الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / اقوى بحث عن الاسلام والايمان والاحسان

اقوى بحث عن الاسلام والايمان والاحسان

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

51

بحث عن الاسلام والايمان والاحسان

(جاء سيدي أحمد حدان وهو مقدّم توزر ومعه مجموعة من الشباب وقال لشيخنا إسماعيل الهادفي رضي الله عنه : إنّ هؤلاء الإخوة لهم رغبة في معرفة طريق التصوّف ويريدون النّصيحة منكم، فرحّب بهم ثم ذاكرنا جميعا بقوله)
عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر إبن الخطّاب رضي الله عنه قال:
’’بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن إمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان قال ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم،،(رواه مسلم في كتاب الإيمان).
هذا الحديث هو أصل من أصول الدين وسببه أنّ الـنّبيء صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة عن كثرة السّؤال فأحجموا عن الأسئلة حتى أنّ أحدهم يكون عنده سؤال ويريد أن يسأله فلا يقدر ويتستّر بآخر، فبعث الله سيدنا جبريل عليه السلام لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليسأله وهو يجيبه وذلك ليستفيد الصّحابة بأصول دينهم وأركانه.
جاء سيدنا جبريل عليه السلام كما حكى سيدنا عمر رضي الله عنه على هيأة طالب علم، فمن يطلب العلم يكون على هذه الهيأة حسن الهيأة نظيف الثياب حسن الأخلاق وأن يأتي إلى من يريد أن يسأله في مسائل ذات أهمّية في وقت هدوء ووقت راحته واستعداده لا في حين مشي في الشارع أو حين القيلولة أو…
واستهلّ سيدنا جبريل عليه السلام كلامه بدعوته بإسمه ,,يا محمد،، مجرّد من التعريف، فمن العلماء من قال أنّه فعل ذلك قبل نزول الآية {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} (63 النور). ثم سأله السؤال الأول في الإسلام: أخبرني عن الإسلام، فقال له صلى الله عليه وسلم :’’الإسلام أن تشهد أن لاإلاه إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله وتقيم الصّلاة وتؤتي الزّكاة وتصوم رمضان وتحجّ لبيت الله إن إستطعت إليه سبيلا‘‘.
فأخبره أنّ قواعد الإسلام خمسة: الـنّطق بالشّهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأداء الحج لمن إستطاع إليه سبيلا. فقال جبريل عليه السلام: صدقت، فقال الصحابة: تعجّبنا كيف يسأل ويصدّق لأنّه يتنافى مع العادة فسؤاله يدلّ على أنّه جاهل بقواعد الإسلام وقوله صدقت يدلّ على أنّه عارف بما سأل عنه وهذا ما أثار فيهم العجب زيادة على عجبهم الأول من هيأته التى لا تدلّ على أنّه جاء من سفر مع أنّه ليس من البلد ولا يعرفه أحد منهم .
وبعد ذلك سأله سؤال ثاني بقوله: ’’فاخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره‘‘ وفي رواية ’’وتؤمن بالقدر حلوه ومرّه‘‘. فأركان الإيمان حسب ما أجاب به سيد الوجود صلى الله عليه وسلم هي هذه السّتّة: الإيمان بالله وبما يجب له عز وجل وهي الوجود والقدم والبقاء والقدرة والسمع والكلام، وبما تنزّهت به الذّات العلية من صفات النّقص كالحدوث والفناء والتّعدّد…
ثم الإيمان بالملائكة وأنّهم خلق من نور لا يحصون كثرة ولا يعلم عددهم إنس ولا جان ولا ملك إلاّ الله تعالى وأنّهم معصومون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم أصناف وأقسام وكل له عابدون، قوّتهم التّسبيح والتّقديس والتّمجيد وإذا إنقطع أحدهم عن التسبيح مات فالله كتب الفناء على كل شيء.
وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله على الإطلاق ثم يليه الأنبياء وبعد رتبة الأنبياء رتبة الملائكة ثم أنّ بعض أصناف الملائكة أفضل من بعض .
ثم الإيمان بالكتب المنزّلة وهي شرع الله إلى عباده من عبادات أو معاملات كالتجارة والإجارة والكراء والرّهن والوقف والزواج والطّلاق والنّفقات والحضانة والأيمان والنّذور والمواريث فكلّها من محتويات الكتب المنزّلة وجميعها تضمّنتها الإنجيل والتوراة والزّبور، وجميع ما تضمّنته هذه الكتب الثلاثة تضمّنه القرآن، إذن فالقرآن هو الكتاب الأقدس والأعلى والـنّاسخ لكل ما سبقه ,,وشرعه لا ينسخ حتى الزّمان ينسخ،،.
وكان كل رسول أو نبيء يبعث لقومه خاصّة كما أرسل سيدنا شعيب صلى الله عليه وسلم إلى مدين وموسىصلى الله عليه وسلم لبني إسرائيل ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم رسالته عامّة لجميع الخلق، والخلق مكلّفون بأصول الشريعة وفروعها ومخاطبون خطاب تكليف على وجه الإلتزام وأمّا الملائكة فهم مخاطبون على وجه التّشريف وأراد الله تشريفهم برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكانته عند الله والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
أمّا الإيمان بالرّسل فهو الإعتقاد بأنّ الله أرسلهم إلى النّاس خصوصا وإلى النّاس عامّة كرسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنّ رسالته نسخت جميع الشّرائع الماضية وموجّهة لجميع الخلق جمع فيها جميع ما يحتاجه الخلق من بعثته صلى الله عليه وسلم إلى قيام السّاعة قال تعالى:,,ما فرّطنا في الكتاب من شيء،،(38 الأنعام).
الإيمان باليوم الآخر وهو البعث: أن الخلق يحشرون ويحاسبون من أوّلهم إلى آخرهم ويجازون على أعمالهم التي لم يغادر المولى عزّ وجلّ صغيرة منها ولا كبيرة إلاّ أحصاها إحصاء كتابة، وكل أحد يقدّم له كتابه ويقال له: {إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} (14 الإسراء) قال تعالى: {فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأمّا من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلّى سعيرا، إنّه كان في أهله مسرورا إنّه ظنّ أن لن يحور بلى إنّ ربّه كان به بصيرا} (15 الإنشقاق).
وأنّ الميزان ينصب لوزن الحسنات والسّيّئات ويقف عليه أبو البشر ثم تقع المجازاة للحسنات والسّيّئات بعد وزن الأعمال عمّا قدّموا في دنياهم {فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره} (8 الزلزلة)
الإيمان بالقضاء والقدر هو أنّ جميع ما يجري في الوجود هو سابق في علم الله وهو مقضي به فسبحان من خلق الخلق وأعمالهم وأحصى على المخلوقين أعمالهم وألزم كلّ إنسان طائره في عنقه ,,وكلّ شيء أحصيناه كتابا،،(29 النبأ) فكل أحد له حفظة أحد عن يمينه يكتب الحسنات وآخر عن شماله يكتب السّيّئات، وكل الأعمال سبقت في علم الله وتجري بقضاء الله وقدره في هذا الوجود فلا يفلت شيء من أعمال عباده عن مجرى القضاء والقدر وقضت به إرادته وأنجزته حكمته وقدرته. والخلاصة: أنّ أركان الإيمان ستّة: الإيمان بالله، والإيمان بالرّسل وأنّهم متّصفون بالتّبليغ والفطانة والأمانة والصّدق وأنّهم لايتّصفون بأضدادها فلا يتّصف الرسول بالكتمان ولا بالكذب ولا بالخيانة ولا بعدم الفطانة والبلاهة.
الإيمان بالكتب والإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقضاء والقدر .
وبعد هذا سأله عن الإحسان فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ’’أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك‘‘ وهذا نتكلّم عنه إن شاء الله في جلسة أخرى، وإنّما الذي يتعيّن التّنبيه له هو أنّ أركان الدّين ثلاثة: إيمان وإسلام وإحسان، وهذه التّسميات كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن بعدما دوّن العلم وقع الإصطلاح على تسمية علم الإيمان بعلم التّوحيد لأعظم صفة فيه وهي الوحدانية، أو علم العقائد لتعيّن الإنسان معرفته عقائديا، أو علم الكلام لكثرة البحث والكلام فيه.
ووقع الإصطلاح على تسمية علم الإسلام بعلم الفقه .
ووقع الإصطلاح على تسمية علم الإحسان وهو ربط الصّلة بين العبد وربّه بعلـم الـتّصوّف.
وعندما نتكلّم على الإحسان نبيّن أنّ مسائل الإحسان هي نفسها موجودة في الـتّصوّف ومن الغلط الفادح نفي الـتّصوّف أو اتّهام الصّوفية بالمبتدعة، فالبدعة هي شيء لم يأت به الرسول صلى الله عليه وسلم والتّصوّف علم قد امـتلأت به بواطن الصّحابة ومن تبعهم رضي الله عنهم أجمعين .
حضرنا بمجلس في المدينة المنوّرة فيه جمع عديد من علماء سوريين وغيرهم وكما تعلمون أنّ البعض من سادتنا السّعوديين ينكرون الـتّصوّف ويتّهمون أصحابه بالمبتدعة، فعملنا مذاكرة بيّنّا فيها أنّ الـتّصوّف هو الإحسان ومن أنكر الـتّصوّف فقد أنكر ما جاء به سيّد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم، واقتنع جلّ من كان في المجلس وأخذوا العهد على السّير في طريق الله معنا، فالتصوّف هو الإحسان الـرّّكن الأعلى من الدّين.

قلنا نهى الـنّبيء صلى الله عليه وسلم الصّحابة عن كثرة السّؤال فأحجموا بعد ذلك حتى أنّ أحدهم تتأجّج المسألة في صدره ولا يستطيع أن يسأله عنها، وقد نهاهم عن القيل والقال وكثرة السّؤال، ولو بقي الحال على ذلك لفات الصّحابة ومَن بعدهم كثير من مسائل دينهم وهذا السّبب في مجيء سيدنا جبريل عليه السلام بإذن الله تعالى ليسأل النّبيء صلى الله عليه وسلم عن أركان الدّين ولا يخفى أنّ أركانه ثلاثة: إيمان وإسلام وإحسان لأنّ الأحكام الـشّرعية منها ما هو موجّه إلى القلب، ومنها ما هو موجّه إلى البدن أي الجوارح، ومنها ما هو موجّه إلى الـرّوح. فالمسائل المتعلّقة بالإعتقاديات هي من وظيفة القلب وهو الإيمان، والمسائل المتعلّقة بالعمل وهو التّقلب في ميادين الرّياضة العملية فهي من وظيفة البدن والجوارح وهي الإسلام، والمسائل المتعلّقة بصلة الإنسان بربّه روحيا فهي من وظيفة الـرّوح وهي الإحسان.
وقد كنّا بيّنّا أركان الإيمان السّتّة وبيّنّا قواعد الإسلام الخمسة، ثم سأل جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال له صلى الله عليه وسلم : ’’أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك‘‘ فركن الإحسان بالـنّسبة لبقية الأركان كالرّوح بالـنّسبة للجسد وهو بالنّسبة لتمام الدين كالزّبدة بالـنّسبة للّبن كما أنّ اللّبن لو أزيلت منه الزّبدة زالت منه الـثّمرة المعيّنة الـنّافعة وزال المقصود منه فتبقى صورته صورة لبن ولكن الفائدة المقصودة منه غير موجودة، فهذه الأركان الثّلاثة للدّين هي مترتّبة على بعضها والأصل فيها كلها الإيمان إذ لو لم يكن الإيمان لم يكن شيء من بقية الأركان فالإيمان نسبته من الدّين نسبة البذرة من الشّجرة فإذا إقتلعت البذرة من الأرض كنت اقتلعت الشجرة من أصلها ولم يبق منها شيء، قال تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين}(65الزمر) وقال تعالى: {لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان} (17 الحجرات) إذ لولا الإيمان لم يصحّ الإسلام ولم يتصوّر الإحسان فالإيمان كالبذرة والإسلام كالشجرة والإحسان كالثّمرة فإذا زالت البذرة زالت الشجرة بثمرها ولا يترقّب من البذرة لا أصل ولا فرع ولا ثمرة. والأصل في كون هذه الأركان أركان الدّين هو كون الإنسان مركّب من جسد ظاهري ومادّي ومن قلب باطني ومن روح هي السّرّ السّاري في الذّات كلّها، وسبب وجوده وتكوين الإنسان من هذه الـثّلاث هو أنّ الإنسان خلق ليكون خليفة الله في الأرض، والخلافة الإلاهية تُستمدّ من عوالم ثلاثة وتستوجب من الخليفة أن يكون مساهما في هذه العوالم الـثّلاثة وهي:
عالم الكثائف: الـملـك
عالم اللّطائف: الملكوت
عالم الـنّـور: الجبروت
فهو يشارك الحيوان في عالم الكثائف بمادّته، ويشارك الملائكة بسرّه وروحه ويأخذ من عالم الملكوت بواسطة قلبه فهو ببدنه ملكيا مادّيا وبقلبه في عالم الملكوت لأنّ المضغة إذا كانت صالحة وكانت مرآتها صقيلة تنطبع فيها المشاهدات الملكوتية، وكذلك يساهم في عالم الجبروت والنور بروحه، فهو من حيث البدن مادّي كثيف وأعطاه الله خصائص الحيوانات بالشّهوة المجرّدة عن العقل وهو يشاركها في هذه الخاصّية وله من الغرائز ما في الحيوانات، حكَم بالغة من ورائها، فهو يساهم في مجال الحيوانات ويضرب بأوفر حظّ في مجال الحيوانية، ولهذا كان الجسد مادّي بالضّرورة ، ولماذا كان مادّيا؟
لأنّه سبق في علم الله أن تعمّر هذه الكرة الأرضية بجنس البشر كما عمّرت بقية العوالم بأجناس أخرى ولا يمكن أن تأتي الرّوح من عالمها وتقوم بالتّعمير لأنّها نور ولا يمكن للنور أن يعمل في المادّة فكلّما توجّهه لشيء يحرقه ويجتازه، وكمثال لذلك التّيار الكهربائي لا يمكن له عمل شيء إلاّ بجهاز لذلك الشيء المقصود فلا يمكن له التّبريد إلاّ بآلة التبريد ولا الإنارة إلاّ بجهاز الإنارة، ولا التّسخين إلاّ بجهاز التّسخين، فحين نكيّف الكهرباء في آلات خاصّة يستطيع أن يقوم بكلّ ما نريده {أفرأيتم الـنّار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} (73 الواقعة) تذكرة بنار العذاب والعياذ بالله، ومتاعا للقاصدين ويتجلّى هذا المتاع في كل حين ففي العصور الأولى تجلّى في الدّفء والـطّهي والنّور {لعلّي ءاتيكم منها بقبس أو أجد على الـنّار هدى} (10 طه) وكلّما تقدّمت البشرية اتّسع نطاق المتعة بالنّار حتى وصلنا في زماننا الحاضر لتقريب الواسطة بالـنّار كالطّائرة مثلا ومع ذلك في متعة وراحة وسرعة…
فلو استغنينا عن النّار لم نجد شيئا من ذلك، فالكهرباء كيّفت بإلهام من الله للبشر في إختراع المعدّات التي جعلت الإنسان سيّدا يسيّر الجمادات، وكذلك وجود الرّوح في هذا العالم لا يجدي لأنّها نورانية ولذلك كان النّظام الإلاهي هـيّأ الإنسان وجعله يلد ويتناسل ولا تخرج روح من عالمها لهذا العالم إلاّ للجنين فيخلق لها صورتها لتشعّ فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصّادق المصدوق: ’’إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها‘‘(رواه مسلم والبخاري)
قال تعالى: {ولقدْ خلقنا اُلإنْسان منْ سلالةٍ من طينٍ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا اُلنّطفة علقة فخلقنا اُلعلقة مضغة فخلقنا اُلمضغة عظاما فكسونا اُلعظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك اُلله أحسن اُلخالقين} (14 المؤمنون)
أربعون يوما نطفة ثم أربعون يوما علقة (دم) ثم أربعون يوما مضغة (قطعة لحم بقدر ما يمضغ الإنسان) ثم عظاما ثم يكسوها لحما…
فتأتي الرّوح لهذا العالم جاهزة بكل ما تحتاج إليه من آلات ومعدّات وكل ذلك في الجسد…
عالم الذّرّات والنّواة كعالم الكواكب والشموس.
كل ذرّة من الإنسان تحتوي على درّة لأنّ الإنسان يتكـوّن من مجموعة من الغرائز وما من غريزة إلاّ وتهدف لحكمة بالغة مقصودة من الله في تكوينه، وجعل لكل غريزة أودعت في هذه الـطّينة البشرية غاية مقصودة … (وتكلّم في غريزة الـنّسل كمثال لذلك)
حكم إقتضاها ناموس الكون والبحث في هذه الغرائز يطول .
وجعل الله قـوّتين لهاته الغرائز القـوّة الشّهوية والقـوّة الغضبية لحكم بالغة لا يعقـلها إلاّ العالمون. قال تعالى: {لقد خلقنا اُلإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلاّ الذين آمنوا وعملوا اُلصّالحات فلهم أجر غير ممنون} (6 التين) رددناه أسفل سافلين بسبب تلك الغرائز .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ’’ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب‘‘ (رواه البخاري ومسلم)
كيف يجلس المرء مع الـنّاس ولا يدري في أيّ عالم هو والـصّور تنزل عليه…
قال تعالى: {هل يستو

ي اُلذين يعلمون واُلذين لا يعلمون} (9 الزمر) {لهم قلوب لا يفقهون بها} (179 الأعراف)
كان فلان يقول لي: ((عندي شجرة في مـنّوبة وين يطيح الفال نذوقه))
وبتلك الغرائز تبدأ الروح لا تعرف أين تميل وجعلها الله كالسّائمة في تلك الفترة ومرفوعا عن صاحبها الـتّكليف ولا يؤاخذ على شيء من فعلها فهي كالعجماء.
قال تعالى: {وما كنّا معـذّبين حتّى نبعث رسولا} (15 الإسراء) ومن العلماء من قال: هو العقل فهو الميزان بين الحسن والقبيح والحكم فيهما، ولكنّه لا يصل إلى غايات الأشياء ولا يعلم كلّ الأشياء وإنّما الشريعة هي التي تهديه للصّالح وتنفي عنه الطّالح، فالنّفس تريد أن تجول في الغرائز ولكن العاقل يستشير العقل، والعقل يستنير بنور الشريعة، ولهذا إنقسم الـنّاس إلى ثلاثة أقسام :
قسم سائر وراء الشريعة فهذا ناجح في الدّنيا والآخرة.
وقسم سائر وراء العقل لا يمكن له أن يصل إلى الحقيقة ولهذا كان إتّباع العقل قريب من إتّباع الهوى .
وقسم سائر وراء الهوى كلّ ما تهواه نفسه يميل إليه وما تنفر منه يتركه فهذا خاسر الصّفقة في الدّنيا والآخرة، وبهذا كان الإنسان يشارك الحيوان بمادّته ويشاركها بغرائزه.
وخلق الله الملائكة فخصّهم بالعقل المجرّد عن الشّهوة، فهم أجسام نورانية لهم عقول وليست لهم شهوة ويفعلون ما يؤمرون.
ومن أخبث الـنّاس السّائرين وراء الهوى {ومن أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدى من الله} (50 القصص)
فالإنسان مركّب من خاصّية الملائكة وخاصّية الحيوان فهو بنور العقل ملائكي وبشهوته حيواني، وقد ينزل الإنسان إذا اتّبع الشّهوات إلى الدّرك الأسفل من الحيوانات {إن هم إلاّ كاٌلأنعام بل هم أضلّ سبيلا} (44 الفرقان) لأنّ الحيوان ليس له عقل والبشر له عقل يميّز بين الخير والشّرّ فهو إذن أضلّ من الحيوان إذا اٌتّبع شهواته.
وكذلك يشارك الملائكة بعقله ويسمو به إلى أن يصل إلى مستويات تقف دونها الملائكة وهو ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع سيدنا جبريل عليه السلام في الإسراء.
فالأفضلية لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويليه فيها الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ثم الملائكة عليهم السلام ثم الصّالحين من الأمّة رضي الله عنهم .
ولا يزال الإنسان يسمو حتى يصل إلى درجة لا يصلها الملائكة وله أعمال لا يقدر أحد من الملائكة أن يحصرها ولا شيطان أن يفسدها.
للقــوم سـرّ مع المحبـوب ليـس لـه حـدّ وليـس ســوى المحبـوب يـحصـيــه
بـه تصــرّفهــم فـي الكائـنـــات فـمـــــا قد شـاء شـاءوا ومـا شـاءوه يقـضيـه
إن كنـت تعجــب من هـذا فـلا عجــب للّه فـي الكـون أســرارا تـرى فيـه

وهو غاية الكمّل من الـصّوفية رضي الله عنهم وهو الذي تتشوّف إليه الرّجال وتشدّ إليه الرّحال وتعمل على الوصول إليه بكلّ رخيص وغال.
’’الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك‘‘. إن حرف شرط تتطلّب جواب وجزاء وشأن الجواب أن يكون مجزوما بأن وشأن الجزاء أن يكون مجزوما بأن كذلك ولكن الجزاء هنا وقع مرفوعا فإن لم تكن تراه وهذا ما اُلتبس على كثير من أهل العلم.
ولكنّي أقول: أنّ الشرط تارة يكون ماض وتارة يكون مضارع والجزاء كذلك كقولك: ,,إن جاء زيد فقد جاء عمرو،، وتارة يكون الشرط مضارع والجزاء مضارع كذلك كقولك: ,,إن يجيء زيد يجيء عمرو،، وتارة يتعاكسان الشرط ماض والجزاء مضارع كقولك: ,,أن جاء زيد يجيء عمرو،، فإذا كان الشرط ماض يجوز رفع الجزاء على الأفصح في لغة العرب يقول في الألفية:
وبعد ماض رفعك الجزاء حسن ورفـعـه بعـد مضـارع وهـــن
وشرّاح ألفية ابن مالك لنفس البيت قالوا:ماضي لفظا.
إذا كان الشرط ماض يجوز رفع الجزاء على الفصيح ويجوز كذلك إذا لم يكن ماض ولكن غير فصيح ورفعه بعد مضارع وهن.
والقائل يقول الشرط هنا مضارع ’’فإن لم تكن تراه‘‘ تكن مضارع دخلت عليه لـم حرف نفي وجزم وقلب أي تنفي المضارع وتجزمه وتقلب معناه .
ولهذا كان المضارع بعد إن فعل شرط وتراه جواب شرط وكلاهما على الفصيح.
فـإن لـم تـكــن فإذا فنيت عن مادّتـك وتلاشيت عن وجودك واضمحلّت ذاتك في أنوار القدم فإنّك تــراه ورؤية الله عزّ وجلّ جائزة يقول صاحب الجوهرة :
ومنـه أن يـنـظـر باُلأبـصـار لكـن بـلا كيـف ولا اِنحصار
ففي عقيدتنا أهل السّنّة أنّ الله نراه بالأبصار أمّا في الدّنيا فقد ثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ليلة الإسراء بالذّات والروح رأى المولى ولا شكّ فيها قال تعالى: {ما زاغ البصـر وما طغـى} (17 النجم) والذين ينفون حالة الرؤيا سيستدلّون بقوله تعالى: {لن تراني} ولكن هنا لن تراني الرؤيا الوهمية التي هي في عقلك ياموسى والتي هي بالعين والحصر والمكان، فعندما تجلّى دكّ الجبل وخرّ موسى صعقا ولسان حاله يقول: ,,سبحانك وأقدّسك وأتوب إليك عمّا كنت أعتقده من أنّك ترى على النّسق الذي نرى به الأشياء،،
وعندما يتجلّى الله عزّ وجلّ يوم القيامة نراه إن شاء الله لكن بلا كيف ولا حصر ولا بمكان ولا بزمان، منزّه عن كلّ شيء وهذا ثابت للمؤمنين باُلأحاديث، والنبيء صلى الله عليه وسلم منحه الله قوّة بأن يرى ولا يتغيّر ولا يزيغ بصره برؤية الحقّ .
’’فإن لم تكن تراه‘‘ في كلّ جارحة عين أراك بها مـنّي وفي كلّ عضو للـثّناء فم
وهذا المقام يدريه من يصل إليه ويراه شيئا عاديا لا خلاف فيه ولا ظنّ كما أنّه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى: ’’فإن لم تكن تراه فإنّه يراك‘‘ ولكن الكيفية الموصّلة للتّلاشي في أنوار القدم هي الطّريقة التي يسير عليها الصّوفية من الرّياضيات والتّقلّبات في ميادين الطّاعة .
و اُفـن إن شئت فنـاءا سرمدا فالفـناء يدنيك من ذاك الفـِنـاء
أمّا من لم يذق معنى الـتّصوّف ولم يسِر فيه فهذا بعيد عنه اعتقادا فضلا عن المشاهدة والعيان، فالإحسان هو نفسه الـتّصوّف بحيث أنّ ركن الإيمان هو التوحيد وركن الإسلام هو الفقه وركن الإحسان هو الـتّصوّف.
ثم سأله عن السّاعة، فأجابه صلى الله عليه وسلم : ’’ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل‘‘ وهذا نصيب المذاكرة الآتية إن شاء الله.
جزى الله عـنّا سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أهله بلّغ الرّسالة وأدّى الأمانة ونصح في الدّين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الـطّبين الطّاهرين الأكرمين، سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد للّه ربّ العالمين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *