الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / بحث قوى وكامل عن فوائد العلم

بحث قوى وكامل عن فوائد العلم

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

51

بحث عن فوائد العلم

فضل العلم وأهميته


العلم أصل كلِّ شيء، يحرِّر العقول من القيود، يحرِّر العقول من الأوهام، يُدِير حركة الإنتاج، يُدِير عجلة النهضة، يَقضِي على الكساد والفساد، يقضي على أمنيات الشيطان، أساس كل عبادة؛ فلا يمكن أن نصلِّي دون علم، فالصلاة تحتاج إلى عالِم يعلِّمنا كيف صلَّى رسولُنا – صلى الله عليه وسلم – وما يقال فيها وأركانها، ولا يمكن الصيام دون علم، فلا صلاة، ولا صيام، ولا زكاة، ولا جهاد، ولا حج دون علم؛ فالعلم هو الأساس؛ لأن كل شيء يُبنَى عليه، ولكن الإشكالية هنا في العلماء الذين يأخذون فروعَ العلم، ويتركون الأصول؛ فيحدث هدمٌ في الدين؛ لأن بناءه غيرُ مكتمل، فالدين مبني على الأصول والفروع، وعلى ذلك فالعلماء أنواع: منهم الربانيون، وهم المخلصون، ومنهم المخرِّبون يستخدمون علمهم في هدم الدين، وهم أصحاب القلوب الضعيفة، ينظرون إلى العلم على أنه وسيلة للشهرة والنفوذ وجمع المال، ومنهم العلماء السطحيون يأخذون قشور العلم، فيعلِّمون الناس علمًا ناقصًا؛ فتقع مصائب باسم الدين، كما يحدث الآن من قتل للأبرياء، ويتوهم قاتلوهم أنهم على حق، ويرضون الله – تعالى – وهذا ما حدث في قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وأيضًا قتل الخليفة علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وما حدث من فتنٍ كانتْ سببًا في حدوث انشقاقات بين المسلمين مزَّقت الأمة إلى فتات؛ فاستغلها الغرب واليهود، وانتصروا علينا؛ لأنهم لم يجدوا أمة قوية تواجههم، وعلى ذلك؛ فإن العلم لا يؤخذ إلا من العلماء الربانيين؛ حتى لا تحدث فتن وفوضى بسبب أنصاف العلماء، فالعلم الصحيح يأخذنا إلى النصر، فلا نصر بدون علم.

أعداؤنا هزمونا بالعلم؛ فقد وصلوا إلى اختراعات ساعدتْهم في كسر شوكتنا، فالعلم الدنيوي أوصلهم إلى النصر؛ فما بالنا بالعلم الشرعي الذي أُنزل على الرسول – صلى الله عليه وسلم – من عند الله – تعالى – الذي يعلم طبيعة خلقه، ويعلم ما يفيده، وما يضره، وما يوصله إلى الخير؟! ومن الخير أن تنتصر على عدوك، فشريعة الله سبيل إلى النصر، ولكن تحتاج إلى مَن ينقلها بإخلاص وبفقه، فالفقهُ مطلوب من العلماء، فالعالم الفقيه خيرٌ من الذي يعلم بدون فقه، وقد قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: “كيف بكم إذا كثر قرَّاؤكم، وقلَّ فقهاؤكم؟!”، فالعلم حصنٌ للدين، فلا دين بدون علم، فلكل منزلٍ جدران تحصنه من السرقة، وتحصنه من دخول الغرباء، وتحصنه من نظر أصحاب القلوب الضعيفة الذين يَسْعَون لمعرفة ما بداخل بيوت الناس للحديث في أعراضهم، وكذلك العلم يحصِّن الدين من الغرباء والجهلاء وقاطعي الطريق.

فالنصر على اليهود – ومَن عاونهم من أعداء الإسلام – لن يأتي إلا بعلم، نعمل به على جمع قُوَانا التي فرَّطنا فيها، وتنازلنا عن وحدتنا التي قطعتْها أفكار الجهلاء وعلم المنافقين.

وللأسف فإن الشعوب المسلمة اهتمَّت بأعراض من الدنيا لا تُسمِن ولا تُغنِي من جوع، وتركتِ العلم يمحى من أهدافه؛ فوقعتْ في مستنقع الرذيلة والجهل؛ فوصلوا إلى مرحلة متأخرة يصعب العودة منها إلا بنور العلم، والُمحِزن أن المسلمين اهتموا بتعليم أولادهم علوم الدنيا – كاللغات الأجنبية وغيرها – على حساب العلم الشرعي، الذي به تستقيم الحياة؛ فكلما ابتعدوا عن العلم الشرعي ابتعدوا عن دينهم، فيترتب على ذلك الابتعادُ عن حماية الإسلام، فنرى الإسلام يهان ولا تتحرك القلوب؛ لأن القلوب لا تعرف شيئًا عن الدين؛ لأنهم لا يعلمون إلا علوم الدنيا؛ فاهتموا بالدنيا، وتركوا علوم الآخرة، فتركوا الآخرة مع أن الآخرة هي الباقية، قال – تعالى -: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7]، وعلى ذلك ابتعدنا عن الله – تعالى – فتَرَكَنا الله – تعالى – وسط أمم الغرب التي تقطع أواصرنا، وتقطع وحدتنا؛ فرمت ثقافتها الضالة لتندمج مع ثقافتنا، ومن ثَمَّ تمحوها لتهزمنا في عقولنا، ومن ثم تتحكم في حياتنا، حتى إذا جاؤوا بجيوشهم فتحْنا بلادنا لهم، واستقبلْناهم بالورود والأغاني!

إن الأمر خطير جد خطير، وهذا لا يعني ألاَّ نهتم بعلوم الدنيا، بل الأولى أن نهتم بالعلم الشرعي، ثم العلم الدنيوي؛ لأن الشرع هو الأصل، وقد زاد الطين بِلة عندما نرى المسلمين في غياهِب الظلمات، وذلك عندما نجدُهم يرفعون الفسَّاق – من نجوم الفن – فوق الأعناق، وعلى شاكلة ذلك نجوم الكرة، فإذا سألتَ شخصًا وقلت له: مَن هو أسوتك؟ يجيب قائلاً: الممثل الفلاني، أو اللاعب الفلاني؛ فهي إجابة تؤكِّد على أننا انهزمنا بالفعل، فلا نرى مَن يقول: أسوتي العالِم الفلاني، فاهتمَّت الأمة بالتافهين؛ فأصبحت تافهة، لا وزنَ لها أمام الأمم الأخرى، فانهزمنا بأيدينا أولاً قبل أيدي أعدائنا.

إن العلم هو السلاح القوي الذي يعيد لنا ديننا وأرضنا وثقافتنا وعزَّتنا، العلم أرضٌ خصبة لإنباتِ رجال يعرفون ما لهم وما عليهم، من خلال أحكامٍ، وحدودٍ، وأوامرَ، ونواهٍ، هؤلاء الرجال سيكونون قادرين على تغيير هذا الواقع الأليم، وإعادة الانتصارات من جديد؛ كما كان الإسلام أيام العزة، هؤلاء الرجال لديهم القدرة على مواجهة الأفكار الفاسدة، والثقافات الضالة التي تأتي من الأعداء من خلال العلم الصحيح الذي يساعد على تصحيح العقول الفاسدة، وهداية القلوب الضالة، ويمد الإنسان بدلائل الخير والإرشاد، ويفتح لنا مجالات النعيم في الدنيا قبل الآخرة، ويعيننا على قضاء حوائجنا دون إفراط أو تفريط، ويوجِّهنا إلى الطريق المستقيم والقوة المستديمة، ويكشف الحقائق الزائفة للمتكلمين والذين يدَّعون بأن الدين لا يتناسب مع الواقع، ويزعمون أن العقيدة السليمة لا تأتي إلا من العقل والمنطق والمصلحة.

وعلى ذلك كله، فإن العلم هو السبيل لمآربِنا، والتاريخُ خيرُ شاهد على ذلك؛ فعندما كان الإسلام يطبَّق على أرض الواقع حقيقةً لا شعارًا؛ كنا أعز الأمم وأقواها وأشرفها، وكان الأعداء يُغِيرون علينا بكل ما أُوتُوا من قوة، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يحققوا ذرة من أهدافهم؛ فكانوا يحاربوننا بالسيوف والعَتَاد والعُدَّة، ولكن كانوا ينهزمون شر هزيمة، فلم يجدوا إلا العلم ليكون وسيلة لتحقيق مآربهم، وللأسف تحقَّقت بعد أن ضيَّعنا العلم من أيدينا باهتمامنا بتفاهاتٍ وأمورٍ ما أنزل الله -تعالى- بها من سلطان؛ فالعودة إلى الأمجاد لن تأتي إلا بالاهتمام بالعلم الشرعي أولاً، ومن ثَمَّ العلم الدنيوي، وهذا يأتي من خلال رجال مخلصين يأخذون العلم الصحيح كما أنزل، ويقدمونه لطلاب العلم وللأمة بإخلاص؛ لبناء أمة قادرة على مواجهة الشدائد والصعاب والأخطار، ويجاهدون بعلمهم في نصر دينهم؛ لأنه “لا فرق بين المجاهد الذي يسوي خلل قوسه، وبين طالب العلم الذي يستخرج المسائل العلمية من بطون الكتب؛ فكل منهما يعمل للجهاد في سبيل الله، وبيان شريعة الله لعباد الله، بل إن بعض العلماء فضَّله على الجهاد في سبيل الله، والصحيح أن في ذلك تفصيلاً؛ فمن الناس مَن يكون الجهاد في حقه أفضل، ومن الناس مَن يكون طلب العلم في حقه أفضل، فإذا كان الرجل قويًّا شجاعًا مقدامًا، لكنه في العلم بضاعته مُزْجَاة، قليل الحفظ، قليل الفهم، يصعب عليه تلقي العلم؛ فهنا نقول: الجهاد في حقه أفضل، وإذا كان – بالعكس – رجل ليس عنده تلك القوة البدنية، أو الشجاعة القلبية، لكنَّ عنده حفظًا وفهمًا واجتهادًا؛ فهذا طلب العلم في حقه أفضل، فإن تساوى الأمران؛ فإن من أهل العلم مَن رجَّح طلب العلم؛ لأنه أصل، ولأنه ينتفع به الناس كلهم – القاصي والداني – وينتفع به مَن كان حيًّا ومَن يُولَد بعدُ، وينتفع به صاحبه في حياته وبعد مماته؛ كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))، وجميع الناس محتاجون للعلم، الأنبياء وغير الأنبياء كلهم محتاجون للعلم؛ ولهذا أمر الله نبيَّه – صلى الله عليه وسلم – أن يقول: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]؛ فالرسلُ محتاجون إلى العلم والزيادة فيه، وإلى سؤال الله – عز وجل – أن يزيدهم منه، فمن دون الأنبياء من باب أولى”[1].

فالعلم يحتاج إلى صبر ومشقة ومجاهدة نفس، وكل ذلك مثل الجهاد، وبالرغم من كل هذه المشقة إلا أننا نجد أفضل العلماء خرجوا من رَحِم هذه المشقة؛ فكلما زادت مشقتهم زاد علمهم، أما لو جاء العلم سهلاً ميسرًا بدون تعب ووصب؛ لذهب سهلاً بدون تعب ووصب؛ فكما يقول الناس: “الشيء الذي يجيء سهلاً، يذهب سهلاً”؛ فلذلك الإمام البخاري – رحمه الله – بدأ كتاب العلم بذكر باب فضل العلم؛ لأن العلم واسع، ومضنٍ وشاقٌّ ليس بسهل، وتحرير محل النزاع في كثير من المسائل يحتاج إلى صبر بالغ، فتبليغ العلم للناس، والصبرُ على أذاهم ومخالفاتهم، وعلى بلادة المجتمع أحيانًا، كل هذا يحتاج إلى صبر، وتبليغ العلم مع كثرة المناوئين لك، وكثرة الأسفار والترحال، كل هذا يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى مجهود كبير، فلا يدخل فيه إلا مَن يعلم قدره.

والإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: “كفى بالعلم شرفًا أن يدَّعيه مَن ليس بأهله، وكفى بالجهل عارًا أن يتبرأ منه مَن هو فيه”؛ يعني: لو قابلت أبا جهل في الطريق فقلت له: يا جاهل، لاحمرَّ وجهه من الغيظ، مع أن أبا جهل ليس جاهلاً فحسب؛ وإنما هو أبٌ للجهل، ومع ذلك يستنكر أن تصفَه بالجهل، فالوصف بالجهل مرٌّ، كل الناس تدعي العلم في أي فن من فنون الدنيا، حتى لو لم تكن متحقِّقة من هذا العلم، لماذا؟ لأن العلم شرف، فالعلم يرفع صاحبه، يرفع صاحبه حتى في علوم الدنيا، لمَّا يلبس الشخص لباسَ أهل العلم، ويطلبه كل الناس، فإنه يشعر بالعز؛ من كثرة الطالبين”[2].

“وإن للإسلام موقفًا رائعًا من العلم لا يُدَانيه في ذلك دينٌ من الأديان السماوية التي نسخها الله به، يتجلى ذلك في حثِّه على العلم النافع، والترغيب في تحصيله، وما ورد في النصوص من الثناء على العلماء، ووعدهم الرفعة والأجر، وما جاء في الإرشاد إلى سبل تحصيله، والتحذير من التعلم لغير وجه الله – تعالى – وذم مَن لا يعمل به.

ولقد انتشر العلم – في عصرنا هذا – انتشارًا لم يسبقْ له مثيل، وهيأ الله – تعالى -بفضله من الوسائل المُعِينة على البحث والتحصيل ما جعلنا نعيشُ نهضة علمية مباركة – إن شاء الله – فتعلَّم الصغير والكبير، والرجل والمرأة، سواء ما كان في المساجد أو في غرف الدراسات النظامية.

وليس المهم – في نظر الإسلام – هو العلم والسعي في التحصيل، وإنما يراد من وراء ذلك ما هو أهم، وهو العمل بالعلم، وتحويله إلى سلوك واقعي، يهيمن على تفكير المتعلِّم وتصرفاته، وإذا كانت الأموال تقتنَى لإنفاقها، فإن العلم يراد للعمل، ولقد اهتم الإسلام بهذا الجانب العظيم من جوانب العلم، ورتب الأجر والنجاة على ذلك، كما ورد الذم والوعيد لمن لا يعمل بعلمه، وقد أولَى العلماء هذا الموضوع عناية واهتمامًا؛ فمنهم مَن أفرد فيه مصنفًا مستقلاًّ، ومنهم مَن أودعه فصلاً أو فصولاً في مؤلَّفه في موضوع العلم”[3].

“فلا يخفى على كل ذي لبٍّ أن ما من خير وضعه الله – عز وجل – في هذه الأرض إلا وأصله ومادته من العلم، وما من شر إلا وأصله ومادته ومَنْبَته من الجهل؛ ولذلك رفع الله بالعلم العلماء، ووضع بالجهل الجهلاء، وقد جعل الله لأهل العلم من الخير والفضل والمنقبة في الدنيا والآخرة ما لا يخفى؛ فالعلم فضله يدل العقل عليه، والجهل يكفي في بيان ذمه أن الجاهل يتبرأ منه، ويكفي في فضل العلم أن يلتمسه حتى أهل الجهالة:

يُعَدُّ رَفِيعُ الْقَوْمِ مَنْ كَانَ عَالِمًا فوائد العلم space.gif
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْمِهِ بِحَسِيبِ فوائد العلم space.gif
وَإِنْ حَلَّ أَرْضًا عَاشَ فِيهَا بِعِلْمِهِ فوائد العلم space.gif
وَمَا عَالِمٌ فِي بَلْدَةٍ بِغَرِيبِ فوائد العلم space.gif

فلعلماء الإسلام سلطانٌ على الأرواح، تخضع له العامة طواعية ورغبة خضوعًا فطريًّا، لا تَكَلُّفَ فيه؛ لشعورهم أن العلماء هم المرجع في بيان الحق؛ ولذلك جعل الله أهل العلم بالمقام المحمود عنده.

إذا عُلِمَ أن الإنسان لا يمكن أن يَتَعَبَّدَ للهِ – عز وجل – بشيء من العبادات والقُرُبَات إلا بالعلم؛ علِمَ فضله، وأنه ما من خير يعمل به الإنسان إلا لسابق علم، أو أثارة وصلتْ إليه، فَعَمِلَ بما عَلِم”[4].

قال الدكتور عبدالعزيز بن صالح الفوزان:
“إن الأصل في الإنسان هو الظلم والجهل، إلا مَن زكاه الله بالعدل الذي يمنعه من الظلم، والعلم النافع الذي يرفع عنه الجهل، وإن الجهل والهوى هما سببا ضلال الخلق، وبُعْدهم عن الهدى ودين الحق، ولو تأملت في أحوال العاصين المفرِّطين، والمبتدعة الضالِّين، والغلاة الجافين، لوجدتَهم إنما أُتُوا من قِبَل هذين الأمرين أو أحدهما.

والجهل أصل الضلالينِ، وأخطر الشرَّين، وما من أحدٍ يتبع الهوى، ويُعرِض عن الحق والهدى، إلا بسبب جهله بالله وسطوته، وغفلته عن شؤم الذنب وسوء عاقبته.

وفي ظنِّي أن أكثر هؤلاء المذكورين إنما تنكَّبوا الصراط المستقيم؛ بسبب الجهل وقلة الفقه، وضعف البصيرة في الدين؛ فكثير ممَّن يرتكبون الكبائر، ويُسرِفون على أنفسهم بالمعاصي، أو يتساهلون بظلمِ العباد وبخسِهم حقوقَهم – لا يعلمون أن فعلهم هذا من المحرمات الكبائر، وإن عَرَفوا تحريمه من حيث الجملة، فإنهم لا يدركون شناعته وشدة تحريمه، وما يترتب عليه من الإثم والشؤم، والعواقب السيئة في الدنيا وفي الآخرة، فيتساهلون في فعله، ويستهينون بشأنه، ولو عَلِموا ما ورد في هذا المنكر من الوعيد والعذاب الشديد لما ارتكبوه، أو أصرُّوا عليه واستمرؤوه.

فمَن يشرب الخمر مثلاً، أو يفعل الزنا، أو يمارس الغِيبة أو النميمة، لو علم بأضرار هذه المعاصي على القلب والبدن، والدين والدنيا، وما يترتب عليها من العذاب والنكال الأليم، والعقوبات العاجلة والآجلة، لكان ذلك أعظم زاجر له عن اقترافها، أو استمرائها والتهاون بشأنها.

وقد يُؤتَى الإنسان من قِبَل جهله من وجه آخر؛ حيث يظن أن فعله هذا مبارك مشروع، وصاحبه مأجور مشكور، وليس الأمر على ظنه وحسبانه في الواقع، كمَن يظلم كافرًا أو فاسقًا، ويتعمَّد الإساءة إليه بالقول والفعل، وهو يظن أن عمله هذا قربة يرفعه الله بها درجات، ويجهل أن الظلم حرامٌ في حق كل أحد، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، برًّا أو فاجرًا، وأن فعله هذا من الصدِّ عن سبيل الله، والظلم لعباد الله، وكلاهما حرام بنصوص كثيرة في الكتاب والسنة”؛ انتهى.

قال ابن حزم في كتابه الأخلاق والسير:
“لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهَّال يهابونك ويجلُّونك، وأن العلماء يحبونك ويُكرِمونك، لكان ذلك سببًا إلى وجوب طلبه، فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة؟! ولو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء، ويغبط نظراءه من الجهال، لكان ذلك سببًا إلى وجوب الفرار عنه، فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة؟!

لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به، إلا أنه يقطع المشتغِل به عن الوساوس المضنية، ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهمِّ، وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس، لكان ذلك أعظم داعٍ إليه، فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره؟! ومن أقلِّها ما ذكرنا مما يحصل عليه طالب العلم، وفي مثله أتعب ضعفاء الملوك أنفسهم، فتشاغلوا عمَّا ذكرنا بالشطرنج، والنَّرْد، والخمر، والأغاني، وركض الدوابِّ في طلب الصيد، وسائر الفضول التي تعود بالمضرَّة في الدنيا والآخرة، وأما فائدة، فلا فائدة.

لو تدبر العالِم في مرور ساعاته ماذا كفاه العلم من الذل بتسلط الجهال، ومن الهم بمغيب الحقائق عنه، ومن الغبطة بما قد بان له وجهه من الأمور الخفية عن غيره، لزاد حمدًا لله – عز وجل – وغبطة بما لديه من العلم، ورغبة في المزيد منه.

مَن شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه، كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البُر، وكغارس الشعراء حيث يزكو النخل والزيتون.

نشر العلم عند مَن ليس من أهله مفسدٌ لهم؛ كإطعامِك العسل والحلواء من به احتراق وحمى، أو كتشميمك المسك والعنبر لمن به صداع من احتدام الصفراء.

أجلُّ العلوم ما قرَّبك من خالقك – تعالى – وما أعانك على الوصول إلى رضاه.

انظر في المال والحال والصحة إلى مَن دونك، وانظر في الدين والعلم والفضائل إلى مَن فوقك.

العلوم الغامضة كالدواء القوي، يُصلِح الأجساد القوية، ويُهلِك الأجساد الضعيفة، وكذلك العلوم الغامضة تزيد العقل القوي جودة وتصفِّيه من كل آفة، وتُهلِك ذا العقل الضعيف من الغوص على الجنون، ما لو غاصه صاحبه على العقل، لكان أحكم من الحسن البصري، وأفلاطون الأثيني، وبزرجمهر الفارسي.

وقف العقل عند أنه لا ينفع، إن لم يؤيد بتوفيق في الدين أو بسعد في الدنيا.

لا تضرَّ بنفسك في أن تجرب بها الآراء الفاسدة، لتُرِي المشير بها فسادها؛ فتهلك، فإن ملامة ذي الرأي الفاسد لك على مخالفته وأنت ناجٍ من المكاره، خيرٌ لك من أن يعذرك ويندم كلاكما، وأنت قد حصلت في مكاره.

إياك وأن تسرَّ غيرك بما تسوءُ به نفسك، فيما توجبه عليك شريعة أو فضيلة… لا آفة على العلوم وأهلها أضرُّ من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها؛ فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون.

مَن أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتدِ بمحمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به، بمنِّه آمين.

غاظني أهل الجهل مرتين من عمري:
أحدهما: بكلامِهم فيما لا يحسنونه أيام جهلي.
والثاني: بسكوتهم عن الكلام بحضرتي، فهم أبدًا ساكتون عما ينفعهم، ناطقون فيما يضرهم، وسرني أهل العلم مرتين من عمري: أحدهما: بتعليمي أيام جهلي. والثاني: بمذاكرتي أيام علمي.

من فضل العلم والزهد في الدنيا، أنهما لا يؤتيهما الله – عز وجل – إلا أهلهما ومستحقهما، ومن نقصِ علو أحوال الدنيا من المال والصوت أن أكثر ما يقعان في غير أهلهما وفيمَن لا يستحقهما.

مَن طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافقْ في تلك الطريق إلا أكرم صديق من أهل المواساة، والبر، والصدق، وكرم العشيرة، والصبر، والوفاء، والأمانة، والحلم، وصفاء الضمائر، وصحة المودة، ومَن طلب الجاه والمال واللذَّات، لم يساير إلا أمثال الكلاب الكلبة، والثعالب الخلبة، ولم يرافق في تلك الطريق إلا كل عدو المعتقد، خبيث الطبيعة.

منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة، وهو أنه يعلم حسن الفضائل فيأتيها ولو في الندرة، ويعلم قبح الرذائل فيجتنبها ولو في الندرة، ويسمع الثناء الحسن فيرغب في مثله، والثناء الرديء فينفر منه، فعلى هذه المقدمات يجب أن يكون للعلم حصة في كل فضيلة، وللجهل حصة في كل رذيلة، ولا يأتي الفضائل ممن لم يتعلم العلم إلا صافي الطبع جدًّا، فاضل التركيب، وهذه منزلة خص بها النبيون – عليهم الصلاة والسلام – لأن الله – تعالى – علَّمهم الخير كله، دون أن يتعلموه من الناس.

وقد رأيت من غمار العامة مَن يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جدًّا، ورأيت ممن طالع العلوم وعَرَف عهود الأنبياء – عليهم السلام – ووصايا الحكماء، وهو لا يتقدمه في خبث السيرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق، وهذا كثير جدًّا؛ فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله – تعالى”؛ انتهى.

فائدة عظيمة:
أفضل ما اكتسبتْه النفوس، وحصَّلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة – هو العلم والإيمان؛ ولهذا قرن بينهما – سبحانه – في قوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ﴾ [الروم: 56]، وقوله: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11]، وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه، والمؤهلون للمراتب العالية، ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمَّى العلم والإيمان، اللذينِ بهما السعادة والرفعة، وفي حقيقتهما، حتي إن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي به تنال السعادة، وليس كذلك، بل أكثرهم ليس معهم إيمان ينجِي، ولا علم يرفع، بل قد سدُّوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذينِ جاء بهما الرسول ودعا إليهما الأمة، وكان عليهما هو وأصحابه من بعده، وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم؛ فكل طائفة اعتقدتْ أن العلم ما معها، وفرحت: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [المؤمنون: 53]، وأكثر ما عندهم كلام وآراء وخرص، والعلم وراء الكلام، كما قال حماد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر، أو فيما تقدم؟ فقال: الكلام اليوم أكثر، والعلم فيما تقدم أكثر؛ ففرَّق هذا الراسخ بين العلم والكلام؛ فالكتب كثيرة جدًّا، والكلام والجدال والمقدرات الذهنية كثيرة، والعلم بمعزل عن أكثرها، وهو ما جاء به الرسول عن الله؛ قال – تعالى -: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران: 61]، وقال: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ [البقرة: 120]، وقال في القرآن: ﴿ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ [النساء: 166]؛ أي: وفيه علمه.

ولَمَّا بَعُدَ العهد بهذا العلم، آل الأمر بكثيرٍ من الناس إلى أن اتَّخذوا هواجس الأفكار، وسوانح الخواطر والآراء علمًا، ووضعوا فيها الكتب، وأنفقوا فيها الأنفاس؛ فضيعوا فيها الزمان، وملؤوا بها الصحف مدادًا، والقلوب سوادًا؛ حتى صرَّح كثير منهم أنه ليس في القرآن والسنة علم، وأن أدلتها لفظية، لا تفيد يقينًا ولا علمًا، وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم، وأذَّن بها بين أظهرهم؛ حتى أسمعها دَانِيهم لقاصيهم؛ فانسلخت بها القلوب من العلم والإيمان، كانسلاخ الحيَّة من قشرها، والثوب عن لابسه.

قال الإمام العلامة شمس الدين بن القيم: ولقد أخبرني بعض أصحابنا عن بعض أتباع أتباع تلاميذ هؤلاء أنه رآه يشتغل في بعض كتبهم، ولم يحفظ القرآن؛ فقال له: لو حفظتَ القرآن أولاً، كان أولى، فقال: وهل في القرآن علم؟!

قال ابن القيم: وقال لي بعض أئمة هؤلاء: إنما نسمع الحديث لأجل البركة، لا لنستفيد منه العلم؛ لأن غيرنا قد كفانا هذه المؤونة، فعمدتنا على ما فهموه وقرروه، ولا شك أن مَن كان هذا مبلغه من العلم، فهو كما قال القائل:

نَزَلُوا بِمَكَّةَ فِي قَبَائِلِ هَاشِمٍ فوائد العلم space.gif
وَنزَلْتُ بِالْبَطْحَاءِ أَبْعدَ مَنْزِلِ فوائد العلم space.gif

وقد كان علم الصحابة الذي يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين الخرَّاصين؛ كما حكى الحاكم في ترجمة أبي عبدالله البخاري، قال: كان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم، ليس بينهم رأي ولا قياس، ولقد أحسن القائل:

العِلْمُ قَالَ اللهُ قَالَ رَسُولُهُ فوائد العلم space.gif
قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ بِالتَّمْوِيهِ فوائد العلم space.gif
مَا الْعِلْمُ نَصْبَكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً فوائد العلم space.gif
بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ رَأْيِ فَقِيهِ فوائد العلم space.gif
كَلَّا وَلَا جَحْدَ الصِّفَاتِ وَنَفْيَهَا فوائد العلم space.gif
حَذرًا مِنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ[5].فوائد العلم space.gif

قال الإمام الغزالي في كتاب “إحياء علوم الدين”:
“اعلمْ أن المطلوب من هذا الباب معرفةُ فضيلة العلم ونفاسته، وما لم تفهم الفضيلة في نفسها ولم يتحقَّق المراد منها، لم يمكن أن تعلم وجودها صفة للعلم، أو لغيره من الخصال، فلقد ضل عن الطريق مَن طمع أن يعرف أن زيدًا حكيم أم لا؟ وهو بعدُ لم يفهم معنى الحكمة وحقيقتها.

والفضيلة مأخوذة من الفضل، وهي الزيادة؛ فإذا تشارك شيئان في أمرٍ، واختص أحدهما بمزيدٍ يقال: فضله، وله الفضل عليه، مهما كانت زيادته فيما هو كمال ذلك الشيء، كما يقال: الفرس أفضل من الحمار؛ بمعنى: أنه يشاركه في قوة الحمل، ويزيد عليه بقوة الكر والفر، وشدة العَدْو، وحسن الصورة، فلو فرض حمار اختص بسلعة زائدة لم يقل إنه أفضل؛ لأن تلك زيادة في الجسم ونقصان في المعنى، وليست من الكمال في شيء، والحيوان مطلوب لمعناه وصفاته لا لجسمه؛ فإذا فهمتَ هذا، لم يخفَ عليك أن العلم فضيلة إن أخذتَه، بالإضافة إلى سائر الأوصاف، كما أن للفرس فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الحيوانات؛ بل شدة العَدْو فضيلة في الفرس، وليست فضيلة على الإطلاق، والعلم فضيلة في ذاته وعلى الإطلاق من غير إضافة؛ فإنه وصف كمال الله – سبحانه – وبه شرف الملائكة والأنبياء، بل الكيِّس من الخيل خيرٌ من البليد؛ فهي فضيلة على الإطلاق من غير إضافة.

واعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لغيره، وإلى ما يطلب لذاته، وإلى ما يطلب لغيره ولذاته جميعًا، فما يطلب لذاته أشرف وأفضل مما يطلب لغيره، والمطلوب لغيره: الدراهم والدنانير؛ فإنهما حَجَرانِ لا منفعة لهما، ولولا أن الله – سبحانه وتعالى – يسَّر قضاء الحاجات بهما، لكانا والحصباء بمثابةٍ واحدة.

والذي يطلب لذاته، فالسعادة في الآخرة، ولذَّة النظر لوجه الله تعالى، والذي يطلب لذاته ولغيره، فكسلامة البدن؛ فإن سلامة الرجل مثلاً مطلوبة من حيث إنها سلامة للبدن عن الألم، ومطلوبة للشيء بها، والتوصل إلى المآرب والحاجات، وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذًا في نفسه؛ فيكون مطلوبًا لذاته، ووجدته وسيلة إلى دار الآخرة وسعادتها وذريعة إلى القرب من الله – تعالى – ولا يتوصل إليه إلا به، وأعظم الأشياء رتبةً في حق الآدمي السعادةُ الأبدية، وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها، ولن يتوصَّل إليها إلا بالعلم والعمل، ولا يتوصل إلى العمل إلا بالعلم بكيفية العمل، فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم؛ فهو إذًا أفضل الأعمال، وكيف لا وقد تعرف فضيلة الشيء أيضًا بشرف ثمرته؟! وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين، والالتحاق بأفق الملائكة ومقارنة الملأ الأعلى، هذا في الآخرة، وأما في الدنيا، فالعز والوقار، ونفوذ الحكم على الملوك، ولزوم الاحترام في الطباع، حتى إن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولةً على التوقير لشيوخهم؛ لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة، بل البهيمة بطبعها توقر الإنسان لشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها، هذه فضيلة العلم مطلقًا، ثم تختلف العلوم وتتفاوت – لا محالة – فضائلها بتفاوتها.

وأما فضيلة التعليم والتعلم، فظاهرة مما ذكرناه، فإن العلم إذا كان أفضل الأمور كان تعلمه طلبًا للأفضل؛ فكان تعليمه إفادة للأفضل، وبيانه أن مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا، ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، وهي الآلة الموصلة إلى الله – عز وجل… إن هذا أفضل من سائر الحِرَف والصناعات؛ لأن شرف الصناعات يعرف بثلاثة أمور: إما بالالتفات إلى الغريزة التي بها يتوصَّل إلى معرفتها؛ كفضل العقول العقلية على اللغوية؛ إذ تدرك الحكمة بالعقل، واللغة بالسمع، والعقلُ أشرفُ من السمع، وإما بالنظر إلى عموم النفع؛ كفضل الزراعة على الصياغة، وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف؛ كفضل الصياغة على الدباغة؛ إذ محل أحدهما الذهب، ومحل الآخر جلد الميتة؛ وليس يخفى أن العلوم الدينية – وهي فقه طريق الآخرة – إنما تُدرَك بكمال العقل وصفاء الذكاء، والعقل أشرف صفات الإنسان؛ إذ به تقبل أمانة الله، وبه يتوصل إلى جوار الله – سبحانه.

وأما عموم النفع، فلا يستراب فيه؛ فإن نفعه وثمرته سعادة الآخرة.

وأشرف موجود على الأرض جنسُ الإنس، وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبُه، والمعلم مشتغلٌ بتكميله وتجليته، وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله – عز وجل – فتعليم العلم من وجهٍ عبادةٌ لله تعالى، ومن وجهٍ خلافةٌ لله تعالى، وهو من أجل خلافة الله؛ فإن الله – تعالى – قد فتح على قلب العالِم العلمَ الذي هو أخص صفاته؛ فهو كالخازن لأنفس خزائنه؛ ثم هو مأذونٌ له في الإنفاق منه على كل محتاج إليه؛ فأي رتبة أجل من كون العبد واسطة بين ربه – سبحانه – وبين خلقه في تقريبهم إلى الله زلفى، وسياقتهم إلى جنة المأوى”؛ انتهى.

قال أبو الحسن علي الحسني الندوي في كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟”:
“أما ما وصل إليه المسلمون في العلوم الطبيعية والتجريبية، فإنه وإن كان أرقى من العصور السابقة، وأكثر ثروة في العلم والاختبار، إلا أنه لا يتناسب مع فتوحهم الواسعة في دوائر علمية أخرى، ولا يتلاءم مع المدة الطويلة التي تمتعوا بها في التاريخ، ولم يظهر فيها من النوابغ والعبقريين مثل ما ظهر في موضوعات أخرى.

وإن ما خلفوه من كتب في الطبيعيات والكونيات والتجارب العلمية، وإن ما كانت مما استفادتْ به أوربا في نهضتنا، وأقرت بقيمتها، إلا أنها تتضاءل جدًّا أمام هذه المكتبة الهائلة الزاخرة التي أنتجتْها أوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر فقط، فمهما افتخرنا بآثار علماء الأندلس وحكماء الشرق، فإنها لا تعدُّ شيئًا بجانب الإنتاج الغربي الضخم في العلم والحكمة والتجربة والاختبار، لا في الكمية ولا في الكيفية، ولا في الإبداع ولا في الابتكار، ولا في التدقيق العلمي ولا في الإتقان الفني، وإذا أردت أن تعرف مقدار عناية الشرق الإسلامي بالناحية الروحية ونسبتها إلى الناحية العلمية والتجريبية، فقارن بين كتاب الفتوحات المكية للشيخ ابن عربي مثلاً، وبين أكبر كتاب في الطبيعيات والحكمة، تَرَ فرقًا هائلاً في ضخامة المادة والعناية بالموضوع والجهاد في سبيله، وبذلك تعرف ذوق الشرق الغالب عليه.

وقد تنازل العالم الإسلامي – بما فيه العالم العربي – منذ زمن طويل عن مكانته في القيادة العلمية والتوجيه والاستقلال الفكري، وأصبح عيالاً على الغرب، متطفلاً على مائدته حتى في اللغة العربية وآداب اللغة وعلومها، وحتى في علوم الدين؛ كالتفسير، والحديث، والفقه، وأصبح المستشرقون هم المرشدين الموجِّهِين في البحث والتحقيق، والدراسة والتأليف، وهم المنتهى والمرجع والحجة في الأحكام والآراء الإسلامية والنظريات العلمية والتاريخية، وهم الأسوة في النقض والإبرام، وعدد كبير منهم قسوس وإرساليون ويهود ومسيحيون متعصبون، يضمرون للإسلام وصاحب رسالته – صلى الله عليه وسلم – العداء والبغضاء، وللحضارة الإسلامية السخريةَ والاستهزاء، ويخونون في النصوص والنقول، ويحرِّفون الكلم عن مواضعه، ومنهم عدد لم يُتْقِن اللغة العربية، ولم يبرع فيها، وهم يخطئون في فهم النصوص وترجمتها أخطاءً فاحشة، وقد تغلغلتْ أفكارهم ودعاياتهم في الأوساط العلمية الحديثة في العالم الإسلامي، وتجلَّت بصورة واضحة في الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة، وأن الدين قضية شخصية لا شأن له بالمجتمع، وفي الدعوة إلى تغيير مفهوم الدين وأحكام الشريعة الإسلامية على أساس الحضارة الغربية وفلسفتها.. إلى غير ذلك من الأفكار التي يدعو إليها تلاميذ المستشرقين والخاضعون لهم في الشرق الإسلامي.

ولا بدَّ للعالَم الإسلامي من تنظيم العلم الجديد بما يوافقُ روحه ورسالته، وقد ساد العالمُ الإسلامي على العالم القديم بزعامته العلمية، فتسرَّب بذلك في عقلية العالم وثقافته، وتغلغل في أحشاء الأدب والفلسفة، وظل العالم المتمدن قرونًا يفكر بعقله، ويكتب بقلمه، ويؤلف بلغته، فكان المؤلفون في “إيران” و“تركستان” و“أفغانستان” و“الهند” – لا يؤلفون كتابًا له شأن إلا باللغة العربية، وكان بعضهم يؤلف الأصل بالعربية، ويلخصه بالفارسية؛ كما فعل الغزالي في: (كيمياء السعادة).

وإن كانت هذه الحركة العلمية التي ظهرت في صدر الدولة العباسية متأثرة باليونان والعجم، وغير مؤسَّسة على الفكر الإسلامي النقي والروح الإسلامي؛ وإن كانت فيها مواضع ضعف من الناحية العلمية والدينية، ولكنها سادتْ على العالم بقوتها ونشاطها، واضمحلَّت أمامها النظمُ العلمية القديمة.

وجاءتْ نهضة أوربا فنسخت هذا النظامَ القديم باختباراتها ونقدها العلمي، ووضعت منهاجًا جديدًا للعلم والدراسة، كان نسخةً صادقة لروحها وعقليتها ونفسيتها المادية، فلا يخرج منه الطالب إلا وهو متشبِّع بهذه الروح، وخضع العالم مرة ثانية لهذا النظام التعليمي، وخضع له العالم الإسلامي بطبيعة الحال – إذ كان مصابًا بالانحطاط العلمي والشلل الفكري من زمان، وكان لا يجد المَدَد والغوث إلا في أوربا – فقبل هذا النظام التعليمي على علاَّته؛ فهو النظام السائد اليوم في أنحاء العالم الإسلامي.

وكانت نتيجةُ هذا النظام الطبيعية صراعًا بين النفسية الإسلامية – إن كانت لا تزال في الشباب لم تقتلْها البيئةُ – وبين النفسية الجديدة، وبين وجهة الأخلاق الإسلامية ووجهة الأخلاقية الأوربية، وبين الميزان القديم والجديد للأشياء وقيمتها، وكانت نتيجة هذا النظام حديث الشك والنفاق في الطبقة المثقفة، وقلة الصبر ونهامة الحياة، وترجيح العاجل على الآجل، إلى غير ذلك مما هو من طبائع المدنية الأوربية”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *