الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / اقوى بحث عن الكيمياء النووية

اقوى بحث عن الكيمياء النووية

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

57

الكيمياء النووية

من المداخل الأساسيّة لعلم الكيمياء والتي يتعرّض لها طالب هذا العلم سواء في المدرسة أو في الجامعة مفهوم الكتلة الذريّة، حيث يتعرّف الطالب على مصطلح “وحدة الكتلة الذرّيّة الموحّدة” unified atomic mass unit والذي تبنّاه الاتحاد الدوليّ للكيمياء البحتة والتطبيقيّة IUPAC عام 1961 [1]، وتمّ تعريف هذه الوحدة بأنّها من كتلة ذرّة الكربون-12 الساكنة (غير المتحرّكة) وغير المرتبطة والموجودة في حالة الاستقرار، وتبلغ قيمتها 1.66053873× 10-27 كغم وبخطأ نسبيّ مقداره 7.9×10-8. في هذه المرحلة الأساسيّة يتعلّم الطالب أنّ مثل هذه الاصطلاحات ضروريّة جدّاً من أجل تحاشي استخدام أعداد غير متناهية في صغرها مثل كتل الذرّات بالغرامات، أو استخدام أعداد غير متناهية في عظمها مثل أعداد الذرّات الداخلة في التفاعلات الكيميائيّة التي يتمّ إجراؤها في المختبرات. الأمر الأوّل أدّى إلى استحداث مصطلح وحدة الكتلة الذرّيّة والثاني أدّى إلى استحداث مصطلح المول، وبهذين المصطلحين يتمّ بناء اللبنة الأساسيّة لموضوع كبير نسبيّاً ينشغل فيه الطالب حيناً ألا وهو موضوع الحسابات الكيميائيّة stoichiometry.

في العادة، وتحت ضغط ضيق الوقت، يغيب عن ساحة التدريس تنبيه الطالب إلى ضرورة تفحّص قيم الكتل الذرّيّة للنظائر المختلفة ومقارنتها بكتل مكوّنات تلك الذرّات من بروتونات ونيوترونات والكترونات، وتغيب بذلك الإشارة إلى أقوى قوى الطبيعة، وهي القوى النوويّة القويّة، والتي قد لا تسنح فرصة أخرى لذكرها طيلة فترة الدراسة الجامعيّة للكيمياء، بالرغم من اتّصالها الوثيق ببعض الظواهر الكيميائيّة المهمّة مثل الانشطار النوويّ والاندماج النوويّ وتطبيقاتهما. في هذه المقالة نعرّج على القوى النوويّة القويّة ودورها في الطبيعة وأهمّيّتها، ونقدّم المعلومات الأوّليّة في الكيمياء النوويّة على شكل تجربة حاسوبيّة يكلّف الطلبة أنفسهم بإجرائها واستخلاص النتائج منها.

العجز الكتلي mass defect تبلغ كتلة البروتون 1.00727646688 u، كما تبلغ كتلة النيوترون 1.00866491578 u، أمّا الإلكترون فكتلته 0.00054858 u. ولو قمنا بتجميع ستٍّ من البروتونات وستٍّ من النيوترونات وستٍّ من الإلكترونات في حجم ضئيل جدّاً مكوّنين بذلك ذرّةً من الكربون-12، لكانت كتلة هذه الذرّة، حسب ما يقتضيه التعريف سابق الذكر، 12 u بالضبط، وهي قيمة أقلّ من كتلة الجسيمات الثماني عشرة وهي منفردة قبل تكوين الذرّة والتي تبلغ 12.099 u، وبزيادةٍ مقدارها 0.099 u عن كتلة تلك الجسيمات بعدما تجمّعت على شكل ذرة كربون-12. فأين اختفت هذه الزيادة؟

يوضّح المثال السابق محدوديّة قانون حفظ الكتلة فمن الجليّ أنّه لا ينطبق على التفاعلات والتغيّرات النوويّة. ولكن ما الذي حلّ بفرق الكتلة؟ الإجابة على هذا السؤال قدّمها لنا أينشاين بصورة المعادلة الشهيرة المنسوبة له والتي تقرّر أنّ كتلة أي جسم تحدّد طاقته على النحو التالي:

طاقة الجسم = كتلته × مربّع سرعة الضوء

بناءً على هذا تكون طاقة الجسيمات الثماني عشرة مجتمعةً على شكل ذرّة كربون أقلّ منها وهي متفرّقة. فإذا علمنا أنّ أيّ جسم يكون أكثر ثباتاً واستقراراً بانخفاض طاقته (انظر الرسم 1)، أدركنا أنّ تلك الجسيمات مجتمعةً أكثر ثباتاً واستقراراً منها متفرّقةً، ولهذا كان تكوين الذرّات عمليّة “محبّبة” ومفضّلة من قبل تلك الجسيمات، ولهذا كانت أيضاً عمليّة تحطيم الذرّة إلى جسيماتها الأوّليّة (أي تفريقهم عن بعضهم) عمليّة مضنية ومستلزمة للطاقة.

يسمّى مقدار الانخفاض في الكتلة عند تكوين الذرّات من جسيماتها الأوّليّة بالعجز الكتلي (mass defect)، وعند ضرب العجز الكتلي بمربّع سرعة الضوء نحصل على مقدار انخفاض طاقة تلك الجسيمات عند تجمّعها على شكل ذرّات. ولكن ما السبب في انخفاض طاقة تلك

الرسم 1: عند ترك كرة في الموقع أ على المنحنى المرسوم فوق فإنّ هذه الكرة تتحرّك نحو الأسفل وتستقرّ في نهاية المطاف (إن وجدت سبيلاً على تصريف طاقتها) في الموقع ب. لماذا؟ تمتاز النقطة ب عن أيّة نقطة أخرى في المنحنى بأنّها تمثّل القيمة الدنيا لطاقة الوضع التي تمتلكها الكرة (طاقة الوضع = الكتلة × تسارع الجاذبيّة × ارتفاع الجسم). وحيث أنّ الارتفاع في النقطة ب يكون أقلّ ما يمكن، فإنّ طاقة الكرة الوضعيّة تكون بالتالي أقلّ ما تكون عندما تحلّ الكرة في النقطة ب، ولهذا تستقرّ الكرة هناك، ولو كان هناك على المنحنى موقع آخر طاقته أقلّ من الموقع ب لاستقرّت الكرة فيه، فالأجسام تستقرّ عندما تكون طاقتها أقلّ ما يمكن. تمثّل الكرة في الموقع أ الجسيمات الثماني عشرة وهي متفرّقة، وتمثّل الكرة في الموقع ب ذرّة الكربون-12 والتي تكوّنت من تجميع الجسيمات الثماني عشرة.

الجسيمات داخل الذرّة؟ عند هذه النقطة نستذكر أنّ طاقة الوضع المخزونة في أيّ جسمٍ كان سببها وجود ذلك الجسم في حقل قوّة، بمعنى وجوده تحت تأثير قوّة خارجيّة، وأنّ قوى الجذب (التي ينجذب إليها الجسم) تؤدّي إلى انخفاض في طاقته الوضعيّة، أمّا قوى التنافر التي ينفر منها الجسم فتؤدّي إلى ارتفاع طاقته الوضعيّة. وهذا ما حصل تماماً بالنسبة إلى الكرة في الرسم 1، فلولا وجودها تحت تأثير الجاذبيّة الأرضيّة ما انتقلت من الموقع أ إلى الموقع ب، ولبقيت ساكنة في الموقع أ (قانون نيوتن الأوّل)، ولكن لمّا كان الجسم واقعاً تحت تأثير هذه القوّة انجذب إلى مركزها وانخفضت بذلك طاقته الوضعيّة، ولو وجد نقطةً أخرى غير ب أقرب إلى مركز الجاذبيّة الأرضيّة لانتقل إليها إن استطاع.

نستنتج ممّا ذكر وجود قوى تجاذب بين الجسيمات الذرّيّة داخل الذرّة، وأنّ غلبة قوى التجاذب هذه هي السبب في انخفاض طاقة تلك الجسيمات عند تجمّعها مكوّنةً الذرّة. إحدى هذه القوى شديدة الوضوح وتتمثّل في قوّة التجاذب الكهربائي بين الشحنات المختلفة من بروتونات والكترونات. ولكن هل تفسّر هذه القوى العجز الكتليّ الملاحظ؟ للإجابة عن هذا السؤال سنجري عمليّات حسابيّة مبسّطة تتمثّل في حساب تقديري لمقدار الانخفاض في الطاقة الوضعيّة نتيجة التجاذب الكهربائي بين البروتونات والالكترونات في ذرّة الكربون-12 والتي تحتوي على ستّة بروتونات موجودة في نواة الذرّة وستّة الكترونات تحوم حول النواة. ولنسهّلَ علينا الحساب نتصوّر أنّ الشحنات الموجبة متجمّعة في نقطة واحدة، وهو أمر مقبولٌ جدّاً حيث يقدّرُ نصف قطر نواة الكربون-12 ب 7‚2×10-15 متراً (7‚2 فمتومتراً)، كما نتصوّر أنّ الالكترونات الستّ متجمّعة كذلك في نقطة واحدة. الخطوة التالية هي أن نقوم بتقدير المسافة r والتي تفصل بين تجمّع الالكترونات وتجمّع البروتونات، فإذا علمنا أنّ نصف قطر ذرّة الكربون يبلغ 77×10-12 متراً (77 بيكومتراً) وأنّ الالكترونات تتواجد على شكل غيمة داخل هذه الكرة المسمّاة بالذرّة، أمكننا أن نفترض أنّ تجمّع الالكترونات المتخيّل يقع في منتصف المسافة بين النواة وسطح الذرّة، وأنّه بناءً على هذا التقريب يبعد عن النواة حوالي 38 بيكومتراً. نطبّق بعد ذلك قانون كولوم ونحسب طاقة الوضع على النحو التالي:

….(2)

حيث تمثّل q1 شحنة الالكترونات و q2 شحنة البروتونات و r المسافة بين الشحنتين و e0 ثابت ؟؟؟؟، أمّا e فتمثّل الشحنة الأوليّة و z عدد البروتونات وهو مساوٍ لعدد الالكترونات، وبتعويض القيم المختلفة (Z = 6; e = 1.6×10-19 As; e0 = 8.854×10-12 C2N-1m-2; r = 38×10-12m) في المعادلة رقم (2) ينتج أن مقدار الانخفاض في طاقة الوضع الناتج عن تجاذب الالكترونات والبروتونات يساوي 2.18×10-16 J، وبتطبيق معادلة أينشتاين (1) يمكن حساب قيمة العجز الكتلي الناتج عن هذا التجاذب ويبلغ m = Ep / c2 = 2.42 × 10-33 kg = 0.00000146 u، أي أنّ العجز الكتلي الناتج عن تجاذب الالكترونات مع البروتونات في ذرّة الكربون-12 لا تمثّل في أحسن الأحوال إلاّ جزءً من مئة ألف جزء من القيمة الملاحظة عمليّاً.

في واقع الأمر لا تسبّب القوى الكهربائيّة أيّ عجز كتلي مطلقاً، ذلك أنّنا في حساباتنا الفائتة أهملنا قوى التنافر بين الالكترونات بعضها مع بعض وكذلك قوى التنافر بين البروتونات بعضها مع بعض، والأخيرة كبيرة جدّاً لقرب البروتونات الشديد من بعضها داخل النواة والذي يقدّر بحوالي 1-2 فمتومتر، فالتنافر بين بروتونين فقط على بعد 2 فمتومتر من بعضهما يزيد طاقة الوضع بمقدار 1.15×10-13 J، وهي قيمة أعلى بما يزيد عن خمسمئة مرّة من قيمة انخفاض الطاقة الوضعيّة بسبب تجاذب جميع الالكترونات والبروتونات في ذرّة الكربون-12، فكيف لو أخذنا بعين الاعتبار كلّ قوى التنافر بين البروتونات الستّ!!! إنّ محصّلة القوى الكهربائيّة من تجاذب وتنافر هي، وبشكلٍ واضح ومحسوم، لصالح قوى التنافر الذي يرفع طاقة الوضع ولا يخفّضها، الأمر الذي كان بإمكاننا استنتاجه مباشرة من صغر حجم النواة ودون اللجوء إلى العمليّات الحسابيّة السابقة. إذ ما الذي يدفع البروتونات إلى التجمّع في “نقطة” بالرغم من شدّة التنافر بينها، ولو كانت القوى الكهربائيّة هي الوحيدة الموجودة داخل الذرّة لكان من المنطقيّ والمتوقّع أن تبتعد البروتونات عن بعضها البعض –تماماً كما تفعل الالكترونات- ولتوزّعت في كلّ الذرّة “بضخامتها” كما يقتضي نموذج تومبسون (Thompson) بدلاً من التجمّع في حجم غير متناهٍ في ضآلته كما هو الواقع. ثمّ ما الذي يدفع النيوترونات متعادلة الشحنة إلى التواجد داخل الذرّة ولمَ لا تتركها؟ إنّ محاولة الإجابة عن كلّ هذه التساؤلات يقودنا إلى التيقّن من وجود قوى أخرى ذات طبيعة غير كهربائيّة هي المسؤولة عن ثبات واستقرار الذرّات بشكلها الحالي، ولا شكّ أنّ هذه القوى أقوى من القوى الكهربائيّة، وأنّها تتواجد في النواة تؤثّر على البروتونات وكذلك النيوترونات مجبرةً إيّاها على التجمّع في ذلك الحجم الضئيل المسمّى بالنواة.

تسمّى هذه القوى بالقوى النوويّة القويّة وهي عظيمة القدر من حيث قوّتها ولكنّ تأثيرها ينحصر، كما أسلفنا وكما هو واضح من اسمها، في النواة، إذ إنّها تمتاز بقصر مداها الذي لا يجاوز 1-2 من الفمتومترات (1 فمتومتر=10-15 متر)، وهي المسؤولة كلّيّةً عن العجز الكتلي، ولهذا فإنّ العجز الكتلي يرتبط باستقرار وتكوين النواة لا باستقرار وثبات الذرّة ككلّ.

ثبات النواة

لنتصوّر عشرين بروتوناً وعشرين نيوتروناً متفرّقة، وأنّ كلّ الظروف قد هيّأت لها بحيث تستطيع أن تندمج مكوّنةً أنويةً دون عقبات تذكر، وأنّنا خيّرناها بين أن تكوّن نواة الكالسيوم-40 أو نواتين من النيون-20، فما الذي ستفعله يا ترى؟ الأمر أشبه بمستثمرين يخطّطون لتأسيس شركة هادفين إلى جني الربح، أمّا المستثمرون فهم البروتونات والنيوترونات وأمّا الشركة فهي النواة، مع الفارق أنّ الربح الذي تسعى وراءه هذه الجسيمات ما هو إلاّ تخفيض طاقتها الوضعيّة لا زيادة “الإيرادات المادّيّة”. فأيّ المشروعين سيختار المستثمرون: مشروع تأسيس شركة الكالسيوم-40 أم المشروع الثاني والذي يتضمّن تأسيس شركتين من نوع النيون-20؟ لا شكّ أنّهم سيختارون المشروع “الأربح” وهو الذي تنخفض فيه طاقة الوضع أكثر. ولنحدّدَ أيّ المشروعين هو الأربح نقوم بتحديد العجز الكلي في كلتا الحالين، والذي يتناسب تناسباً طرديّاً مع مقدار الانخفاض المرجوّ في طاقة الوضع. ويمكن حساب العجز الكتلي على النحو التالي:

العجز الكتلي = كتلة الجسيمات النوويّة قبل الاندماج – كتلة النواة المكوّنة

= عدد البروتونات×كتلة البروتون + عدد النيوترونات×كتلة النيوترون

(الكتلة الذرّيّة – عدد الالكترونات×كتلة الالكترون) ….(3)

(نلاحظ أنّنا قمنا بطرح كتلة الالكترونات من الكتلة الذرّيّة لأنّ الكتلة الذرّية تشمل كتلة الالكترونات بالإضافة إلى كتلة النواة).

ينتج أنّ العجز الكتلي في حال تكوين نواة الكالسيوم-40 يبلغ 0.36720852 u في حين أنّه يبلغ عند تكوين نواة نيون-20 واحدة 0.17246051 u وبقيمة إجماليّة مقدارها 0.34492102 u لكلتا النواتين. من الواضح أنّ تكوين نواة الكالسيوم-40 هو الخيار الأفضل بالنسبة للبروتونات والنيوترونات، ذلك أنّه يؤدّي إلى انخفاضٍ أكبر (ربح أكثر) في الطاقة الوضعيّة للجسيمات النوويّة.

ربّما كانت هذه النتيجة مغايرة لما توقّعناه ولما نعرفه من استقرار ذرّة النيون كيميائيّاً وهو أحد الغازات الخاملة، والتي تسعى العناصر المختلفة عن طريق تفاعلاتها الكيميائيّة إلى التشبّه بها وإلى الوصول إلى ما يُسمّى بحالة الغاز الخامل لما فيها من استقرار وثبات على الصعيد الكيميائيّ. في المقابل نجد أنّ الكالسيوم عنصر نشطٌ جدّاً إلى درجة أنّه لا يوجد في الطبيعة بصورته الفلزّيّة بل إنّه سرعان ما يتأكسد ويتحوّل إلى أيونات موجبة (Ca2+) والتي تكافئ ذرّات غاز الآرغون، وهو الغاز الخامل الذي يسبق الكالسيوم في الجدول الدوريّ، من حيث توزيع الكتروناتها. السبب في هذا الاختلاف بين توقّعاتنا وحساباتنا أنّنا ربطنا آليّاً في توقّعاتنا بين أمرين لا علاقة مباشرة لأحدهما بالآخر، إذ لا توجد أيّة علاقة مباشرة بين النشاط الكيميائيّ وطبيعة النواة نفسها، فالنشاط الكيميائيّ لعنصرٍ ما تحدّده الكترونات ذلك العنصر وبالأخصّ الكترونات المدار الأخير والمسمّاة بالكترونات التكافؤ، ولهذا لا نجد اختلافاً في النشاط الكيميائيّ لنظائر العنصر الواحد بالرغم من اختلاف أنويتها من حيث عدد النيوترونات الموجودة فيها وذلك لتساويها في عدد وكيفيّة توزيع الالكترونات. أمّا تأثير النواة على كيمياء العنصر فيبقى من باب أنّ عدد البروتونات في النواة يحدّد عدد الالكترونات فيها كما أنّه يحدّد طاقتها. وفي المثال السابق كنّا نقارن بين نواتي الكالسيوم-40 والنيون-20 من حيث طاقتهما الوضعيّة وبالتالي من حيث ثباتهما واستقرارهما، ولا علاقة للنشاط الكيميائيّ بهذا الأمر لأنّ الالكترونات المسؤولة عن النشاط الكيميائيّ لا تتواجد في النواة.

ونرجع إلى موضوع استقرار النواة ونسأل أيّ الأنوية سيكون الأكثر ثباتاً؟ بمعنى أية شركة ستكون الأكثر ربحاً للمستثمرين فيها من البروتونات والنيوترونات؟ ولنبدأ ببعض الأرقام التوضيحيّة:

عند تجميع 26 بروتوناً و30 نيوتروناً لتكوين نواة الحديد-56 تنخفض كتلة الجسيمات الستّ والخمسين بمقدار 0.5284593 u، وعند تجميع 82 بروتوناً و126 نيوتروناً لتكوين نواة الرصاص-208 تنخفض كتلة الجسيمات المائتان والثمانية بمقدار 1.756792 u، فهل يعني هذا أنّ نواة الرصاص-208 أكثر استقراراً من نواة الحديد-56؟ قبل أن نتسرّع بالاجابة ونحكم لصالح الرصاص-208 يجب علينا أن نتنبّه إلى أنّ الانخفاض الملاحظ في حالة تكوين نواة الحديد يتعلّق باندماج 56 جسيماً في حين أنّه يتعلّق في حال تكوين نواة الرصاص باندماج 208 جسيماً. إنّ الحكم على الأنوية المختلفة من حيث استقرارها وثباتها بمجرّد تحديد العجز الكتلي الكليّ لتلك الأنوية لن يكون صحيحاً لأنّه ينطوي على مقارنة في غير محلّها، مقارنة بين كمّين مختلفين، بين 56 جسيماً في جهة و208 جسيماً في الجهة الأخرى.

ويمكن توضيح هذه الفكرة بالمثال التالي: لنفرض وجود شركة من ثلاثة أشخاص ساهم كلٌ منهم بمائة دينار في رأس المال وأنّها حقّقت ربحاً مقداره مائة وخمسون ديناراً في نهاية العام. ولنفرض وجود شركة أخرى مكوّنة من خمسة مساهمين وحصّة كلٍ منهم كذلك مائة دينار في رأس المال ولكنّها حقّقت في نهاية العام ربحاً مقداره مائتا دينار. الشركة الثانية حقّقت ولا شكّ ربحاً أكبر، ولكن هل هي الأنجح؟ إنّ حصّة كلّ مساهم في الشركة الأولى من الأرباح تبلغ خمسين ديناراً وهي أربعون ديناراً فقط لمساهمي الشركة الثانية. تُرى لو كنت مستثمراً فبأيّ الشركتين ستستثمر أموالك؟ كذلك الأمر بالنسبة للبروتونات والنيوترونات، ففي نواة الرصاص-208 يبلغ معدّل انخفاض كتلة الجسيم النوويّ الواحد 0.008446 u (العجز الكتلي الكلي/عدد الجسيمات النوويّة) ، في حين أنّه يبلغ في نواة الحديد-56 0.009436774 u، ممّا يعني أنّ طاقة البروتون أو النيوترون داخل نواة الحديد-56 أقلّ منها داخل نواة الرصاص-208 أي أنّها “تحقّق ربحاً” أكبر على الصعيد الفرديّ عند “استثمار أموالها في شركة” الحديد-56.

نستطيع الآن الإجابة عن السؤال عن أكثر الأنوية استقراراً وثباتاً، أي تلك التي تكون طاقة الجسيمات النوويّة فيها من بروتونات ونيوترونات أقلّ ما يمكن. كلّ ما علينا فعله هو أن نحسب معدّل انخفاض كتلة الجسيم النوويّ الواحد وبالتالي معدّل انخفاض طاقته الوضعيّة عندما يكون موجوداً داخل نواة ما. يتمّ ذلك بتقسيم العجز الكتلي الكليّ للنواة على عدد الجسيمات الموجودة فيها. وقد قمنا بذلك لجميع نظائر العناصر المختلفة والتي تتواجد طبيعيّاً في أرضنا وعددها يقارب الثلاثمئة كما استقيناه من صفحة مركز الأبحاث الجيولوجيّة في بوتسدام والتابع لجمعيّة ماكس-بلانك الألمانيّة في شبكة المعلومات الدوليّة [2]، ومن ثمَّ رسمنا الناتج بدلالة العدد الذرّيّ (هويّة العنصر) كمتغيّر كما هو موضّح في الرسم (2). يتشابه المنحنى الناتج في الرسم (2) مع المنحنى المعروض في الرسم (1) باستثناء عدم التماثل الملاحظ في المنحنى الثاني في الرسم (2). هذا الاختلاف البسيط لا يغيّر شيئاً من طبيعة التشابه الجوهريّ بين الرسمين، ويمكننا تمثيل الجسيم النوويّ الواحد سواء كان بروتوناً أو نيوتروناً بتلك الكرة في الرسم (1) والتي لم تجد لها أفضل من النقطة ب في قعر المنحنى لتستقرّ فيها. كذلك البروتون أو النيوترون لم يجد أربح له من أن يكون في قعر المنحنى داخل نواة ذلك العنصر وذلك النظير الذي يمثّله قعر المنحنى.

الرسم (2): التغيّر في الطاقة الوضعيّة للجسيم النووي حسب نوع النواة الموجود فيها.

ونلخّص في ما يلي بعض النتائج التي يمكن استخلاصها من الرسم (2):

أ. النواة الأكثر استقراراً وثباتاً ليست نواة الحديد-56 كما هو شائع جدّاً في أوساط الكيميائيّين والفيزيائيّين بل وكما هو مبسوط في الكثير من الكتب العلميّ التعليميّة [3,4]. والصحيح، كما تشير حساباتنا وكما يتّضح في الرسم (3)، أنّ الحديد-56 يأتي ثالثاً بعد النيكل-62 والحديد-58. وقد تمّ التأكّد من صحّة هذه النتيجة بالرجوع إلى أحدث الأرقام المنشورة عن طاقة ربط الأنوية [5]. بناءً على هذه النتيجة فإنّ جميع العناصر الأثقل من النيكل-62 ستكون ميّالةً للانشطار والانقسام رغبة منها في أن تصغر متّجهةً إلى قعر المنحنى (تماماً كما هو الحال مع اليورانيوم)، أمّا العناصر الأخفّ من النيكل-62 فستكون أنويتها ميّالةً للاندماج رغبةً منها في أن تكبر وتصل بذلك إلى قعر المنحنى (كما هو الحال مثلاً في اندماج نظائر الهيدروجين في الشمس مكوّنةً الهيليوم). ولو أنّنا تخيّلنا عدم وجود عقبات وعوائق في طريق هذه التحوّلات من انشطار واندماج لمادّة الكون لاستحال الكون كلّه إلى نيكل-62.

الرسم 3: بعض الأنوية الأكثر استقراراً.

جزيرة الثبات (الاستقرار):

يوضّح الرسم (4) الارتباط (correlation) بين عدد البروتونات (z) وعدد النيوترونات (n) في الأنوية المختلفة المتواجدة طبيعيّاً في أرضنا (النقاط الحمراء). وتسمّى هذه المنطقة بجزيرة الاستقرار أو بحزام الاستقرار، ذلك بأنّها أشبه ما تكون بجزيرة في بحرٍ واسع فإذا “وقعت” النواة على الجزيرة فإنّها تنجو من الغرق وتكون مستقرّة، أمّا إنْ اخترنا نقطة بعيدة عن هذه الجزيرة فإنّها ستغرق في بحر عدم الاستقرار، بمعنى أنّها لن تكون مستقرّة ولن يقدّرَ لها الحياة. على ساحل جزيرة الاستقرار نجد بعض الأنوية التي لا تتواجد طبيعيّاً وإنّما يتمّ تصنيعها في المختبر. هذه العناصر تكون غير مستقرّة وتقوم في رحلة بحثها عن الاستقرار بإصدار أشعّة، وهي بذلك نظائر مشعّة ولا تلبث بعد وقتٍ محدّد قد يطول وقد يقصر أن تتحوّل إلى عنصرٍ آخر وينتهي بها المطاف بعد سلسلة من التحوّلات بالاستقرار على الجزيرة. وقد مثّلنا لبعض هذه النظائر بالنقاط الزرقاء في الرسم (4)، وهي مجرّد غيض من فيض ذلك أنّ أعداد هذه النظائر المشعّة يتجاوز حتّى الآن الثلاثة آلاف. ويعتقد العلماء أنّ هناك جزيرة استقرار أخرى عند العناصر الثقيلة جدّاً(super heavy elements)، ومن الممكن أن يكون العنصر، 114 إنْ تأكّد تصنيعه، موجوداً على ساحلها بل وحتّى عليها [6].

الرسم 4: جزيرة الاستقرار.

يلاحظ من الرسم (4) أنّ نسبة النيوترونات إلى البروتونات(n/z) تلعب دوراً مهمّاً في تحديد مدى استقرار النواة. ففي العناصر الخفيفة(z < 20) ، نجد أنّ هذه النسبة تساوي واحداً، بمعنى أنّ عدد البروتونات وعدد النيوترونات متساوٍ تقريباً في الأنوية الخفيفة المستقرّة. ولكن استقرار العناصر الأثقل من الكالسيوم لا يتحقّق إلاّ إذا زاد عدد النيوترونات عن عدد البروتونات وارتفعت النسبة n/zعن الواحد. وتظلّ النسبة تزداد شيئاً فشيئاً مع ازدياد عدد البروتونات، وهو ما يمثّله الانحراف المتزايد لجزيرة الاستقرار عن الخط المستقيم n=z. ويمكن تفسير هذه الظاهرة بأنّ الزيادة في عدد البروتونات تعني زيادةً كبيرة في التنافر الكهربائي بينها، لذا كان لا بدّ من إضافة جسيمات نوويّة تساهم في استقرار النواة دون زيادة التنافر بين الجسيمات المكوّنة لها، بل وتساهم أيضاً في تخفيف التنافر الموجود وهذا ما تحقّقه النيوترونات متعادلة الشحنة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *