الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / اقوى بحث عن منهج التعامل مع أهل البدعة في وقت الفتنة

اقوى بحث عن منهج التعامل مع أهل البدعة في وقت الفتنة

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

57


إن العلم بأصول التعامل مع أهل الافتراق عن منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورةٌ يفرضها وجود هذه الفرق ويحتمها ما يترتب على أسماء الدين وأحكامه من حقوق وواجبات شرعية يأثم المرء بتعطيلها فضلاً عما يصيبه من ضنك العيش بالتفريط فيها، ولئن كان الحال كذلك في أوقات الأمن والاستقرار فإنه في حال الفتنة والمحنة آكد، ويدرك هذه الأهمية من أدرك معنى قوله صلى الله عليه وسلم:”بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا”(صحيح مسلم) وإنما ذلك لعِظم الفتن، وتأمل أمراً لطيفاً في هذا الحديث وهو شك الراوي في قوله (أو) وكأن معنى الحديث قد أذهله بالفعل لما فيه من عظيم الخطر، فتأمل.

إن قضية التعامل مع أهل البدع تفرض نفسها اليوم في واقعٍ من الفتنة التي يمكن تصويرها من خلال سياقين مؤلمين تعيشهما أمتنا الإسلامية؛ فأما السياق الأول فهو استباحة بيضة بلاد الإسلام استباحةً علنيةً لا لَبس فيها وضابط ذلك وجود الكافر الحربي في ديار الإسلام وجوداً علنياً سافراً، وأما الثاني فهو استشعار بلدٍ أو مجتمعٍ مسلم تربُص الكافر الحربي به للانقضاض عليه واستباحة أراضيه وأمواله ودمائه وأعراضه، والمصيبة المشتركة بين السياقين في واقعنا المعاصر تتمثل في غياب الإمامة الشرعية الصحيحة عن الساحة السياسية للأمة، تلك الإمامة التي يناط بها عادةً المرابطة على ثغر الأمة العقدي من جهة وحماية كيان الأمة السياسي من جهة أخرى، مما يفرز تساؤلات عديدة حول الأولويات والحاجات المفتقر إليها لتحقيق أمن العقيدة ووحدة الصف السياسي للأمة حيث إن نفس هذا الكيان الحسي للمجتمع أو البلد أصبح مهدداً بالخطر في هذين السياقين. وأعتقد أن خارطة الأمة الإسلامية من الوضوح بمكان من جهة تحقق هذه السياقات على أرض الواقع بحيث إني سأعمم القول قدر المستطاع ليُتمكن تنزيله على ما يستجد من وقائع مماثلة وحتى لا نحصر تنزيل أصول وقواعد هذا المنهج في جزئيات ميدانية قابلة للتبدل فيقع الوهم واللبس.

إذا عُلم هذا فلا بد لنا قبل الخوض في غمار هذا الموضوع الخطير من أن نقرر جملةً من الثوابت المتعلقة بالموضوع وإن بدا بعضها بدهياً، فالغرض هنا تقريرها حتى نتحاكم إليها فيما يفرضه الواقع من متغيرات وجزئيات متبدلة فتكون عوناً لنا على الاستنارة حيث تدلهم الخطوب، فربِّ يسِّر وأعن:

القاعدة الأولى: إن الافتراق أمر ثابت في هذه الأمة لا يجدي جحوده ولا يقلل من خطره إنكاره: والدليل على ذلك قوله تعالى في القرآن الكريم:” ومن يشاقق الرسولَ من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونُصلِه جهنم وساءت مصيراً”(النساء- 115)، فهذا أصلٌ في الافتراق المنهجي العلمي، وقوله تعالى :”والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قومٍ بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير”(الأنفال 72)، فهذا أصل في وقوع المفارقة الحسية ابتداءً، وقوله تعالى :” فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله”(الحجرات-9)، فهذا أصل في وقوع المفارقة بعد وجود الاجتماع فهو افتراق طارئ، فاتفق لنا ثلاث صور من المفارقة هي : المفارقة المنهجية وضابطها الاجتماع المنهجي على أصلٍ بدعي مخالف لمنهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والمفارقة الحسية الأصلية بترك اللحوق بالجماعة ابتداءً وضابطها التخلف عن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام مع القدرة عليها، والمفارقة الحسية الطارئة وضابطها البغي على إمام مستقر بتأويل أو شبهة، وقد يجتمع الافتراق المنهجي والحسي فتصبح للفرقة المجتمعة على أصل بدعيٍ أو أكثر شوكة تهدد الأمنين العلمي والسياسي لجماعة المسلمين. وكل هذه الصور موجودة اليوم على مدى الخارطة الإسلامية نسأل الله السلامة والعافية.

القاعدة الثانية: خطر الافتراق علميٌ منهجي أو عمليٌ سياسي وقد يجتمعان:
وإن أهمية التمييز بين أنواع الافترق المذكورة آنفاً تتمثل في معرفة مناط الخطر من هذا الافتراق أهو الأمن العقدي العلمي الذي يُخشى أن يفتتن الناس به في دينهم أم هو الأمن الحسي الجماعي الذي يُخشى أن يتخطف به الناس من أمنهم واستقرارهم. فهذا الافتراق ليس مسألة جماعة من الناس اختارت لنفسها رأياً أو طريقاً خاصاً يحتمل السكوت عنه تحت تأثير وَهم حرية الرأي والتعبير، وإنما هو خطر حقيقي يضر بأمن المسلمين علمياً وعملياً؛ فأما الضرر العلمي العقدي فهو ما يدخل على قلوب المسلمين من شبهات تشكك في العقيدة وتنكت النكت السوداء في القلب، ولقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة هذا المسلك حين مارسه طائفة من أعداء الدين الأصليين حين كانت الدعوة في مهدها، تأمل معي قوله تعالى:” وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون”(آل عمران – 72)، وهكذا أهل الافتراق البدعي يوهمون الانتساب إلى منهج الحق والسير على الصراط المستقيم ويحشدون في التدليل على ذلك حشود متشابه القرآن والسنة الموضوعة إن أعياهم تأويل الصحيحة، فإذا هم يضللون ويلبسون على الناس دينهم لعل الناس يرجعون عن جادة الحق ويتبعون سُبُل أهل الأهواء، واعلم أن الغالب في منهج أهل الفرقة والهوى هو لَبس الحق بالباطل كما كان منهج الأمة الغضبية والضلالية أعني اليهود والنصارى حيث قال تعالى:” يا أهل الكتاب لم تَلبِسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون”(آل عمران 71)، وأما الضرر العملي فحسبك عليه منبهاً قوله تعالى :” والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب اللهَ ورسولَه من قبل وليحلِفُنَّ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون”(التوبة – 107)، وتأمل حولك اليوم لترى كم من مساجد الضرار وكم من هيئات الضرار وكم من فتاوى الضرار يطلع علينا بها عُبَّاد الأهواء من المنظرين لجماعات الافتراق والتفريق الذين قطَّعوا الأمة إرباً إرباً تحت شتى رايات البدع والضلال، فتأمل. وإذا عجبت فالعجب لا ينقضي ممن يكيل التهم لأهل الحق ويتهمهم ببذر بذور الفتنة والشقاق حين ينبهون أهل الأهواء من غفلتهم أو يفضحونهم حين يصرون على ما هم سادرون فيه، ويتجاهل عمداً أو سهواً الإنكار على المتسبب في وقوع الفرقة أصلاً فمثل هؤلاء كمثل من ينكر على من صاح على القاتل ولا ينكر على القاتل نفسه، فتأمل. وأما اجتماع الخطرين فيحدث حينما تكون لأهل الافتراق المنهجي شوكة تعكر على جماعة المسلمين صفو دينهم وأمنهم، ولعل الطامة الكبرى تكون حين يلجأ بعض أهل الفرقة والهوى اليوم إلى التماس الشوكة من أعداء الإسلام المتربصين كجحافل الصليب المستأسدة فيرتمون في أحضانها طلباً للشوكة والمنعة ويتجاهلون استحالتهم أدوات طعن في جسد هذه الأمة التي تزعمون الانتساب إليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

القاعدة الثالثة: أتباع منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمتحنون الناس:
قال الله تعالى :” يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا”(النساء -94)،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تُخفروا الله في ذمته”(صحيح البخاري)، قال الحافظ ابن حجر في شرحه :” وفيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر , فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك”، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:”وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور الحال باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فمن قال : لا أصلي جمعة ولا جماعة إلا خلف من أعرف عقيدته في الباطن فهذا مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم والله أعلم”(مجموع الفتاوى4/331)
فالحاصل أن أتباع منهج الصحابة يأخذون بظواهر الناس التي قررها الشرع ولا ينقبون عما في قلوبهم ولا يمتحنون الناس بسؤالهم ماذا تقول في كذا وماذا تعتقد في كذا، وإنما هذا التفتيش والامتحان مسلك أهل البدع لأنهم محتاجون إلى هذا القمع حيث أعوزهم الدليل الشرعي والحجة العقلية، وهذا كله حيث بقيت هذه البدع مستورة في قلوب حامليها فلا ينقب عنها، أما إذا أظهر أهل البدعة بدعتهم فذاك مقامٌ آخر من حيث الإنكار الشرعي بضوابطه المعروفة.

القاعدة الرابعة: توعد أهل الافتراق والبدع بالنار لا يستلزم كفرهم :
وهذا مما ضل فيه كثير من الخلق حيث نظروا إلى ظاهر قوله صلوات الله وسلامه عليه في حديث افتراق أمته :” كلها في النار إلا واحدة” فهالهم أن تكفر – بزعمهم – اثنتان وسبعون فرقة من أمته صلى الله عليه وسلم ولا تنجو من الكفر إلا فرقة واحدة، والحق أن ذكر النار في الحديث من باب الوعيد، والوعيد كما أنه يصح لأهل الكفر يصح لعصاة الموحدين وأصحاب الكبائر من أهل القبلة، فإذا عُلم هذا فليعلم كل مسلم أن أهل النجاة هم أتباع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهم وتطبيق الكتاب والسنة، وكل من عداهم قد سلكوا من الضلال مسلكاً قد يقف بهم عند حدود المخالفة والفسق فيكون وعيدهم بالنار من جنس وعيد عصاة الموحدين من أصحاب الكبائر، وقد يفضي بهم مسلك الضلال إلى مهالك الكفر فيكون وعيدهم بالنار من جنس ما وعد الله تعالى به الكفار والمشركين والمنافقين، وبهذا التفريق والتمييز يندفع الإشكال المتوهم من أن أتباع منهج السنة والجماعة يكفرون غيرهم من المنتسبين إلى القبلة، ولهذا فإن من أهل الفرق والأهواء من يشبه حاله حال شارب الخمر أو مرتكب الزنا فيُنظر إليه بعين الشفقة بغية استنقاذه مما هو فيه، وهؤلاء أيضاً على مراتب بل قد تجد في بعضهم من الحب والحمية للدين ما لا تجده عند غيره من أصحاب الانتساب الصحيح للمنهج مع قصور في الهمة أو الحمية للدين، ولعلك تجد أوضح مثال ٍ على ذلك أن الإمامين الجليلين البخاري ومسلم قد خرَّجا في صحيحيهما لبعض من رُمي بشيء من البدعة لا يكفر بها أعيانهم وما ذلك إلا لما تحققوا فيهم من الصدق والأمانة في الدين بحيث إنه أهون على أحدهم أن يشق نصفين من أن يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقابل هؤلاء يجب الحذر من الزمرة الثانية من أهل البدع والأهواء الذي هوت بهم ضلالاتهم في أودية الكفر السحيقة وأرادوا أن يُردوا معهم فئام من أمة التوحيد، وهؤلاء على الجملة هم المنظِّرين والمقعِّدين لهذه الضلالات وهم رؤوسها وكبراؤها وكُتَّابها ودعاتها، وإلى أمثالهم يتوجه جهاد البيان وقد يرى الإمام إعمال السيف في رقاب بعض منهم كما أمر بذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم في بعض رؤوس الكفر ممن طعنوا في الإسلام وفي النبي صلى الله عليه وسلم فكان قتلهم لأجل هذا الطعن والفتنة التي أحدثوها لا لمجرد الكفر الذي تلبسوا به، فتأمل.

القاعدة الخامسة: مكافحة أهل الأهواء والبدعة والفرقة علمية وعملية :
وهذا مهم جداً ويدور مع طبيعة الافتراق الحاصل كما بينا في القاعدة الأولى، فحيث كانت الفُرقة علمية منهجية كانت مجاهدتها بالحجة والبيان، وحيث كانت الفُرقة عملية حسية كانت منازلتها بالشوكة والسنان، ولا يستلزم القتال والقتل في الأخيرة تكفيراً ولا خروجاً عن الملة وإن كان يحتمله بحسب حال الأصل البدعي المفارَق عليه؛ ولعل بعض الأمثلة التاريخية توضح هذا الأمر ؛ فمكافحة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه للخوارج انطوت على شق علمي حيث بعث إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ليناظرهم ويخاصمهم بالحجة وكانت أقوى حججه عليهم أنهم ليس لهم سلف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذهبوا إليه من تكفير أهل الكبائر، وشق عملي تمثل في مقاتلة من أصر منهم على استباحة دماء المسلمين ببدعتهم هذه فكان قتاله إياهم من جنس قتال أبي بكر الصديق للمرتدين كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء الخوارج :” لئن أنا أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد”(صحيح البخاري)، ثم تأمل في قتال أبي بكر الصديق رضي الله عنه للمتنعين عن الزكاة فمنهم من امتنع جحوداً بها فكان قتالهم لردتهم، ومنهم من أقر بها ولكنه تأول عدم استحقاقها لغير الرسول صلى الله عليه وسلم فقاتلهم لامتناعهم لا لكفرهم وهو ما يُعرف في فقه السياسة الشرعية بقتال الطوائف الممتنعة، فتأمل هذه الفروق الدقيقة وهذه التنوعات المسلكية في مكافحة البدعة والفرقة. وهنا أمر تجدر الإشارة إليه وهو أن هذا التنوع المسلكي في مكافحة البدع والأهواء يعني أن أهل الحق لا يعدمون في وقت من الأوقات طريقاً لمكافحة البدعة وقمعها إن بالسنان تحت راية إمام وشوكة فبها ونعمت، وإن باللسان وقفةً حنبليةً ينصر الله بها الدين فبها ونعمت، والحاصل أنه ليس لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم أن يضعوا السلاح في وجه البدعة والأهواء ما تعاقب الليل والنهار، فتأمل.

إذا عُلم ما تقدم فإن منهج التعامل مع أهل الفرق والأهواء الذي تقدمت بعض معالمه إنما ينطبق في أكمل صوره على حالة الاستقرار السياسي العقدي للأمة بحيث يكون للأمة إمام تقوم به شوكة الدين ويعلو به عَلَمُ السنة، أما والحال كما ذكرنا من سياقات ضاعت فيها الإمامة الشرعية واستباحت بيضةَ الدين فيها جحافلُ الحربيين الكفرة في جزء من بلاد الإسلام وتربصت جحافل أخرى بما تبقى منها، فكيف يكون مسلك مكافحة البدعة والفرقة، وأين أولوية قتال أهل الافتراق حفاظاً على أمن الأمة السياسي من قتال جحافل الكفر التي تتهدد الكيان السياسي للأمة برمته؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تقوم على أساس التمييز بين ما يختص بالثوابت العقدية الراسخة القائمة على التوقيف المطلق وبين ما يتعلق بفقه السياسة الشرعية القائم على أساس موزانة المفاسد والمصالح درءاً وجلباً على الترتيب. والأصل فيما سنعرض له من معالم هذا المنهج يقوم على التفريق بين مقام النهي في قوله تعالى :” فلا تطع المكذبين. ودوا لو تُدهن فيدهنون”(القلم – 8-9)، وبين مقام الرخصة في قوله تعالى :” إلا أن تتقوا منهم تقاة”(آل عمران -28)، إنه التفريق بين مقام المداهنة المنهي عنها شرعاً ومقام التألف والمداراة المرخص به شرعاً ، وفيما يلي تقرير بعض معالم منهج التعامل هذا :

أولاً: لا مداهنة في مسائل الاعتقاد:
إذ أن الغاية من كل ما نجاهد لأجله هو الحفاظ على هذا المعتقد، وكل ما نسعى إلى تحقيقه من الاجتماع الحسي السياسي وإقامة قلعة الإسلام وأمة الإسلام إنما هو من جنس الوسائل، وإنه لمن السفه بمكان أن نفرط في شيء من المقصد وهو مجموع مفردات العقيدة بحجة المحافظة على وسائل حمايتها، تأمل معي حديث حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ولَيُسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها. فقال له صلة (وهو راوي الحديث) : ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثاً”(ابن ماجة – كتاب الفتن وصححه الألباني رحمه الله)، والشاهد هنا أن كلمة التوحيد هذه هي مناط النجاة ولو انفرط عقد الجماعة ولو ضاعت معالم الأمة بحيث لم يبق منها إلا أطياف من البشر متناثرين هنا وهناك، ولن تجد نصاً في الكتاب ولا السنة يشير إلى مجرد اجتماع الناس في صورة أمة أو جماعة أو دولة يحقق لهم النجاة بمنأى عن العقيدة، ولهذا يجب أن يستقر في أذهاننا أن مفردات العقيدة ثوابت راسخة لا يصح أن تكون مجال مداهنة أو تنازل مهما كانت الحجة والمبرر كالتذرع بالمحافظة على الجماعة وعدم تشرذم الأمة ونحو ذلك مما يسمى المصلحة الوطنية والوحدة الوطنية، واعلم أنه مهما أمكن الموزانة بين تحقيق الاجتماع الحسي والسلامة في المعتقد فقد وجب ذلك، وأنه مهما ألجأ الواقع إلى التفريط بأحدهما دون الآخر فلا مندوحة عن تفويت كل ما عدا ثوابت العقيدة في سبيل الحفاظ عليها، وتأمل معي كلام الله تعالى حكايةً عن إنكار موسى عليه السلام واقعَ الشرك الذي تلبَّس به بنو إسرائيل :” قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا. ألا تتبعنِ أفعصيت أمري. قال يا ابن أمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرَّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي”(طه 92-94) فها هو نبي الله هارون عليه السلام يرجح كفة الاجتماع ويحاول قدر الإمكان استيعاب بدعة الشرك التي جاء بها السامري، ولربما عذر موسى عليه السلام لأخيه هارون عليه السلام اجتهاده ولكنه لم يقره عليه البتة حيث انصرف للتو يطهر هذه الجماعة من رجز الشرك ولوثة العقيدة ، تأمل :” قال فما خطبك يا سامري. قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضةً من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي. قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعداً لن تُخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنَّه ثم لننسفنه في اليم نسفاً. إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً”(طه 95-98)، فلم يراعي موسى عليه السلام أمام تهديد أمن العقيدة أي شيء آخر فالسامري صاحب فكرة وأتباع يُخشى بمجابهته انفراط عقد الجماعة ولكن إذا تعين ذلك لحفظ العقيدة فلا ضير، والعجل له عُبّاده ومريديه (وما أكثر عجول اليوم) وربما أدى تحريقه إلى انفراط عقد الجماعة ولكن لا ضير، صلوات الله وسلامه على كليم الله ما أشد غضبه للحق وفي الحق وبالحق، ألا فليعلم كل مسلم أن لو استلزم الأمر التضحية بكل سامري وخسارة كل عابد عجل في مقابل تحقيق أمن العقيدة ألا فليكن، ألا ولبئس الجماعة التي تحتضن شاكلة السامري وأتباعه بل أي معنى يبقى للجماعة إذا كان مدار تأليف القلوب الإقرار بالشرك بالله أو السكوت عليه على أقل تقدير…

ثانياً: المداراة مشروعة لدفع الضرر ودرء المفسدة فتقدر بقدرها:
وهذا من أبجديات فقه السياسة الشرعية، ولتعلم أن الضابط في مشروعية المداراة غياب شوكة أهل الحق، وأن الضابط في حد المداراة ومداه ما يندفع به الأذى والضرر عن جماعة المسلمين فحسب، فتنبه لهذا فإنه دقيق جداً، وبالغفلة عنه ينجرف البعض في تيارات المداهنة والتمييع والملاطفة ليصبح حاله حال من غصَّ فكاد يختنق فشرعت له شربة خمر متعينة لتذهب غصته فإذا به يسترسل في زجاجة الخمر سادراً متمتعاً! والحاصل أنه لا يجوز أن يتحول الإذن بالمداراة المرتبط بالضرورة الملجئة إلى مجال تنازل عن شيء من الثوابت العقدية التي إنما فارق أهل البدعة أهلَ السنة بتركها، ففرق بين أن تداري وتتألف قلوب فرقة ضالة لها شوكة يُخشى أن يتضرر منها جماعة المسلمين وبين أن نلغي هذه الأسس العقدية التي افترقنا عليها ونعلن للناس أنه اختلاف بسيط لا يفسد للود قضية وأن التقارب والتقريب بين الفريقين مشروع بل مطلوب بحجة وحدة الصف، وحسبك مثالاً واضحاً اليوم ما تزل به أقدام العديد من حملة العلم المنتسبين إلى السنة من الإعلان بمشروعية ومندوبية – بل ربما وجوب – التقريب مع أهل الرفض ولا أعني بأهل الرفض عوامهم بل منظريهم وعلماءهم وسادتهم ممن يعلمون حقيقة الفساد العقدي الذي يُضلون الخلق به. وقريب من هذا المجال من يتمادى مع منظري وكبراء العلمانية بحجة وحدة الصف الوطني ثم يتخذ من مشروعية المداراة ذريعة لذلك، وغفل هؤلاء أو ما دروا أن هذه المداراة ما شُرعت إلا حيث تعينت طريقاً للحفاظ على سلامة أهل السنة باعتبارهم حملة منهج الحق لا باعتبار ذواتهم وأشخاصهم، فمهما أفضت المداراة إلى تمييع منهج الحق أو تضييع شيء من ثوابته لم تعد مشروعةً البتة، وهذا كله يعود إلى الأصل القرآني فيما أبيح للضرورة حيث قال تعالى:” فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه”(البقرة – 173)، فمن تجاوز المدارة إلى المداهنة فقد بغى واعتدى وخرج عن حد الإباحة قولاً واحداً. ثم اعلم رحمك الله أن مبدأ المداراة يقوم في الجملة على ترك الاستعداء وترك الإعلان بالعداوة والبغض في الله لما كان يفضي إليه من منكر أعظم هو الضرر المترتب على ذلك، وهذا يحتاج منك أن تستحضر مراتب إنكار المنكر وتدرك أنه مهما أفضت مرتبة إلى حصول منكر أعظم من الذي تنكره صير إلى مرتبة الإنكار الأدنى حتى تقف عند الإنكار القلبي وهو متعين، ففي حين يشرع قتال الإمام للطوائف الممتنعة والباغية والمفارقة للجماعة في حال الأمن والاستقرار والشوكة فإنه لا يشرع في حال انفراط عقد الجماعة أو انشغاله بما هو أولى من قتال كافرٍ أصلي محارب وصائل ونحوه، وفي حين يشرع استحلال أعراض أهل البدع والفرقة بالتشهير بهم في زمن الأمن وظهور السنة تحذيراً للناس منهم فإن الإعلان بذلك في زمن الفتنة والهرج قد يفضي إلى إراقة الدماء وسفكها فوجب التلطف في هذا الإنكار اللساني أو النزول إلى رتبة إنكار القلب بحسب الأحوال وهكذا، وهذا النزول متعلق بفضح أعيانهم لا مناهجهم إن كان هؤلاء الأعيان ممن لهم شوكة يُخشى ضررها على أهل الإسلام، فتأمل هذا كله فإنه دقيق جداً.
فالحاصل أن مبدأ المداراة يقوم في الجملة على ترك الاستعداء وترك الإعلان بالعداوة والبغض في الله لأعيانهم وذوي الشوكة منهم لا لمناهجهم وأصولهم التي لا تنقطع مجاهدتها بالبيان الأولى بالأولى، ولا يقوم أبداً على الاستخذاء والاسترضاء لرؤوس البدعة ودعاتها، إن المداراة في حقيقتها أقرب إلى التحييد المؤقت لهذه الفئة حتى يُتفرغ لمن هو أعظم خطراً منها، وإن مشروعية المداراة والتألف مع هؤلاء يجب أن تقتصر على هذا التحييد ولا تتجاوزه إلى شيء من العلاقة الإيجابية اللهم إلا ما دخل في جنس التعاون على البر والتقوى والمعروف مما لا شرط له كدفع صائل ونصرة مظلوم ونحو ذلك مما تتطلبه طبيعة المرحلة، وهذا وفق قاعدة ” للمسلمين نفعه وعليه وزره”.

ثالثاً: مداراة وتألُّف أهل البدع والافتراق ليست تقريراً لهم على بدعتهم وضلالاتهم:
إن استحضار هذا الأصل يقي من الانجراف وراء أوهام التقريب التي قد تكون أوقات الفتنة مروجةً لها، ولذا نؤكد على ما سبق في الأصل السابق وهو أن مداراة هؤلاء لا يُقصد منها سوى دفع الضرر الأكبر عن المسلمين وعنهم ولا يراد بها تقريرهم على بدعتهم البتة؛ أما دفع ضررهم عن المسلمين فواضح ويتمثل في عدم انشغال المسلمين بقتال أو سجال مع من بغى أو امتنع من هؤلاء وكان قتاله جائزاً تحت راية الإمام لامتناعه عن أداء بعض فرائض الإسلام أو إنكاره ما لا يجوز إنكاره من أصول الإسلام كما هو مقرر في السياسة الشرعية، وإنما امتنع قتالهم لغياب الإمام ولوجود من هو أولى بانشغال المسلمين بقتاله من كافرٍ أصلي محارب أو صائل أو نحوه، وأما دفع الضرر عنهم فمن جهة قطع الذريعة لالتحاقهم بمعسكر أهل الكفر الحسي أو المعنوي، فإن ذلك ينتقل بهم من حال أهل البدعة والشبهة والتأويل بما لا يزول معه مسمى الإسلام بالضرورة إلى وصف الكفر والردة والعياذ بالله إذا ما انحازوا إلى معسكر الكفر بتواطؤ أو تعاون أو مظاهرة أو تأييد أو حتى تنظير وتقعيد وتلك والله هي المهلكة، والحاصل أن حال أهل الحق مع أهل البدعة كحال الطبيب من المريض يترفق به ويؤلفه حتى يتناول ويتقبل ما يصلح له من علاج لمرض قلبه وليس من دور الطبيب في شيء العمل على تنفير المريض من العلاج بالكلية وإنما يأخذه بالتدرج واللين وربما يرجئ بعض العلاجات إلى حين يكون المريض أكثر تقبلاً لها، والحاصل أن شدة الإنكار على أهل البدعة في وقت الفتنة وانكشاف المسلمين قد يزين لهم اللحوق بمعسكر الكفر بأي شكل من أشكال اللحوق وهذا مفضٍ إلى الضرر عليهم بانتقالهم إلى الكفر المحقق وإلى الضرر بالمسلمين فمن جهة ما يفتُّون به في عضد المسلمين حيث يكشفون للعدو عوراتهم ويخذلونهم في أحرج الحالات والأوقات ويتجسسوا لصالح العدو ونحوه.
فالتألف والمداراة دفع لأعظم الضررين بالنسبة لكل من أهل الحق وأهل البدعة وإرجاء للتعامل الحاسم مع أهل البدعة إلى حين انطفاء نار الفتنة وعودة الشوكة لأهل الحق فينفوا عن أهل الشبهات شبهاتهم ويبينوا لأهل التأويل الفاسد فساد تأويلهم ويقاتلوا من امتنع بعد قيام الحجة عليهم قتال البغاة تحت إمرة الإمام بلا هرج ولا فتنة زائدة.

رابعاً: إن مداراة أهل البدعة زمن الفتنة لا يعطل جهادهم بالبيان :
وهذا الأصل مفرع على معرفة أن جهاد أهل البدعة يشرع بالقرآن كما يشرع أحياناً بالقوة والسلطان، ولقد تقدم أن زمن الفتنة زمن مداراة وتألف فلا يشرع معه مقارعة بالسيف ولا مجابهة بالقوة عموماً، ولكن لما كان زمن الفتنة أدعى لانحسار السنة وافتتان الناس بباطل التأويلات وزيف البدع والضلالات كان الواجب في المرابطة على ثغور السنة بالعلم والبيان والمحاجة العلمية بالدليل أفضل ما يلتئم به جرح الجماعة وأيسر ما تجمع به قلوب المسلمين، فيجب على أهل العلم وحملته أن يجتهدوا ويشمروا في بيان معالم الحق والكلام في كل ما يشكل على الناس من أصول دينهم لا سيما ما له علاقة بطبيعة الفتنة الحاصلة كأن يدهمهم العدو أو يشغر الزمان عن إمام ونحو ذلك. وهنا نكتة مهمة وهي أنه لما قررنا ضرورة عدم استعداء رموز البدعة تحييداً لضررهم المتوقع كان من الضروري أن يراعى عند تحذير الناس من فتنهم العقدية أن يتم هذا البيان بشكل مجرد عن أسماء الأشخاص والجماعات ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، والنكتة في ذلك أن واقع الفتنة مظنة شبهة لوجود مصالح شخصية عند من يقوم بالإنكار كما يحلو للشيطان أن يزين لمن يحاول غوايتهم، فمهما تجرد إنكار المنكر عن الطعن في الأفراد والجماعات كان أدعى لخزي الشيطان وقبول الناس لدعوة الحق، ومهما انصب جهد إنكار البدعة على أعيان المتلبسين فيها تحقق لإبليس مراده من تلبيس الأمر على الناس، ولعل المثال يوضح المقال؛ فأنت قد تبذل جهداً خالصاً لله تعالى في سبيل بيان ضلال رؤوس الرفض ممن يطعنون في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يكفرونهم ولكنك ما أن تشير إلى القوم حتى تنبري إليك ألسنة الناس تتهمك بالحقد على هؤلاء وتفريق الصف في وقت نحن أحوج فيه إلى توحيده وهي شبهة قوية تشوش على عقل من تلبَّس فيها فلا يعود ينتبه إلى الباطل الذي تنكره ولا إلى الحق الذي تدعو إليه، ولكنك إن صرفت الجهد إلى توعية الناس تجاه خطورة سب الصحابة والطعن فيهم وما يترتب على ذلك من مفاسد ومآلات وسلكت في هذه التوعية مسلكاً مجرداً لا تشوش في على السامع باسم الفرقة أو الجماعة الفلانية لترسخَ الأمر في ذهن السامع ولما أعيته الحيلة في كشف حقيقة هؤلاء عندما يكتشف تلبسهم بهذه البدعة والضلالة، ولئن دعت الحاجة إلى التحذير من أعيان بعض رؤوس الضلالة فلتكن نسبة الضلالة إلى أشخاصهم ما أمكن بدلاً من التشهير بفرقة أو جماعة بأكملها حتى نفوت على إبليس فرصة التدليس على الناس بشبهة أنك تفرق جماعة المسلمين وتفت في عضهم، ومدار كل ما تقدم على ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه :”حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله”(البخاري – كتاب العلم)

خامساً: مراعاة الترتيب الشرعي وسياق الحال في مكافحة البدعة:
فمن البدعة ما هو مكفر ومنها ما هو مفسق، ومن البدعة ما هو أقرب إلى الواقع العملي ومنها ما هو أقرب إلى التأصيل العلمي النظري، ولا يصح في الأذهان الانشغال بما هو أقل ضرراً عما هو أشد ضرراً ولا الانشغال بما هو نازلةٌ واقعة بما هو نظري تأصيلي يحتمل التأخير،فلا يصح مثلاً الانشغال في الإنكار على أصحاب بدعة مفسقة مع احتمال استعدائهم في وقت الفتنة فينشغل بهم عن الإنكار على أصحاب بدعة مكفرة هم أولى بالإنكار من جهة وأقل فواتاً لمصلحة المسلمين إذا ما أعلنوا باستعدائهم من جهة أخرى، وهذا الذي نقوله مأخوذ من أصول الشرع الدالة على وجوب الانشغال بالأهم كما صح في حديث بعث معاذ رضي الله عنه إلى أهل الكتاب حيث أمره صلى الله عليه وسلم بدعوتهم إلى التوحيد ثم إلى الصلاة ثم إلى الزكاة كما هو معروف. فعلى سبيل المثال نجد اليوم إحياءً لمفهوم الإرجاء من زاوية خفية قاتلة هي زاوية تعطيل الولاء والبراء والتدليس على الناس بمفهوم التسامح الديني المغلوط؛ إذ أن ترويج مفهوم الإرجاء يقدم قاعدة وأرضاً خصبة لبذر بذور تولي الكفار وخذلان المؤمنين طالما أن إيمان أهل الإرجاء لا يختل بذلك، فمن المهم حينما ننكر على بدعة الإرجاء اليوم ألا ننحصر في سياقاتها التاريخية وأعيان رجالاتها الذين أفضوا إلى ما قدموا ولكن نبرز خطورة بدعة الإرجاء من خلال ثمرات الحنظل المرة المتمخضة في واقعنا اليوم فنبين للناس كيف أن دعوى سلامة الإيمان وتحققه مع اجتماع النواقض العملية للإيمان دعوى هدامة قد جرَّت على المسلمين الويل والثبور فوطأت بلادهم بل وفرشهم أقدام العدو الكافر بتعاون خياني حقير من هؤلاء الذين لم يروا بأساً في مد يد العون إلى كافر محارب ولا في خذلان مسلم مقهور وأخذوا يخدرون حس المسلم الذي آلمه ذلك كله بجرعات من الإيمان الإرجائي الذي لا يضر معه معصية ولا كفر عملي طالما أن القلب يعرف لا إله إلا الله – بزعمهم – واللسان يتمتم بها دون وعي ولا أثر عملي في حياة قائلها، وقل مثل هذا في أصحاب بدعة العلمانية والاعتزال والرفض والخروج، نعم إن لهذه البدع جذوراً تاريخية يهم العالم والباحث معرفتها ودراستها ولكننا نتحدث عن نشر علم السنة بين أبناء المجتمع عوامه ومتعلميه وعلمائه فينبغي الربط بالواقع ما أمكن وتأصيل الجزئيات ما أمكن وتخصيص النواحي العلمية التخصصية بأهل العلم المتخصصين ما أمكن، فالناس لا يهمها كثيراً أن تعرف الجعد بن درهم ولا واصل بن عطاء ولا القاضي عبد الجبار، ولكن يهمها أن تعرف رموز العلمانية وزنمات الاستعمار وأذناب الاستشراق وزنادقة العصر وتعرف أن الذين يقتحمون بيوتهم وينتهكون أعراضهم من الكفار المحاربين قد جاؤوا بعون من هؤلاء على اختلاف وتفاوت في مقدار العون بين منظِّر وناعق بوق لأفكار الهدم والتضليل وبين ماد يد العون العملية بفكر ووشاية وردء وتوجيه، وبين مشاركة حسية عملية عسكرية في مد يد العدوان الأثيم على حرمات المسلمين مع التستر بشتى أنواع التبرير والتضليل المنتسب إلى العلم والإسلام وفتاوى التدجين، فتأمل.

سادساً: تحرير مناط استحلال السيف في رقاب المنتسبين للبدعة إن اضطر إليه:
مهما قلنا عن ضرورة استفراغ الوسع في جهاد أهل البدعة بالبيان فإن سياق الفتنة قد يفرز واقعاً يتمحض فيه ضرر بعض المنتسبين إلى البدعة وخطرهم العظيم على أهل الإسلام بحيث يكون السكوت عنهم واحتمالهم في جسد المسلمين الواحد أشبه بالصبر على عضو مسموم في الجسد أخذ يبث ذيفاناته وخبثه في باقي الجسد ويوشك أن يأتي عليه، وفي هذه الحالات المتعينة قد لا يكون أمام الجماعة المسلمة بدٌ من توجيه السنان وتسليط السيف حيث لم تنجع المداواة بالحجة والقرآن والسنة، وهنا ينبغي التنبه إلى أمور منها ضرورة عدم التوسع في هذا المسلك اتقاء الفتنة، ومنها ضرورة تحرير مناط استباحة دماء هؤلاء وبيان ذلك بما لا يوهم أن سبب استباحة دمه مجرد انتسابه للبدعة، وليس الأمر بسبب الخجل أو الخوف من الحكم الشرعي وإنما الخوف من التعميم في الحكم والتوسع فيه بدون مبرر شرعي، ولنتذكر أننا نتحدث عن واقع الفتنة لا عن واقع الاستقرار وظهور الشوكة فتلك حالة أخرى يتسنى فيها للإمام المسلم أو موكله أن يقيم الحجة ويحكم بالحكم الشرعي القضائي في هؤلاء إن متأولين تائبين أو أهل أهواء مصرين أو زنادقة أو مرتدين، فعلى سبيل المثال إذا ظهر في واقع الفتنة أن بعض المنتسبين إلى البدعة يستحلون تقديم الردء والمظاهرة للكافر المحارب على المسلمين وقرر أهل العلم والخبرة أن إراحة المسلمين من هؤلاء متعينة فيجب أن يكون العذر الشرعي في استباحة دماء هؤلاء هذه المظاهرة والخيانة لله ولرسوله لا مجرد انتسابهم للبدعة، وهذا مهم جداً لتقليل الهرج والفوضى في زمن الفتنة وحتى لا يتهاون الناس في دماء معصومة، فتنبه لهذا كله فإنه دقيق، ولقد قدمنا في مقال سابق أننا في زمن الفتنة نجتهد في حقن دم من له شبهة إسلام ولا نجتهد في إراقة دم من له شبهة كفر، فتأمل.

سابعاً: قاعدة جليلة في رد التنازع إلى الله ورسوله:
ولقد تركنا المسك للختام حيث إنه مهما أعيت المنافحَ عن السنة الحيلةُ في رد الخصوم وبيان تهافت الضلالات فإن له ملاذاً آمناً لا يخذله البتة ألا وهو قوله تعالى:” ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً”(النساء 59)، ومعلوم أن هذا التحاكم إنما ينضبط بمنهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كما تقدم في قوله تعالى:” ومن يشاقق الرسولَ من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونُصلِه جهنم وساءت مصيراً”(النساء- 115)، قال الإمام أحمد رحمه الله: “أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم”(أصول السنة)، ولهذا فإنك مهما وجدت صاحب فرقة وهوى يزعم الانتساب إلى الكتاب والسنة فإنك لن تجده ينتسب إلى منهج الصحابة البتة بل إن علامة أهل الفرقة ترك منهج الصحابة وأمامك تاريخ الفرق وأهل الأهواء تأمله وراجعه لتوقن أن أحداً منهم لا ينتسب إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ناهيك عن أن ينتسب إليهم بأصلهم البدعي المفارق، فمهما لب!
َّس عليك هؤلاء بتأويل آية متشابهة أو حمل حديث على غير وجه الحق فخاصمهم بسنن الصحابة رضوان الله عليهم فإن كان لهم فيهم سلف وإلا، فهم صدر هذه الأمة ؛ إجماعهم حجة لازمة واختلافهم رحمة واسعة، ولن تجد الحق خارجاً عن محموع أقوالهم البتة، فتأمل.

وبعد، فإن هذا الموضوع من المواضيع الدقيقة والحرجة ولست أدعي أبداً أنني وفيتها حقها بل أقول إن كل ما قدمت أعلاه محاولة لوضع بعض المعالم العامة لمنهج التعامل مع فتنة أهل الأهواء في زمن الفتنة وخفوت نور السنة بين الناس، وأقرر هاهنا أن ما كان مما عرضت صواباً فتوفيق من الله تعالى وحده، وأن ما كان منه خلاف الحق فالله ورسوله منه بريئان وأنا عنه راجع وعليه غير مُصِر، ولقد حاولت قدر الإمكان أن أقرر عموميات ومجملات بغية إمكان إسقاطها على أكبر شريحة من الواقع، ولا شك أن حيثيات كل جزئية من الواقع قد تتعلق بها من الملابسات ما يحتاج مزيد نظر وتأمل واجتهاد وتدقيق، وأذكر نفسي وإخواني في كل مكان سواء المرابطين على الثغور أم المنشغلين في التنظير والتوجيه لعموم الأمة بضرورة التشاور والتريث وعدم استعجال الأمور، ولنتذكر نحن أهل السنة والجماعة عظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، إذ لا فرق بيننا وبين من يمتحن الناس إن نحن امتحنا الناس، ولا فرق بيننا وبين من يكفِّر لأدنى مخالفة إن نحن كفَّرنا مثلهم، وليعلم ضرورة الالتزام الدقيق بأسماء وأحكام الشرع وما يترتب عليها من آثار، فمهما وسعك اسم المسلم فلا تَسِم الخصم بالفسق، ومهما وسع اسم الفاسق فلا تسم بالبدعة، ومهما وسع اسم المبتدع فلا تسم الخصم بالزندقة، ومهما وسعك اسم الزندقة فلا تسم خصمك بالكفر، وليعلم أن هذه الأسماء وضعت من أجل الحكم القضائي في الدنيا فيجب الاقتصار على ما ينبني عليه عمل منها، أما الحكم الدياني في الآخرة فليس إلا الإيمان أو الكفر ومرد علمه إلى الله تعالى وحده، فلا نتوسع ولا نسترسل في تنزيل أسماء وأحكام لا ينبني عليها عمل في زمن الفتنة كمن ينشغل بإقامة شهود الزنا مع انعدام الإمام الذي يقيم حده، ولست أقصد بهذا تعطيل الأحكام وإنما أقصد الحذر من التوسع في إطلاق الاسماء جزافاً دون مرجعية وسلطة تقيم وتلزم بما يترتب على هذه الأسماء من آثار، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *