الرئيسية / مـنـوعـات / بحث عن الأنباط

بحث عن الأنباط

الأنباط

لا شك ان اية منطقة في العالم لايمكنها ان تنتج كل أنواع الغلات الزراعية وتمد سكانها لمختلف المعادن التي يحتاجون إليها في مقومات حياتهم ، لذا بات لزاماً توسيع رقعة التجارة الداخلية نحو الخارج . ولو باستيراد مواد كمالية أحيانا للأسر الموسرة كما قد لا يعني شيئاً لعامة الناس ومع ذلك فان العامل الاقتصادي قد لا يفسر طلب البعض للتجوال والسياحة خارج بلدهم حيث ان روح المغامرة والبحث عن المجهول هو ما يقصدونه للاتجاه نحو العالم الخارجي وعلى اية حال . فان تقوية الروابط الداخلية وتأسيس الدولة الموحدة الدعائم كثيراً ما دفع الحكام الى مغامرات للاستيلاء على طريق التجارة او جلب مواد خام او خام او تصريف البضاعة المحلية المكدسة .
ان البحث في أي عنصر يخص العرب قبل الاسلام يكشف العديد من المتاعب عند البحث السليم للاسباب التالية:
1. قلة التقنيات والمواد المدونة التي وصلتنا على تلك الفترة .
2. عدم انصاف الكثير من الكتاب العرب وخاصة عن الفترة موضوع البحث .
3. تحديد الرقعة العربية قبل الاسلام وتتبع اماكن سكن العرب .
4. تحديد مفهوم مصطلح ( عرب ) بغية التعامل العلمي الموضوعي مع المادة .
ان التـفصيل في اية نقطة سابقة يحتاج الى بحث موسع يعطي للموضوع نظرة شمولية بلا شك بما هو خارج عن صفحات محدودة كهذه .
يعطي مصطلح العرب قبل الاسلام للكثيرين مجالاً للأيغال في الصحاري وبالتالي إضفاء الروح الجافة في التعامل المحلي والاقليمي . لقد اشرت في كتابي (الحضر – العاصمة العربية ) الى ان سبب انعاش العربية قبل الاسلام في الصحراء رغبتهم للأبتعاد عن قوى النفوذ الاجنبي لضمان الاستقلال والحرية بعد ان رأوا ان مدناً عريقة سابقة قد انتهت لوقوعها في ربوع خضراء ومياه دافقة يستمد الأجنبي الدخيل منها العون ليقيت نفسه ويطيل أمد الحصار حولها . ومن ثم فان الموقع الصحراوي لان العربي جبل على حب الرمال والابتعاد عن الحياة المدنية . وعلى اية حال فان وجود جبهتين أجنبيتين في العالم القديم ، بعد زاول القوى الوطنية في الوطن العربي ، قد شجعهم على هذا الاتجاه ، حيث كان اليونان والرومان في الغرب والفرثيون والساسانيون في الشرق . لذا فان الابتعاد عن أماكن كانت موطن قديم للأجنبي يبعدهم عن الاحتكاك بالصراع الدولي جهد المستطاع بما لا ناقة لهم فيه . ومع ذلك فبعد تنامي قوة مملكة تدمر حاولت الملكة زينب ( زنوبيا حسب اليونان ) توجيه ضربات موجعة الى الرومان الا ان المكائد من حولها حالت دون ذلك . ومما لا شك فيه ان التغييرات السياسية بين الكتلتين كثيراً ما اثرت على طرق التجارة والمواد المتاجر بها . من النقاط المهمة التي ينبغي الاخذ بها علاقة مدن العرب الصحراوية بمدن الحضارات القديمة في العراق وسورية وفلسطين وشبه جزيرة العرب حيث كانت تلك الحضارات تطعم المراكز الصحراوية بالكثير من مقوماتها كالسومرية والبابلية والاشورية والكنعانية ، كانت خير عون لمواطن الصحراء او السواحل البعيدة منها للاستمرار في الحياة والنمو كما هو الحال في مدن الخليج العربي مثل البحرين وما كان ( عمان ) اضافة الى مناخها التي يرد ذكرها في المصادر المسمارية ومن ثم فان الحديث عن التجارة ينبغي ان يدرس رقعة الانتشار العربي لممالك ومدن قبل الاسلام يرى انها اوسع من شبه الجزيرة التقليدية التي اطلقت عليها بعض المصادر العربية اسم ( ماروى ) اذا تعدتها الى اجزاء مترامية في بلاد الانضول جنوب جبال طوروس حيث كانت ديار : ديار ربيعة ومضر وديار بكر ، ومن الممالك التي ازدهرت فيها ( اورقة ) ، او الرها ( اديسا ) التي حكم فيها (29) ملكاً عربياً لقبو بـ ( ابجر ) كان من بينهم من عناصر مملكة الحضر .
وفي الوقت الذي تركز فيه على الجانب البري للتجارة العربية الا ان البحري منها شمل الاتجار مع دول قريبة مثل ايران واخرى ابعد كالهند والحبشة . وتشير الخطابات اليونانية واللاتينية ان الصومال كان يحكمه عرب وان التجار العرب كثيراً ما انتشروا في ( رهبنا ) قرب زنجبار ولكي ندلل على مدى اتساع رقعة التجارة العربية ان نصوصاً (معينة ) يمنية كشف عنها في جزيرة ( ديلوس ) اليونانية في البحر المتوسط وكتابات بنفس اللغة وجدت يعود زمنها الى (263 ق .م ) تحمل اسم التاجر العربي ( زيد ريل ) الذي كان يستورد البخور الى المعابد المصرية ومما هو ظريف فيها الاشارة الى انه اصيب بخسارة فادحة في تجاراته مما دفىْ مصر الى انقاذه . واذا كان هذا مع عرب الجنوب فان ( الفينيقين ) الذين سكنو سواحل سورية ، ثم وسعوا رقعة سكنهم الى شمال افريقية ومنها الى اسبانية ، لعبوا دوراً مهما في التجارة العالمية منذ اكثر من (3000) عام ، وقد ازدادت تلك الاهمية بنمو وازدهار دولة ( قرطاجة ) في تونس حيث كان لها اساطيل بحرية مهمة منها التجارية ومنها العسكرية مما جعل الصراع بينها والرومان قائماً لسنين طوال بما يعرف بالحرب ( البونية ) أي الفنيقية . وقد انتشر هولاء الى ارجاء بعيدة في اوربا حيث جلبو القصدير من بريطانيا ، كما استوطنوا اجزاء من فرنسا وتاجرو بانواع السلع المعدنية والفخار اضافة الى المنسوجات واصباغ الارجوان والزجاج ، كما نشروا الخط الهجائي في ارجاء اوربا .
من ممالك العرب قبل الاسلام مملكة النبط التي كانت ( البتراء ) في الاردن عاصمة لها وتقع في وادي صخري شاهق الارتفاع قطعوا في جدرانه واجهات عمادية تزينها الاعمدة والافاريز . وقد جاءنا جانب من اخبارها من القرن ( ق.م ) وقد حكم الانبـاط ملوك منهم عبادة الاول ( القرن الاول ق.م) وثلاثة مشهورين حملوا اسم الحارث .
وقد انتعشت مملكتهم خلال العصر الهلنستي وانتهت عام (106م ) على يد الامبرطور الروماني تراجان .
وامتاز الانباط ببراعتهم التجارية لمرور طرق التجارة بمملكتهم التي تربط بلاد الشام العربية الجنوبية حيث استفادوا من الضرائب التي فرضوها على البضائع ومساعدتهم في نقلها من خلال قوافلهم ، وكميناء بحري كانت ( غزة ) اهم موقع لهم على البحر المتوسط ومن المواد التي تاجروا بها ( الاسفلت ) الذي استخرجوه من سواحل بحر الميني الشرقية لارساله الى مصر حيث استخدمه المصريون في التحنيط . ومن خلالهم كانت صناعات الحديد والنحاس اليونانية تمر الى بلاد الشام واليمن لذا تراكمت لدى الانباط كنوز الذهب والفضة لانتعاش تجارتهم عبر البحر الاحمر ، الى الخليج العربي حيث ميناء ( الجرعاء ) وكذلك المواد الاتية من الهند وايران .
ومع ذلك لم يكن حظ الانباط جيداً على طول الخط حيث سيطر البطالمة الذين حكموا مصر على البحر الاحمر واحتكروا التجارة فيه مما الحق الضرر بالانباط وبغيرهم من العرب مما رفع الانباط الى التحرش بسفن البطالمة واخذ ما فيها .
من الكتاب اليونان الذين تحدثوا عن التجارة العربية ( سترابو ) قبل نحو (2000) عام حيث اشار الى مئة وعشرين سفينة كانت تبحر كل عام الى الهند حاملة المرجان والجواهر اضافة الى المواد الزجاجية لتعود حاملة الحرير والعطور والحشائش وبالمثل الاقمشة الخفيفة التي تنقل عبر صحاري مورعة ووادي الرافدين ومنها الى الغرب . وقد وصف بطلموس ( نحو 170 م ) طريق الحرير الذي ينطلق الذي من انطاكية فيجتاز الفرات ثم اكبتانا في ايران حتى مرفا وبامير
ومن المنطقة العربية كان يصدر القرنفل وعود الهند والصندل الى البيزنطيين ، كما يرسلون الى الصين الكحل الايراني والاحجار السورية الثمينة الطبيعية منها والصناعية وكذلك المرجان واللؤلؤ من البحر الاحمر اضافة الى الاقمشة المنسوجة في الشام ومصر والمخدرات من اسيا الوسطى ومما يوكد الصلات التجارية العربية مع الهند العثور على نقود كثيرة في الهند ترجع الى عهود ما قبل الاسلام وقد اشار ابو عمرو الجاحظ في كتابه ( التبصرة بالتجارة ) الى تصدير العرب للخيل العراب والنعام وشجر جبلي يدعى الانعان والجلود .
ومن المناطق المهمة في شبه جزيرة العرب (حاسو ) و (بازو ) كما جاء في المصادر المسمارية العراقية أي الاحساء ونجد ، وقيل ان ( الجرعاء ) على الخليج قد اشتهرت بتصدير اللبان والبهار الى الهند وأفريقية وذلك في العهود اليونانية والرومانية . وقيل ان تجار بابلين هم الذين أسسوا هذه المدينة بالاصل .
ومن الممالك العربية ذائعة الصيت ( تدمر ) السورية ، التي ورد ذكرها منذ العصر الآشوري الوسيط ( قبل ما يزيد عن 3000 عام ) ، ألا ان شهرة هذه المدينة ازدادت خلال العصر الهلنستي ثم الروماني حيث برز الملك ( اذنية ) وزوجته ( زينب ) او (زنوبيا – حسب مصادر اليونان ) في القرن الثالث الميلادي .
اعتمد التدمريون على التجارة بشكل خاص ، لذا صار التجارو ارباب القوافل اصحاب شأن في حياة المدينة السياسية والاجتماعية وقد ورد كتابة تدمرية باللغتين الارامية واليونانية يعود تاريخها الى (137 م ) فيها ما يخص تنظيم التجارة وتثبيت الضرائب المفروضة عليها اصدرها مجلس سادات المدينة .
ومن ممالك العرب قبل الاسلام ( الحضر ) في شمال غرب العراق ، التي انتعشت حضارتها بين القرن الاول والثالث الميلادي وحكم فيها اسياد بلقب ( مربا ) ثم تاسست الملكية فيها بعد منتصف القرن الثاني وكان من ابرز ملوكهم سنطروق الاول والثاني وعبد سميا ، وقد انتهت عام (241 م ) .
وبالنسبة الى ما يخص التجارة فقد كانت المدينة تقع على احد طريقين بريطانة بين عاصمة السلوقيين ، التي كانت احداها على نهر دجلة قرب المدائن ، وانطاكية السورية في سهل الاسكندونة .
لقد استفادت تدمر باستحواذها على الطريق البري الصاعد من الموانيء التابعة لمملكة ( ميسان ) جنوب القطر الذي يمر ببادية السماوة ثم الى قصر خباز القريب من بلدة كبيسة ومنها يتفرع الى مسلكين احدهما يستمر شمالا الى مدينة (منبج ) على الفرات ومنها الى انطاكية وبلاد الانضول والاخر غرباً الى تدمر ، ثم موانيء البحر المتوسط كما كان هناك ميناء (مسكنة ) – او مشكينو – حيث المصادر الاشورية في منطقة الدجيل شمال بغداد التي كان يتفرع منها طريق اخر يتجه غرباً ثم شمالاً مع الفرات الى مدينة ( منبج ) ومنه الى سواحل المتوسط في رحلة تستغرق اسبوعان .
هذا الى جانب طريق اخر من مسكنه او سلوقية الى اشور وينحرف قبل ذلك الى الحضر مرورا بتل ( عجرش ) على الثرثار الى الجنوب من الحضر بنحو (65 كم ) ، كما كان هناك طريق اخر بمدينة ( سنجار ) شمال غرب القطر نحو سورية .
وعلى اية حال . لم تصلنا مواد مفصلة من قوانين التجارة لمدينة الحضر كما هو الحال مع تدمر . بل كل ما نعلمه انه كان فيها دار للمكوس ، كما ورد في احد النصوص (24) كما ان رخاء المدينة الاستثنائي يؤكد متانة اقتصاد المملكة بالاعتماد على التجارة وغيرها .
وعبر هذا العرض الموجز تتكون لدينا فكرة عن همة العرب في ميادين التجارة خلال الفترة العربية قبل الاسلام . رغم الظروف السياسية والجغرافية الصعبة ، آنذاك .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *