وَالَّذِينَ لاَ يَدعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقتُلُونَ آلنَّفسَ الَّتِي حَرَمَ آللهُ إِلاَّ بِالحَقِ وَلاَ يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا * ) (2) .
خامساً : التبكيت والتسفيه والخسران فيما قال تعالى : ( قل أغير الله أتخذُ وليّاً فاطرِ السمَوَات والأرض وهو يُطعِمُ ولا يُطعَمُ قل إني اُمِرتُ أن أكون أول من أسلم ولا تكونَنَّ من المشركين *) (3) .
وهكذا نجد القرآن العظيم قد استقطب مختلف الاساليب لدرء جريمة القتل بين الوعد والوعيد وتهيأة المناخ النفسي ليطمئن المجتمع وتصان الأرواح .
2 ـ السرقة : لقد حدد القرآن حكم السرقة ؛ واعتبرها من الجرائم التي يعاقب عليها بقطع اليد بنص قوله تعالى :
( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِما كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَآللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * ) (4) .
هذا الحكم له حدود وله قيود في تعيّن مبلغ السرقة ، وهوية السارق ، ومكان القطع ، وللفقهاء فيه كلام طويل ، وكذلك الحال في نوعية السرقة غصباً أو سلباً أو أغار سراً أو علانية ، لكن المهم هو وقع الحكم على الاسماع وشدته لدى التنفيذ ، وهذا ما دفع بحملة من الأوربيين والمستشرقين إلى تصوير الاسلام بأنه دين وحشي ، وليس الأمر كذلك ، لأن الظروف المعيشية التي سخرها الله لعباده ، هي أكبر وأكثر من ظروف الاعتداء على أموال الآخرين ، ولأن الامانة سر من أسرار الخليقة ، يعود الانسان بدونها متردياً للحضيض الاوهد ، ويحضرني في ردّ هذه الشبهة ، ما أبانه أبو العلاء المعري ، متسائلاً عن حكمة قطع اليد بقوله :
____________
(1) النساء : 93 .
(2) الفرقان : 68 .
(3) الأنعام : 14 .
(4) المائدة : 38 .
________________________________________
(84)

يد بخمس مئين عسجد فديت * ما بالها قطعت في ربع دينار

فأجابه السيد المرتضى علم الهدى ( ت : 436 هـ ) :
عز الامانة أغلاها وأرخصها * ذل الخيانة فأنظر حكمة الباري

3 ـ الزنا ، وهو جريمة يقاربها من لا عائلة له يحافظ على شرفها ، ولا زوجة يصون حرمتها ، ولا بنت يغار عليها ، ولا أخت يثأر لكرامتها لأن الزنا دين كما يقول العرب و « كما تدين تدان » ، وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الزواج غنى عن هذه الجريمة الخلقية في أمراضها وأضرارها ونتائجها . قال تعالى :
( وَلاَ تَقرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً * ) (1) .
وقد عالج القرآن هذه الظاهرة عملياً بالطرق الشرعية المسنونة ، وشدد عليها عقاباً في البكر فقال تعالى :
( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجلَدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنهُمَا مِائَةَ جَلدَةٍ وَلاَ تَأخُذكُم بِهِمَا رَأفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الأَخِرِ وَليَشهَد عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤمِنِينَ * ) (2) .
ثم هز القرآن الكريم الحمية والغيرة والكرامة ، وأنه ليربأ بالنفس الانسانية عن هذا المسلك الوخيم فقال تعالى :
( الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَ زَانِيَةً أَو مُشرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكَحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَو مُشرِكُُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤمِنِينَ * ) (3) .
لهذا كان قذف المحصنات والتشهير بالنساء البريئات من المحرمات التي يعاقب عليها الله تعالى ، وانظر إلى قوله :
( وَالَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَانَتِ ثُمَّ لَم يَأتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجلِدوهُم ثَمَانِينَ جَلدَةً وَلاَ تَقبَلُوا لَهُم شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الفَسِقُونَ * ) (4) .
ولنبتعد قليلاً عن هذا المناخ إلى عظمة قوله تعالى في صد هذا
____________
(1) الاسراء : 32 .
(2) النور : 2 .
(3) النور : 3 .
(4) النور : 4 .
________________________________________
(85)

المناخ : ( وَمِن ءَايَتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِّن أَنفُسِكُم أَزوَاجًا لِتَسكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَّوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ * ) (1) .
اثرى الهدوء النفسي والاطمئنان الروحي مهيئاً بالزنا وبالمحرمات الاخرى كاللواط والسحاق والعادة السرية ، إنها لموبقات حقاً .
( وَلاَ تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتْعَنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ آلحَيَاةِ الدَّنْيَا ) (2) .
ألا تنظر إلى قوله تعالى وهو يرغب بنعيم الجنة في ملذاتها الحسية :
( وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ) (3) .
وإلى قوله تعالى :
( وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) (4) .
إنني أدعو الشباب المثقف إلى الزواج بسن مبكرة من أجل مكافحة جريمة الزنا ، فالزواج المبكر سنّة سار عليها سلفنا الصالح ، وأدعو الآباء والامهات إلى التخفيف من غلاء المهور وشروط الزواج ، فالمسلم كفء المسلمة ، قال تعالى :
( وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم إِن يَكُونُواْ فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهَ وَسِعٌ عَلِيمٌ * ) (5) .
والزواج حاجة يحتاج إليها الشباب بخاصة كالاحتياج إلى الاكل والشرب بالضبط ، ولا حياء في الدين (6) .
4 ـ كبائر المحرمات : وهي عبارة عن المحرمات التي ذكرها الكتاب العزيز ونص عليها علماء التشريع الاسلامي مما يعتبر الوقوع فيها منافياً لعدالة المسلم ووصفه بالفسق حيناً ، وبالكفر حيناً آخر ، ولنا في صدد عدها ، فمنها : عقوق الوالدين ، أكل مال اليتيم ، أكل الربا ،
____________
(1) الروم : 21 .
(2) طه : 131 .
(3) البقرة : 25 .
(4) آل عمران : 15 .
(5) النور : 32 .
(6) ظ : للتفصيل في الحث على الزواج ، عز الدين بحر العلوم : الزواج في القرآن والسنة .
________________________________________
(86)

شهادة الزور ، كتمان الشهادة ، شرب الخمر ، ترك ما فرض الله تعمداً ، ما تقدم من قتل النفس المحترمة والزنا والسرقة ، قطيعة الرحم ، الكذب ، أكل الميتة والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهل به لغير الله ، والقمار ، وأكل السحت ، والرشوة ، والبخس في المكيال والميزان ، والغيبة ، والنميمة والبهتان ، وغش المسلمين ، وأمثال ذلك مما يعتبره القرآن جريمة يعاقب عليها في الدنيا أو الاخرة ، وهنا نلقي نظرة فاحصة لسبيل مكافحة الجرائم بتلميح موجز يتعلق بإصلاح المجتمع والنفس الانسانية والعودة بها إلى الفطرة الخالصة النقية من كل وضر وشائبة وذلك أننا في كثير من الدول النامية نعيش أزمة أخلاقية تأثرت بمفاهيم الغرب غير الدقيقة ، هذه المفاهيم هي التي تؤدي إلى الجريمة ، فالخروج عن التقاليد العربية الاصيلة ، والابتعاد عن واقع الرسالة الاسلامية المقدسة ، والتهور ضد الاعراف الانسانية النبيلة كل أولئك مما يوقع في هذه الجرائم آنفة الذكر ، الولد مثلاً لا يعرف قيمة والديه والطالب لا يقدر جهود مربيه ، والصديق يعامل صديقه بالاثرة لا الايثار والاخ يضرب صفحاً عن أخيه ، والجار يطوي كشحاً عن جاره ، والكذب والبهتان والنميمة ديدن الكثيرين ، وأفضل الناس من شغلته عيوبه عن عيوب الآخرين فلسنا معصومين ، والتفاهم في لغة المحبة والاخوة الصادقة عاد ضرباً من الهذيان ، وحب لأخيك ما تحب لنفسك ليست من أخلاقنا ، والكلمة الطيبة صدقة نسخت من معجمات الحديث الشريف و ( وَتَعَاونُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ ) (1) كأنها ليست من كتاب الله .
وقوله تعالى :
( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (2) لا نجد مفهوماً لها في تعاملنا مع الناس .
وقوله تعالى :
____________
(1) المائدة : 2 .
(2) فصلت : 34 .
________________________________________
(87)

( فَبِمَا رَحمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلبِ لاَنفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ) (1) ، كأنه ليس من أخلاق رسولنا العربي الامين .
حتى عاد التواضع ضعة واللين ضعفاً ، والاخلاق تملقاً ، والحديث ثرثرة والادب عدم اتزان .
أن درء المفاهيم الخاطئة ، وهذه المتخلفات الذهينية ، هو الذي أن نحارب الجريمة ، ونكافح انتشارها والا فنحن في عداد المجرمين
( إِلاَّ أَصْحَابَ اليَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ المُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * ) (2) .
قال الزمخشري ( ت : 538 هـ ) :
« ما سلككم في سقر ليس ببيان للتساؤل عنهم ، وإنما حكاية قول المسؤولين عنهم ، لأن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين ، فيقولون ، إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه » (3) .
وإذا لم يكافح كل منا الجريمة من موقعه ، والانانية الذاتية في داخله ، والقوقعة على النفس ، كان ما قدمناه كلاماً فارغاً لا يسمن ولا يغني من جوع .
ومما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ، ونعم الوكيل .
____________
(1) آل عمران : 159 .
(2) المدّثر : 39 ـ 42 .
(3) الزمخشري ، الكشاف : 1874 .
________________________________________
(88)

________________________________________
(89)

تحريم الخمر في القرآن الكريم

ألقي في المؤتمر الطبي المنعقد في القاعة الكبرى لجامعة الكوفة بشعار « الخمرة وأضرارها الاجتماعية والصحية » في 28 شعبان 1418 هـ = 29 / 12 / 1997 وقد نظمت المؤتمر نقابة الأطباء بالتعاون مع كلية الطب في جامعة الكوفة في النجف الأشرف .
________________________________________
(90)

________________________________________
(91)

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الخمر لغةً : ما أسكر من عصير العنب لأنها خامرت العقل .
قال ابن الاعرابي : وسميت الخمر خمراً لأنها تركت فاختمرت ، وإختمارها تغير ريحها .
والخمر : ما خمر العقل ، وهو المسكر من الشراب .
وهي : خمرة وخمر وخمور بزنةِ : تمرة وتمر وتمور (1) .
والعرب تسمي العنب خمراً باعتبار ما يؤول إليه ، فالتسمية مجازية ، وعليه حمل قوله تعالى :
( إِنِّي أَراَنِي أَعصِرُ خَمراً ) (2) . فهو يعصر العنب الذي سيصير خمراً .
والخمرة محرمة شرعاً ، وحرمتها ثابتة تشريعاً في نصوص قرآنية غير قابلة للتأويل ، ومنصوص عليها ، روائياً في أحاديث غير خاضعة للاجتهاد ، فلا إجتهاد مقابل النص .
ليس لنا بعد هذا أن نبيح ما حرّم الله ، وليس لنا أيضاً أن نحرم ما أباح الله ، سواءً أكان ذلك صادراً عن الله في كتابه ، أو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سنته ، أو عن الائمة الطاهرين في صحاح ما روي عنهم .
كل أولئك لما ورد أن : حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة . « متّفقٌ عليه » .
هذا التحديد الصارم في المنظور لأحكام الشريعة بعامة ، له منطلق
____________
(1) ابن منظور ، لسان العرب : 5 / 339 / مادة : خمر .
(2) يوسف : 36 .
________________________________________
(92)

واحد ، واعتبار واحد : إنه قانون السماء الذي لا يصح التحكم في ثوابته المطلقة حساً وعقلاً وتجربة وشرعاً وعرفاً ، ذلك أن قانون السماء مصدر غيبي عتيد لا يخضع للعلم التجريبي ، ولا يقوم على أسس الدساتير الفيزياوية والرياضية ، ولا يكون نتيجة للفرز المختبري ، ولا يصح حيثية للاختيار البشري ، كما هو القانون الوضعي من جهة ، والكشف العلمي من جهة أخرى ، لأن الأنظمة السماوية لها منظورها الخاص الصادر من وراء الغيب ، وطبيعتها الملكوتية النازلة بتعليمات الوحي وإذا كان الامر كذلك ، وهو كذلك فليس لنا أن نقول : لم ؟ وكيف ؟ ولو ؟ فهذه اعتبارات أرضية لا ترتبط بالبعد الآلهي الذي قدّر فهدى .
وليس للانسان المحدود التعقل والتفكير والاستنتاج أن يتدخل في شؤون ذلك النظام الدقيق الذي تديرهُ القوة الغيبية المدبرة ، لأنه عاجز عن تدبير نفسه إلا باذن من الله مرتبط بالإساءة ، فكيف به لهذا العالم الفسيح الهائل .
في هذا الضوء من الاستقرار يمكننا التحدث عن تحريم الخمر في القرآن الكريم ضمن نصوصه التي لا تقبل الردّ أو الاجتهاد لأنها نصوص مقدسة أملاها الوحي من كلام الله على رسوله الأمين .
( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَلَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المَنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ * ) (1) .
ويتكفل البحث في معالجة هذا الموضوع إنطلاقاً من تلك النصوص بحسب أسبقيتها في النزول ـ مكيّها ومدنيّها ـ لنصل إلى رؤية معاصرة تتولى رعاية هذا الملحظ الجدير بالأهمية .
أولاً : الذي يبدو للبحث أن أول ما نزل في الموضوع : قوله تعالى :
( قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغىَ بِغَيرِ الحَقِّ ) (2) .
والفواحش في تصوّر أولي هي تلك المعاصي الكبيرة التي يبالغ في سَوءَتِها إلى درجة التشنيع ، والأثم هو الذنب الذي يورث المرء هواناً
____________
(1) الشعراء : 192 ـ 195 .
(2) الأعراف : 33 .
________________________________________
(93)

وإنحداراً عن الاسراع في تحصيل الثواب . قال الراغب ( ت : 502 هـ ) : « الاثم اسم للأفعال المبطئة عن الثواب » (1) . هذا في معناه العام ، ولكنه ، قد يخصص بالخمر وحده ، وذلك لاشتهار الخمر عند العرب وفي الشرع باسم الإثم .
ففي الوسائل : عن علي بن يقطين عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام ، وهو يتحدث عن الآية أعلاه ، قال : « وأما الاثم فإنها الخمر بعينها » (2) .
قال أبو علي الطبرسي ( ت : 548 هـ ) :
« والأثم : قيل هو الذنوب والمعاصي عن الجبائي ، وقيل : الاثم ما دون الحد عن الفراء . وقيل : الاثم الخمر ، وأنشد الأخفش :

شـربتُ الأثـمَ حـتـى ضـلَّ عقـلـي * كـَذاكَ الأثـمُ يَـذهـبً بــالـعـقـول

وقال الآخر :
نهـانـا رسـول الله أن نقـرب الـخفـا * وأن نشربَ الأثـم الذي يوجب الوزرا (3)

وقد ظهر مما تقدم : أن الاثم لا يخلو من معنيين ، فإما أن يكون هو المعاصي والذنوب ، والخمر أحد مفرداته ، وأبرز مصاديقه وإما أن يكون هو الخمر بعينها كما تسنده الرواية ، ويؤيده لغة الشاهدان الشعريان المتقدمان ، وعلى كلا المذهبين في المعنى ، فالخمر محرمة بهذه الآية ، إما لكونها أحد مصاديق الاثم ، وإما لأنها الاثم بذاته ، وإما بهما معاً كما هو واضح .
ثانياً : وفي مجال إحصاء ما يتخذه الناس من ثمرات النخيل والاعناب قال تعالى :
( وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعنَبِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَراً وَرِزقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِقَومٍ يَعقِلُونَ * ) (4) .
قال الراغب : « والسُكرُ حالة تعرض بين المرء وعقله ، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب . . . والسَكَر ـ
____________
(1) الراغب ، المفردات في غريب القرآن : 10 .
(2) الحر العاملي ، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : 17 / 241 .
(3) الطبرسي ، مجمع البيان : 2 / 414 .
(4) النحل : 67 .
________________________________________
(94)

بفتحتين ـ اسم لما يكون منه السكر » (1) .
وفي الآية ـ وهي مكية أيضاً كسابقتها ـ تفصيل لما يتّخذه الناس بعامة ـ دون الخواص ـ من النخيل والأعناب ، وذلك على نوعين : ما هو مسكر كالخمر ومشتقاتها ، وما هو من الرزق الحسن كالتمر والخل والزبيب والدبس وسواها .
وتقييد الرزق بكونه حسناً ، إشارة دقيقة يلمحها البلاغي في تحقيقه ، والمتشرع في إستنباطه ، إلى أن هناك ما ليس بحسن وهو السَكَر ، فكأن هناك رزقين رزقاً طيباً وصف بالحسن ، وهو المباح من ثمرات النخيل والأعناب كالتمر والزبيب وسواهما ، ورزقاً غير طيب ، وهو المحرم مما تتخذ منه المسكرات ، فكان بين الاثنين مقابلة في البين . وليس في ذلك أدنى إشارة إلى تحليل المسكرات .
قال الطباطبائي في الميزان « ولا دلة في الآية على إباحة استعمال المسكر ، ولا على تحسين استعماله ، إن لم تدل على نوع من تقبيحه من جهة مقابلته بالرزق الحسن ، وإنما الآية تعد ما ينتفعون به من ثمرات النخيل والأعناب ، وهي مكية بخاطب المشركين ، وتدعوهم إلى التوحيد » (2) .
ثالثاً : وفي عملية لفرز مضار الخمر عن منافعها المتصورة قال تعالى :
( يَسئَلُونَكَ عَن الخَمرِ وَالمَيسَرِ قُلْ فِيهِمَا إِثمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثمُهُمَا أَكبَرُ مِن نَّفعِهِمَا ) (3) .
فبيّن سبحانه وتعالى أن في الخمر والميسر إثماً كبيراً ، والإثم هو الوزر العظيم ، وفيهما أيضاً « منافع للناس » بما يتخيلونه نفعاً من أثمانها في بيعها وشرائها ، وما يتوهمونه من النشوة في شرب الخمر ومعاقرتها ، وما يأخذونه من السحت في لعب القمار ، وما يجدونه من الغلبة حيناً فيها ، وما
____________
(1) الراغب ، المفردات في غريب القرآن : 236 .
(2) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن : 12 / 290 .
(3) البقرة : 219 .
________________________________________
(95)

يتمتعون به من اللهو واللعب والعربدة في الاجتماع عليهما .
إلا أن الله عز وجل عقب على ذلك بقوله تعالى فرقاناً بين الآمرين « وإثمهما أكبر من نفعهما » إذن : ما فيهما من الإثم أكبر مما فيهما من النفع ، وعبر تعالى بأكبر دون أكثر مع العلم أن الكبر يستعمل في قياس الاحجام ، كما أن الكثرة تستعمل في المعدودات ، فإن الملحظ غير هذا باعتبارهما وصفين يتعلقان بالقياس النظري أو التطبيقي « فهما وصفان إضافيان بمعنى أن الجسم أو الحجم يكون كبيراً بالنسبة إلى آخر أصغر منه ، وهو بعينه صغير بالنسبة إلى آخر أكبر منه ، ولولا المقايسة والاضافة لم يكن كبر ولا صغر ، كما لا يكون كثرة ولا قلة ، ويشبه أن يكون أول ما تنبه الناس لمعنى الكبر إنما تنبهوا له في الأحجام التي هي من الكميات المتصلة وهي جسمانية ، ثم إنتقلوا من الصور إلى المعاني ، فاطّردوا معنى الكبر والصّغر فيها » (1) .
وهذا النفع المتصور ينحصر بالمضاربات المالية وما يترتب عليها في البيع والشراء ، وما يصاحب ذلك من العبث واللهو والاسراف في كل من الخمر والميسر ، وكل أولئك منافع على سبيل الحياة الدنيا فهي من المعاني الاعتبارية الزائلة ؛ ولكن الاثم بهما مما يوجب الغضب المطبق في الآخرة ، ويستنزل سخط الباري ، وهذا مما لا يقوم له شيء ، فالأثم إذن أكبر من النفع .
قال الطبرسي ( ت : 548 هـ ) وفي الآية تحريم الخمر من وجهتين : ( أحدهما ) قوله : « وإثمهما أكبر » فإنه إذا زادت مضرة الشيء على منفعته إقتضى العقل الامتناع عنه .
( الثاني ) أنه بيّن أن فيهما الاثم ، وقد حرم في آية أخرى الأثم فقال :
( إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ آلفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغىَ بِغَيرِ الحَقِّ )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *