الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / بحث قيم وكبير عن الطهارة

بحث قيم وكبير عن الطهارة

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

58

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

الحيض و الاستحاضة :

 أيها الأخوة الأكارم ، وصلنا إلى موضوع الحيض ، فالحيض دمٌ يخرج من رحمِ بالغة لا داء بها ، ولا حبلَ ، ولم تبلغ سنَّ اليأس ، وأقلّ الحيض ثلاثة أيام ، وأوسطهُ خمسة أيام، وأكثرهُ عشرة أيام ، أما النِّفاسٌ فهو دمٌ يخرج عقب الولادة وأكثرهُ أربعون يومًا، ولا حدَّ لأقلّه .
 من عشرة أيام إذا انقطع الدّم تغتسل وتصلّي ، أكثرهُ أربعون ولا حدّ لأقلِّه، والاستحاضة دم يخرج من الرحم دون ثلاثة أيام من الحيض ، أي بعد عشرة أيام ، أو بعد الأربعين من النّفاس ، هذا الدّم تتوضَّأ المستحاضة لكلّ صلاة وتُصلّي ، لأنّ هناك فرْقًا دقيقًا بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة ، دم الحيض الرّحم يتهيّأ لاستقبال البويضة ، فإذا جاءت البويْضة غير ملقَّحة أُصيب بِخَيبة أملٍ كبيرة ، وهذا الاستعداد الكبير لاستقبال البُوَيضة الملقَّحة هو الدّم الذي يخرج من الرحم في الحيض ؛ دمٌ أسْود ، ولكنّ دم الاستحاضة دم أحمر، الاستحاضة عرق في الرَّحم مفتوح ، دم طاهر ليس من نوع دم الحيض ، لذلك المستحاضة تتوضّأ وتصلّي لكلّ فرْض صلاة ، فأنا قصدت من كلمة طاهر أنَّه من نوع آخر، فَدَمُ الحيض شيء ودم الاستحاضة شيء آخر ، دم الحيض يتْبعُهُ انحطاط في الجسم ، لذلك الحائض لا تصلّي ، أما دم المستحاضة فهو دمٌ لا يؤثِّر على صحَّة المرأة فما دون الثلاثة أيام ، وما فوق العشرة أيام ، وبعد الأربعين ؛ هذا اسمه دم الاستحاضة ، والنبي عليه الصلاة والسلام فسَّرَهُ بأنَّه عرْق مفتوح ، طبعًا حينما يكون الدم دم حيض فهناك أخطار كبيرة من اللّقاء الزوجي ، لذلك قال الله عز وجل :

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾

[ سورة البقرة: 222 ]

 كلمة أذًى نكرة ، وهذا التنكير تنكير شمول ، قرأتُ مقالةً علميّة فيها أكثر من سبعة عشر خطرًا على المرأة والرجل من اللّقاء الزوجي في أيام الحيض ؛ الإنتانات ، والعدوى ، و بعض المضاعفات ، انحلال الدم ، أشياء كثيرة ، الآن لا تحضرني المقالة بتفصيلاتها ، ولكن شيءٌ مخيف جدًّا ، رأي علمي حِيادي موضوعي ، قال تعالى :

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾

[ سورة البقرة: 222 ]

 معنى يطهرن أي حتى ينقط الدّم ، قال تعالى :

﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾

[ سورة البقرة: 222 ]

 التَّطَهُّر غير الطُّهْر ، التَّطَهُّر هو الاغتسال .

ما يحرم في الحيض و النفاس :

 ويحرم في الحيض والنفاس ثمانية أشياء : الصلاة ، والصوم ، وقراءة القرآن ، ومسّه إلا بغلاف ، ودخول مسجد ، ولكن هناك رأي للإمام الشافعي أنَّ المرأة الحائضة إذا كانت واثقةً ثقةً شديدة بأنَّها لا تؤذي المسجد فلها أن تحضر مجلس العلم من دون أن تصلّي ، معتادة أن تحضر مجالس العلم ، وهي واثقة أنها لن تؤذي أحدًا ، فإن كانت كذلك لابأس أن تحضر مجالس العلم من دون أن تصلّي ، وهذا رأيٌ للإمام الشافعي رضي الله عنه .
 والطواف في الحج يحرم عليها ، وكما قلت قبل قليل ربّنا عز وجل يقول:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾

[ سورة البقرة: 222 ]

 وفي درس قادم نتابع بعض التفصيلات التي لا بدّ منها في موضوع الحيض .

* * *

العلم الدقيق هو معرفة ما يعتلّ القلب من مثبّطات وعقبات :

 والآن إلى فصْلٍ آخر من إحياء علوم الدِّين ، وما زلنا في موضوع العلم وصفات علماء الآخرة .
 يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه : ” ويجب أن يكون عالم الآخرة أكثر بحثه عن علم الأعمال ”
 نحن عندنا علم الأقوال ، وعلم الأعمال ، وعندنا مفسدها ومشوِّش القلوب ، ومهوّج الوسواس ، ومثير الشرّ ، فإنّ أصل الدِّين التَّوَقِّي من الشرّ ، ولذلك قيل :

عرفت الشرّ لا للشرّ وإنما لتوقِّيه  ومن لا يعرف الشرّ من الناس يقع فيه
***

 سيّدنا عمر رضي الله عنه سئل عن رجل يعرف الخير ، فقال : ليس هذا الذي أريد، قيل فلان يعرف الشرّ ، فقال : ليس هذا الذي أريد ، فقيل له : من تريد إذًا ؟ فقال : أريد الذي يعرف الشّرين ويفرّق بينهما ، أي يختار دائمًا أهون الشَّرين ، وهذه حكمة بالغة ، فأحيانًا لا بدّ من أن تقع في شرّ والحكيم يختار أهْوَنَ الشَّرَّيْن .
 والأعمال الفعلِيَّة قريبة وأقصاها بل أعلاها المواظبة على ذِكْر الله تعالى بالقلب واللِّسان ، قال تعالى :

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

[ سورة الشرح: 4]

 أي جعلنا منطقك في موضوعات ثانية .
 وإنَّما الشأن في معرفة ما يفسدها ، وما يُشوِّشها ، وهذا ممَّا تكثر شعبه ويطول تفريعهُ ، أخطر علْم أن تعرفه هو أن تعلم ما يؤذي هذا القلب ؟ ما الذي يفسد عليه إقباله على الله عز وجل ؟ ما الذي يحول بينه وبين إتقان الصلاة ؟ لمّا الإنسان يصلّي وهو غافل ، شهر شهران أو ثلاثة ، فهذا جاهل ، ولو كان فقيهًا في أمور أخرى ، هذا القلب بماذا منقطع ؟ هل معلّق بإنسان مُعْرض ؟ هل له انتقاد على أهل الحق ؟ حدث بينه وبينهم خلاف ؟ هل هو يشعر أنّه محروم من الله عز وجل ؟ أعطى زيْدًا وعُبيْدًا وحرمه ؟ لمَّا الإنسان يصلّي صلاةً شَكْليّة لا بدّ من أسباب ، هل الدنيا أكبر همِّهِ ؟ هل هناك حجابٌ بينه وبين ربّه ؟ هل جاءتْهُ خدمة طيّبة من إنسان كافر أو منافق فأحبّه وتعلّق به فانقطع عن ربّه ؟ هل بلغتْهُ قصَّة مفتراة عن أهل الحقّ فصدَّقها فكانت هذه القصّة حجابًا بينه وبين الله عز وجل ؟! إذاً من العلم الدقيق أن تعرف ماذا يعتلّ القلب من مثبّطات وعقبات ، وشدائد وصعوبات ، وأنَّ معرفة ما يفسدها وما يشوِّشُها هذا علم جليل ، لاحظوا هذه الموازنة .

صفات علماء الدنيا :

 وأما علماء الدنيا فإنَّهم يتَّبعون غرائب التفريعات في الحكومات والأقضيَة ، أي يتتبَّع تفريعات دقيقة جدًّا في شؤون القضاء والإفتاء وما شاكل ذلك ، يتعبون في وضْع صُوَر تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا ، يتخيّلون حالات تنقضي السنوات و القرون والدهور ولا تقع ، ويضعون لها حكمًا وأنا في طريقي إلى تجميع هذه اللَّقطات ، سمَّاها بعض الفقهاء الأرئِيْتيَّات أرأيْت لو كان كذا وكذا؟! حالات نادرة لا يمكن أن تقع ولا بالخيال تُتَصوَّر ويوضَع لها أحكام دقيقة ، وتُرجَّح هذه الأحكام ويختلفون في هذه الأحكام ، ويكتبون الرسالات حول حججهم ، وردّ حجج خصومهم ، ويسيرون في طريق مسدود لا يفضي إلى شيء ، هذا نوع من الضَّلال أن تمضي حياتك كلّها في تفريعات لا تقع ، فالغزالي رضي الله عنه يأخذ على بعض المتفيهقين ، وتجَّار الدِّين بالدنيا ، وتجار الدنيا بالدّين ، يأخذ على هؤلاء أنَّهم يتعبون في أخذ صُوَر تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا ، لا أنسى موقف بعض الصحابة الكرام رضي الله عنه حينما عرض عليه سؤال لحالة نادرة فقال بِبَساطة : أوَقَعَت هذه الحالة ؟ فقالوا : لا ، قال : حينما تقعُ نفتي بها ! احفظوا وقتكم ، الوقت ثمين والحياة غاليَة ، نقضي في الحياة سنوات معدودات ؛ أربعون ، خمسون ، ستُّون ، سنوات تنقضي ، خطر ببالي مرّة لو أنّ إنسان عنده مكتبة فيها خمسة آلاف كتاب فرضًا ، آداب ، تاريخ ، جغرافيا ، فلسفة ، علوم ، فنون ، قصص ، مسرحيات ، فلكلور ، كتب قديمة ، تاريخ الشعوب ، تاريخ الرومان ، الحمامات في دمشق ، الآثار الإغريقيّة ، الأوديسَّا ، الإلياذا ، شعر شكسبير المترجم ، مكتبة عامرة بالكتب الأدبيّة ، والعلميّة ، والثقافيّة ، والفلسفيّة ، والتاريخيّة ، والاجتماعيّة ، والجغرافيّة ، والرياضيات ، والفلك ، وعنده بعد عشر ساعات مادّة لصفّ التخرّج بالجامعة ، وهذه المادة لها كتاب مقرّر واحد ، وهو آخر مادّة ، فهل يأخذ أحد كتب المكتبة ؟ هل يأخذ مسرحيّة يقرؤها ؟ هل يأخذ قصّة يقرؤها أم يقرأ الكتاب المقرّر؟ إذا نجح نال الإجازة ، وإذا نال الإجازة عيّن ، وإذا عيّن تزوّج ، وإذا تزوَّج أسَّس أسرة ، فكلّ هذه الأحلام مبنيَّة على نجاحه في هذه المادَّة ، وهذه المادَّة كتابها المقرّر هو هذا الكتاب ، فهل من العقل أن يقرأ كتابًا آخر ؟ لذلك لمّا أدعو قُبَيل إلقاء الدرس :” اللهمّ إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ، ومن عين لا تدمع ، ومن علم لا ينفع ، ومن أذن لا تسمع ، ونعوذ بك من هؤلاء الأربع”
 أحيانًا الإنسان يقضي حياته كلّها بموضوع أدبي ، مثلاً درس شعر بشّار لا أعرف ماذا أقول ؟ الحياة أثمن من ذلك ، أحيانًا يختصّ مثلا بتاريخ الرومان ، يتحدَّث عن عاداتهم ، وأعيادهم ، وأفراحهم ، وعن حروبهم ، وعن تاريخهم ، عن وحشيّتهم ، وعن صراعهم ، وعن تلذّذهم بمرأة وهي تعذَّب من قبل الحيوانات المفترسة ، ماذا قدَّمْت ؟ أما حينما تقرأ القرآن فتستفيد وتحسّ بِرَاحةٍ نفسيَّة أنَّه يعرض لك طريق السَّعادة ، لذلك : ” اللهمّ إنا نعوذ بك من علْم لا ينفع ” فهؤلاء ماذا فعلوا ؟ هؤلاء يتعبون في وَضْع صُوَر تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا ، وإن وقعَت فإنّما تقع لغيرهم لا لهم ، وإذا وقعت كان في القائلين بها كثرة ، ويتركون ما يلازمهم ويتكرَّر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم ، الشيء اليومي ؛ الصلاة ، الذِّكر ، معرفة الله ، التَّفكّر ، تطهير القلب من الأمراض ، سموّ النفس ، ترفّعها عن الدَّنايا ، هذه الأشياء الخطيرة اليوميّة ، والضروريّة ، والتي لا بدّ منها ؛ تجدها مهملة والتفريعات والأرئيتيّات والحالات النادرة جدًّا جدًّا جدًّا ، والتي لا تقع في الألفي عام مرَّة ، هذه توضع لها أحكام وتناقش ، ويختلف في أحكامها وتأتي الحجج المؤيّدة والمعارضة ، وما شاكل ذلك ، هذا نوعٌ من الضَّلال فالوقت ثمين .

من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر فقد أبعد عن السعادة :

 ” وما أبْعَدَ عن السعادة – اسمعوا هذا الكلام الذي يُكتب بماء الذهب – من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر” شيء لا يقع ، أي لو أنَّ واحدًا لا أطراف له ، لا أيدي ، ولا أرجل ، ما حكم مسِّحه على الحفّين ؟! أنا عمري ما رأيت واحداً من دون الأطراف الأربعة !! هذا أخذ حيِّزاً .
 كيف نصلّي داخل الكعبة ؟ فهل يسمح للإنسان أن يصلّي داخل الكعبة ؟ وكيف الصلاة على سطح الكعبة ؟ لماذا هل يوجد سلّماً حتى تصعدها ؟!! ما حكم الوضوء بماء الحمِّص ؟ الوضوء بماء الحمّص لم يرد ، الوضوء باللبن معروف .
 أحدهم في البيت وضع سجَّادة ، وفي داخل البيت نهر ، وضع السجادة داخل النهر فخرجت من البيت ، هل تقطع يد من أخذها ؟ هو ما سرقها ، لوحدها خرجت ! كذلك هذه حالة ، أو إنسان وضع ماءً في طست وذهب ، يمكن أن تمرّ هرّة وتبول ، هذه لها حكم ، فإن لم يلحقها الهرّ له حكم آخر ! وأنا أودّ أن أجمع هذه الحالات !! شيءٌ مضحك ، حالات لا تقع في الحياة إطلاقًا تجد كتباً ، ومجلّدات ، ومؤلّفات ، ودراسات ، هكذا النبي عليه الصلاة والسلام علَّمَ أصحابه ؟! هكذا فتح العالم بهذه المعلومات ؟!!
 ” وما أبْعَدَ عن السعادة من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر إيثارًا للتقرّب وقبول من الخلق على التقرّب من الله تعالى ”
 طبعًا الواحد إذا أتى لك بأشياء دقيقة جدًّا ، وحجج قويّة ينتزع إعجاب الحاضرين ، ويحسّ بِمَكانته العلميّة ، ولكن هو يتقرّب لمن ؟ للخلق ! أما الحقّ فالتقرّب إليه يتمّ بالعمل الصالح ، وبالمؤاثرة ، وبالانضباط ، وبِغَضّ البصر ، وبالمجاهدة ، وبالإنفاق ، وبالصلاة المتقنة، وبالصّيام ، وبحفظ الجوارح ، هناك طريقان إما أن تستهدف التقرّب إلى الخلق ، وإما أن تستهدف التقرّب إلى الحق ، والخلق لا بدّ لهم من غرائب العلم ، أشياء ممتعة ونادرة ، تحكيها فتنتزعُ إعجاب الحاضرين ، وتحسّ بِنَشْوَة ، وهذه أشياء يتقنها علماء الدنيا ، دائمًا تجدهم يحفظون المفارقات ، النوادر ، قصص رائعة قلّما تحدث فيها عقدة وحلّ ، فيها غرابة فلمّا الإنسان يلهث وراء هذه الأشياء يكون هدفهُ التّقرّب من الخلق ، وانتزاع أعجابهم ، والاستعلاء عليهم ، أما من يتقرّب إلى الله بفهْم كتابه ، وغضّ بصره ، وقيام ليله ، وإنفاق ماله ، وإحسانه للمخلوقات ، والاشتغال بالقلب وتطهيره والسموّ به ، وخِدمة الناس ، ومعاونة المؤمنين ، وحلّ مشكلاتهم ؛ فهذا يتقرّب إلى الحقّ ، وهذا الإنسان الثاني يفتح الله على قلبه معانٍ لا تخطرُ في بال هؤلاء .
 أحدهم ذهب إلى بلد عربي – للأزهر – مدرّسٌ بالأزهر يقول : المؤمن – لا أذكر نصّ الحديث لكن مضمونه ومؤدّاه – وإن زنا ، وإن سرق ! هذا الأخ الحاضر قال : المؤمن يزني ؟! الله قال : ولا يزنون ، قال تعالى :

﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة النور: 3]

 والحديث في ذلك صريح ، فهذا المدرّس يشرح الحديث ، هذا المستمع وطالب العلم الذي ما درس إطلاقًا لا أصول ، ولا مصطلح الحديث ، ولا تفسير ، إلا أنّه بتفكير بسيط وسليم قال له : ولكنّ النبي يقول : وإن زنى وإن سرقَ في الماضي ، فضرب المدرّس جفنه وقال : والله هذا المعنى ما خطر ببالي ، ما قال : وإن يزني وإن يسرق ، طبعًا باب رحمة الله مفتوح وأبواب رحمة الله واسعة ، وأبواب التوبة مفتوحة على مصارعها ، ولا يستطيع إنسان أن يغلقها ، فهذا المدرّس له أربعون سنة وهو يدرّس ما خطر ببَاله أنّ قوله : وإن زنى وإن سرق تعني الماضي فهو فهمها بالحاضر ، مؤمن ويزني ، مؤمن ويسرق رغم أنفه ، فلمّا المؤمن يطهّر قلبه ، يخطر بباله معان لا تأتي بخواطر علماء الظاهر إطلاقًا .
 لا يعقل أنّ إنسانًا يتَّهم النبي صلى الله عليه وسلّم أنَّه ذهب إلى بيت زيْد فُتِح الباب لعب الهواء بالرداء الذي خلف الباب ، فبَدَتْ زينَب بثياب متبذِّلة ، وقعَت في نفسه ، فقال : سبحان الله ، فسمعتْه ، فقالت لِزيْد هذا ، كيف يكتب هذا الكلام في تفسيره ؟! كيف يليق بنا أن نقرأه عن رسول الله ؟ الذي قال الله تعالى بحقّه :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم: 4 ]

 أما علماء الظاهر فيقبلون هذا ، معلومات وردتْه ، ورد عن فلان أنّ فلاناً وفلاناً أن زيدًا قال : كذا وكذا !!! أما الذي يعرف رسول الله لو قُطِّع إرْبًا وإرْبًا فلا يقبل هذا ، هو فوق ذلك ، فالقضيّة قضيّة معرفة وليس قراءة ، فالعلم في الصدور لا في السطور ، من لم يحصّل هذا العلم عن الرّجال فهو ينتقل من مُحال إلى مُحال .

من ابتغى الدنيا بالدّين أضلَّه الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة :

 وشرهًا في أن يسمِّيهِ أبناء الدنيا فاضلاً محقِّقًا ، عالمًا بالدقائق ، وجزاؤه من الله ألا ينتفع في الدنيا في قبول الخلق ، بل يتكبّر عليه صفْوُه بِنَوائب الزمان ، ثمّ يرِدُ القيامة مفلسًا متحسِّرًا على ما يشاهده من ربْح العاملين وفوز المقرّبين ، وذلك هو الخسران المبين .
 الإنسان يتصوّر الصحابة الكرام ، هل هكذا كانوا ؟! هكذا ضيَّعوا أوقاتهم كأن الإمام الغزالي يحضّنا على أن نكون مقلّدين لصحابة الكرام ، في جديَّتهم ، وفي فهمهم لِجَوهر الدِّين، وفي تعلّقهم بِعَظائم الأمور ، وتركهم سفاسفها ، وفي تطبيقهم لما يسمعون ، وفي اتِّجاههم إلى الله عز وجل ، وفي إخلاصهم ، وفي العزوف عن الدنيا ، وفي العزوف عن ابتغاء الدنيا بالدّين.
 على كلّ من ابتغى الدنيا بالدّين أضلَّه الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة ، ابتغوا الدنيا عن طريق الدنيا ، تريد مالاً اتَّجِر ، اعْمِل مزرعةً ، ابْحث وادرس ، وخذْ شهادات عليا، إن كنت تريد الدنيا، أما إن كنت تريد الآخرة فلها طريقها الخاص ، أما أن تبتغي الدنيا عن طريق الدين فأغلب الظنّ أنّ الله سبحانه وتعالى لا يقبل ذلك ، لذلك هذا الذي يبتغي الدنيا بالدّين يضلّه الله في الدنيا قبل الآخرة ، كي يبْعِدَ الناس أن يتَّخِذوه قدوةً .

الحسن البصري أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء :

 ولقد كان الحسن البصري رضي الله عنه أشبهَ كلامًا بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأقربهم هديًا من الصحابة رضي الله عنهم ، واتَّفَقَت الكلمة في حقّه على ذلك ، وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب ، وفساد الأعمال ، ووساوس النّفوس ، والصفات الخفيّة الغامضة من شهوات النفس ، وقد قيل : يا أبا سعيد إنَّك تتكلَّم بِكَلامٍ لا يُسْمعُ من غيرك ، كلامك يجعل بالقلب سرورًا ، ويجعل القلب يذلّ ، من أين هذا الكلام ؟ ومن أين أخذْته ؟ فقال : من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، وقيل لِحُذَيفة نراك تتكلّم بِكَلامٍ لا يُسمعُ من غيرك فمن أين أخذته ؟ فقال: من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، لقد خصَّني به رسول الله صلى الله عليه وسلّم ! قال: كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر ، مخافة أن أقع فيه ، وعلمت أنّ الخير لا يسبقني علمه ، كنت أسأله عن الشرّ مخافة ان أقع فيه ، وقال مرَّة : فعلمْت أنَّ من لا يعرف الشرّ لا يعرف الخير ، فالصلاة معروفة أنّها خير ، والصدقة والعمل الصالح ، ولكن لمَّا تجلس في بيت فيه امرأة أجنبيّة ؛ هذا شرّ خطير جدًّا ، هذه الزوجة أجنبيّة ، تُشْتهى من قبل الإخوة ، يحصل فساد عريض ، هذه كلّها أبواب الشيطان ، يكون بيتك غير شرعي ، وهناك اختلاط بِحَياتك ، وعناء كسب حرام بحياتك ، لذا يجب أن تعرف أبواب الشرّ كلّها ، من أين تقع المعصية ؟ من هنا أغلق الباب ، ومن هنا أغلق الباب ، فإذا غلقْت جميع الأبواب ترقى إلى الله عز وجل ، ولكنّ الناس ماذا يحصل لهم ؟ يقولون : الخير نعرفه !! طبعًا الصلاة خير ، والحجّ خير ، والعمرة خير ، والصيام خير ، والصدقة خير ، والزكاة خير ، أما أنَّه ينسى أنَّ الاختلاط شرّ كبير جدًّا فيفسد الإنسان ، والغيبة والنميمة ، هذه تقطعك عن الله عز وجل ، كسب الحرام ، تقول : أنا اشتريْت ربْع هذا البيت ، وأنا الآن آخذ أجرته ، ولكن اشترطت أن آخذ نفس المبلغ من دون زيادة ولا نقصان ، هذا ربا ! لا بدّ أن تعرف من أين يأتي الربا ، وأنواعها ، هناك ربا ظاهر، وربا خفيّ ، كلّ قرْض جرَّ نفعًا فهو ربا ، إذا الواحد أقرض الآخر وأعطاه رهنًا مقابله ، واستعمل ذاك الرهن فهذا ربا .
 وفي لفظ آخر ؛ كانوا يقولون يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا ؟ يسألونه عن فضائل الأعمال ، وكنت أقول : يا رسول الله ، ما يفسد كذا وكذا ؟ فلمَّا رآني أسأله عن آفات الأعمال خصَّني بهذا العلم .
 وكان حذيفة رضي الله عنه أيضًا قد خُصَّ بعلم المنافقين ، وهو علم خطير وأُفْرِدَ بِمَعرفة علم النفاق وأشخاصه ، فقد سأله عمر وهو صادق فقال : لا ، والله ولا أزكِّي بعدك أحدًا! تصوّر سيّدنا عمر كان قلقًا ، علامة المتفوق القلق ، لأنَّه امتحان مخيف ، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضوان الله عليهم يسألونه عن الفتن العامّة والخاصّة ، وكان يُسأل عن المنافقين فيخبر بعدد من بقي منهم ؛ بقي ثلاثون ولكن مَن هم ؟ يقول : لا أدري ! كان يعيّن عددهم ، ولا يعيّن أسماءهم .
 وكان عمر رضي الله عنه يسأله عن نفسه ؛ هل يعلم فيه شيئًا من النّفاق فبرَّأهُ من ذلك ، وكان عمر رضي الله عنه إذا دعي إلى جنازة لِيُصلِّي عليها نظر ؛ إن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك ، لأنَّ النبي الكريم مأمور ألا يصلّي على المنافقين ، لأنّ حذيفة يعرف المنافقين ، وكان يسمَّى حذيفة صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
 فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة ، لأنَّ القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى ، وقد صار هذا الفنّ غريبًا مندرسًا ، قالوا كلمة : إذا علِمَ الثقيل أنَّه ثقيل فليس بِثَقيل لأنّ من علامات الإنسان أنَّه ثقيل لا يعلم أنَّه ثقيل ! كذلك من خشي على نفسه النفاق فهو مؤمن ، من علامة الإيمان أنَّه يخشى النفاق ، أما المنافق الحقيقي فلا يخشى النفاق ، منافق ولا يحسّ أنَّه منافق . وقد قال بعض الشعراء :

الطرق شتى وطرق الحق مفردة  والسالكون طريق الحق أفراد
لا يعرفــــــون و لا تدرى مقاصدهم   فهم على مهَل يمشون قصَّاد
و الناس في غفلة عمّا يُراد بهم  فجُلّهم عن سبيل الحـق رقَّادُ
***

طريق علماء الآخرة :

 ملخَّص الكلام أنَّه على علماء القلوب وعلماء الآخرة أن يُعْنَوا بتطهير قلوبهم ، ومجاهدة أنفسهم ، والتَّقرّب إلى ربّهم بالطاعات ، والأعمال الصالحة ، وأن يستفيدوا من كلّ دقيقة في حياتهم .
 لو أنّ إنساناً عنده بيت مكوَّن من خمس غرف وصالون ، وفيه من كلّ شيء ، وقيل له : عليك أن تغادر هذا المنزل إلى لا رجْعة ، واملأ هذه السيارة فقط ، ما الذي سيَضَعه في السيارة ؟ أثمن شيء ، وأقلّ حجم ، هل يعقل أن يضع فيها أريكة ؟! غير معقول ، يضع الأشياء الخفيفة الثمينة لأنَّه ليس معه إلا هذه السيارة ، كذلك المؤمن يصطفي ، فليس كلّ كتاب يقرؤه ، ولا كلّ صاحب يُجالسُه ، وليس كلّ نزهة يذهب إليها ، هذه فيها ذكر الله ، وتلك فيها معصية الله ، إذا استطعت أن أذكِّر بالله أذهب ، وهذا الكتاب قصّة لا فائدة منها لا أقرؤه ، علاقات غير شرعيّة وانتَهَت بِمَأساة كلّه كلام فارغ ، ومن أجمل كلمة سمعتها من أديب أنّ هذه القصّة تشبه حلّة فيها ملعقة عسل ، فمن أجل أن تدخل هذه الملعقة إلى جوفنا علينا أن نشرب كلّ هذا الماء الآسن !! كذلك أنت من أجل أن تأخذ المغزى ، وهو كمِلْعقة العسل لا بدّ أن تشرب كلّه هذه الحلّة ، وإنَّ الله يحبّ معالي الأمور ، ويكرهُ سفسافها ودنيَّها ، يقول لك : قصّة واقعيَّة ‍، ما معنى واقعيَّة ؟ تصف انحطاط الناس ، ولؤم النَّفس ، والإنسان يقرأ القصّة الواقعيّة ويشعر بانقباض نفسي لأنَّه رأى النفس البشريّة في أدنى انحطاطها ، أما إذا قرأ طريق الصحابة فيحس بارتفاع نفسي ، لأنَّه رأى النفس البشريّة في أرقى حالاتها ، فالإنسان عندما يقرأ عن الأبطال يشتهي أن يكون مثلهم ، ويجعلهم قدوة لهم ، أما إذا قرأ عن المنحطّين فقد يغرونه بالانحطاط ، وقد يجرُّونه إلى مستنقعهم الآثم .

* * *

الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود :

1 ـ إسلامه و خدمته للرسول الكريم :

 والآن إلى قصّة عن صحابيّ جليل هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
 لم يمْض غير قليل حتى أسْلم عبد الله بن مسعود ، وعرض نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليَخدمهُ .
 الإنسان أحيانًا إذا جمعه الله مع رسول أو نبيّ ، ولاحظَ أنَّه سعِدَ سعادةً أبديَّة عن طريقه ، يتمنَّى أن يقدّم له نفسه ، ليس القضيّة قضيّة تصنّع ، ولا فرْض ، ولا واجب ، لكن أنا كلّ سعادتي عن طريق هذا الرجل السعيد ، وأتمنَّى أن أقدِّم له أثْمنَ شيءٍ عندي ، فكان الصحابة الكرام الفقراء يقدِّمون خدماتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ومنذ ذلك اليوم انتقل الغلام المحظوظ عبد الله بن مسعود من رعاية الغنم إلى خدمة سيّد الخلق والأمم ، إذا الإنسان أكرمه الله بِخِدمة أهل الخلق فهذا شرف رفيع أحسن من خدمة أهل الدنيا للدنيا ، هذه أهداف خسيسة .
 لزم عبد الله بن مسعود رسول الله صلوات الله عليه ملازمة الظلّ لِصَاحبه فكان يرافقُه في حلّه وترحاله ، ويصاحبه داخل بيته وخارجه ، إذْ كان يوقظه إذا نام ، ويسترهُ إذا اغْتسلَ ، ويُلبِسُه نعليْه إذا أراد الخروج ، ويخلعهما من قدميه إذا همّ بالدخول ، ويحمل له عصاه وسواكهُ ، ويلج الحجرة بين يديه إذا أوى إلى حجرته ، علّ أن يكون فيها حشرة ، هذا تعبير عن محبَّته لله عز وجل ، بل إنّ النبي عليه الصلاة والسلام أذن له بالدخول عليه متى شاء !
 رُبِّي عبد الله بن مسعود في بيت رسول الله صلى الله عليه ، فاهْتدى بِهَديِه ، وتخلّق بِشَمائله ، وتابعهُ في كلّ خصلةٍ من خصاله ، حتى قيل عنه إنّه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم هَدْيًا وسَمْتًا ، الهدي يعني الهدى ، وسمتًا أي أخلاقًا ، وتعلَّم ابن مسعود في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فكان من أقرأ الصحابة للقرآن ، ومن كان قارئًا للقرآن فهنيئًا له ، وأفقههم لمعانيه ، وأعلمهم بشرْع الله ، كلّها أسماء تفضيل ، ولا أجلّ على ذلك من حكاية ذلك الرجل الذي أقبلَ على عمر بن الخطاب ، وهو واقفٌ بعرفة ، فقال له : جئتُ يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركتُ بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهْر قلبهِ ، فغضِبَ عمر غضبًا قلَّمَا غضبَ غضبًا مثلهُ ، وانتفخَ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرّحل ، وقال : من هو وَيْحَكَ ؟ هذا الذي يملي قد يكون خطأ ، فقال : هو عبد الله بن مسعود ، فما زال عمر ينطفئ ويسرّ عنه حتى ذهب الغضب عنه ، كلّ هذا الغضب الصاعد حتى بلغ القمّة حينما علم أنّ عبد الله بن مسعود هو الذي يقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ ، ويُمليه على الناس ، تلاشى هذا الغضب حتى عاد إلى حالته الأولى .
 ثمَّ قال : وَيْحَكَ والله ما أعلم أنَّه بقي أحد من الناس أحقّ بهذا الأمر منه ! هو وحده الذي له حق أن يفعل ذلك .
 وقال عمر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسهر ذات ليلة عند أبي بكر ، ويتفاوضان في أمر المسلمين ، موضوع اجتماعهم أمر المسلمين ، ومساعدتهم ، وكنت معهما ، ثمّ خرج النبي عليه الصلاة والسلام ، وخرجنا معه ، فإذا رجل في المسجد يصلّي لم نتبيَّنهُ ، فوقف النبي عليه الصلاة والسلام يستمع إليه ، ثمّ قال : ” من سرّه أن يسمع القرآن رطبًا كما نزل فليقرأهُ على قراءه ابن مسعود ” ثمّ جلس عبد الله بن مسعود يدعو ، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يقول له : ” سَلْ تُعْطَ ، سَلْ تُعْطَ ، ثمّ أتْبَعَ عمر يقول : والله لأغْدونَّ على عبد الله بن مسعود ، ولأبشرنَّه بِتَأمين النبي عليه الصلاة والسلام ، فغَدَوْتُ عليه فبشَّرْتُهُ ، فوجدْتُ أبا بكر قد سبقني فبشَّرهُ ” الشيء الذي كان يحيِّر عمر رضي الله عنه كلَّما همّ بأمر صالح يجد سيّدنا الصدّيق قد سبقهُ ، ووالله ما سابقْت أبا بكر غلى خير قطّ إلا سبقني إليه ! فسيّدنا أبو بكر ، وسيّدنا عمر سمعوا بِشارةً عن عبد الله بن مسعود فذهبوا ليُبَلِّغوهُ ، أما الناس الآن فيبلِّغون الأخبار السيّئة هكذا حكى عنك فلان !! فتقع العداوات ، أما الصحابة فكانوا يبلّغون الأخبار الطّيّبة .

2 ـ علمه :

 ولقد بلغ من علم عبد الله بن مسعود من كتاب الله أنَّه كان يقول : ” والله الذي لا إله غيره ما نزلَت آيةٌ من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلَتْ وأعلم فيما نزلَت ، ولو أعلم أنّ أحدًا أعلمُ منِّي بكتاب الله تنالهُ المطيّ لأتيْتُهُ ” كلّ آية أين نزلت ، وفيما نزلت ، وما معناها ، ولم يكن عبد الله بن مسعود مبالغٌ فيما قاله عن نفسه ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلقى ركبًا في سفر من أسفاره ، والليل مخيّم يحجب الرَّكب بِظَلامه ، وكان في الرَّكب عبد الله بن مسعود ، فأمر عمر رجلا أن يناديه ويقول : من أين القوم ؟ فأجابه عبد الله : من الفجّ العميق ، فقال عمر : أين تريدون ؟ فقال عبد الله : البيت العتيق ، قفال عمر : إنَّ فيهم عالمًا ، وأمر رجلاً فناداهم أيّ القرآن أعظم ؟ أيّ آية في القرآن أعظم ؟ فأجابهُ عبد الله :

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾

[ سورة البقرة: 255]

 فقال السائل : أيّ آي القرآن أحكم ؟ فقال عبد الله بن مسعود :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾

[ سورة النحل: 90]

 فقال عمر : نادهم ؟ فقال : أيّ آي القرآن أجمع ؟ فقال عبد الله :

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾

[سورة الزلزلة:7]

 فقال عمر : نادهم ، وأيّ الآي القرآن أخوف ؟ فقال عبد الله :

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

[سورة النساء : 123]

 فقال عمر : نادهم ، أيّ آي القرآن أرجى ؟ فقال عبد الله :

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[سورة الزمر : 53]

 فقال عمر نادهم – الآن كم سؤالاً سألهم ؟ السؤال الأوّل أي آي الله أعظم ؟ وثاني سؤال : أيّ آي الله أحكم ؟ وثالث سؤال : أيّ آي الله أجمع ؟ والرابع : أيّ آي الله أخوف ؟ والخامس : أيّ آي الله أرجى ؟ السؤال السابع من يتوقَّعْهُ ؟ أعظم وأخوف وأرجى وأجمع وأحكم قال : نادهم أفيكم عبد الله بن مسعود ؟ فقالوا : نعم !

3 ـ شجاعته :

 ولم يكن عبد الله بن مسعود قارئًا عالمًا زاهدًا عابدًا فحَسْب ، وإنَما كان مع ذلك قويًّا حازمًا مجاهدًا مقدامًا إذا جدّ الجدّ ، دائمًا العلماء الكبار يجمعون الشجاعة مع العلم ، وكان يُرَى ضعيفًا مستضعفًا ، فإذا جدَّ الجدّ فهو اللّيث عاديًا ، وكان أكثر دهره صامتًا فإذا تكلَّم بزّ القائلين ، فحسْبهُ أنَّه أوَّل مسلم على ظهر الأرض ظهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقد اجْتمعَ يومٌ أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام بمكَّة وكانوا قلَّة مستضعفين فقالوا والله ما سمعَت قريشٌ هذا القرآن يجْهر لها به قطّ ، فمن رجلٌ يسْمعهم إيَّاه ؟ فقال عبد الله بن مسعود : أنا أسمعهم إيَّاه ، تصوَّر أحدهم يقرأ القرآن في ذلك الوقت ؛ حياته في خطر ، فقالوا : إنَّا نخشاهم عليك ، إنَّنا نريد رجلاً له عشيرةٌ تحميه ، وتمنعهم منهم إذا أرادوه بِشَرّ ، فقال : دعوني إنّ الله سيمنعني ويَحْميني ، ثمّ غدا إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم في الضحى ، وقريشٌ جلوسٌ حول الكعبة ، الله إذا أكرم أحدكم بزيارة هذه الأماكن المقدَّسة هذه الكعبة كانت الأصنام حولها ، وحدثت فيها المعارضات ، وحدث الصّلح ، و حمل النبي عليه الصلاة والسلام الحجر الأسوَد ، هذه كلّها أماكن ، والإنسان لو استعرض التاريخ لاقْشعرَّ بدنه ، لأنَّ هذا المكان مقدَّس .
 وقريش جلوس حول الكعبة ، فوقف عند المقام وقرأ : الرحمن علّم القرآن خلق الإنسان ، ومضى يقرؤُها ، فتأمَّلتْه قريش ، فقالَت قريش ماذا قال عبد الله ؟ تبًّا له إنَّه يتلو بعض ما جاء به محمَّد ، وقاموا إليه وجعلوا يضربونه ، وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله له أن يبلغ ، ثمّ انصرف إلى أصحابه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليه ، فقال : والله ما كان أعداء الله أهْونُ في عيني منهم الآن ، وإنِّي إن شئتم لأعود لِمِثلها .

4 ـ وفاته :

 عاش عبد الله بن مسعود إلى زمن خلافة عثمان رضي الله عنه ، فلمَّا مرض مرض الموت جاءهُ عثمانُ عائدًا فقال له : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ، فقال : ما تشتهي ؟ قال رحمة ربّي ، قال : ألا آمر لك بِعَطائك الذي امتنعتَ عنه منذ سنين ؟ قال : لا حاجة لي به ، فقال : يكون لِبَناتك من بعدك ، فقال : أتخشى على بناتي الفقر ؟ إنِّي أمرتهنّ أن يقرأن كلّ ليلة سورة الواقعة ! وإنِّي سمعتُ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تُصبْهُ فاقةٌ أبدًا))

[البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

تعليق بسيط حول قراءة سورة الواقعة :

 لي تعليق حول هذا الحديث بعد الأذان وهو أنّ قوله صلى الله عليه وسلّم :

(( من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تُصبْهُ فاقةٌ أبدًا))

[البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

 هناك أشخاص يظنون أنّ هذه السورة للفقر !! وهذه السورة لهذه المشكلة ، وهذه السورة لهذا المرض ، وهذه السورة لوَجَع الرأس ، أعتقد أنّ هذا الفهم خاطىء في كتاب الله ، إلا أنَّه خطر ببالي مثلٌ الآن ، لو قلت لأحدهم : ضع البنزين في السيارة تتحرَّك ، إذا كان هناك محرّك طبعًا ، فليس أيّ بنزين يوضع في السيارة تمشي به تلك السيارة إذا كان هناك محرّك ، وكلّ الأمور منتظمة ، هنا تمشي ، فإذا الإنسان قرأ الواقعة ، وكان مؤمنًا ، وعرف أنّ الأمور بيد الله كلّها ، وعرف أنّ الناس بالنهاية من أصحاب اليمين ، ومن أصحاب الشمال ، والسابقين السابقين ، وشمّر حتى يكون مع السابقين السابقين ، وطهَّر نفسه ، فالله عز وجل لا داعي أن يفقرهُ ، فليس المقصود أن يقرأ الواقعة فقط ليصبحُ غنيًّا !! قرأها ، وفهمها ، وتمثَّلها ، وطبَّق ما فيها ، فالفقر علاج ، دوام مرّ ، فلمّا الإنسان يطهر بهذه السورة كأنّ الفقر لم يعُدْ له معنى بِحَياته ، وهذا هو المعنى العميق ، ضعْ البنزين وامْش ، هذا شرط وجود المحرّك ، وانضباط كلّ الأمور ، وتعمل بانتظام ، أما لو وضع البنزين والمحرّك لا يوجد فلن تمشي ، فالنبي الكريم ما قصد أنَّه من قرأ الواقعة حُلّت مشاكله ، لو كان الأمر كذلك لكان الأمر سهلاً تأتي مشكلة فنقرأ الواقعة ؛ حينها تنحل المشكلة !! حينها لن تجد بيتًا لا يحفظها ! عليه دَين يقرأ الواقعة !! فالنبي الكريم يقول كلامًا له معنى عميق ، إذا قرأت الواقعة ، وفهمتها ، وأنّ هناك مسؤوليّة كبيرة ، وأنّ الناس لهم مصائب ثلاثة ، وأنَّك إذا كنت هكذا أصبحت هكذا ، وإذا كنت هكذا أصبحت هكذا، وإذا كنت هكذا أصبحت هكذا ، واتَّعَظت بها ، وطبَّقت ما فيها عندئذٍ رفعَت عنك العلاجات ، هذا المقصود من قول النبي عليه الصلاة والسلام .

بيان لقوله تعالى : و أما بنعمة ربك فحدث :

 كلمة قصيرة حول أخٍ كريم أراد أن يبيّن لنا : وأما بنعمة ربّك فحدّث ، سمع تفسير هذه السورة في جامع الحاجبيّة ، وقلتُ أنا وقتها : إنّ الذي تُصيبهُ حالات نفسيّة طيّبة ، إذا ذكرها لإخوانه الخلَّص هذا ليس من الفخر ، ولكن من نوع التحدّث بِنِعمة الله .
 فالرجل هذا دُعِيَ إلى نزهة فيما يقول ، في ضواحي دمشق ، وقد عرف أنّها ليْسَت من مستواه ، ولا يبدو منها رضاء الله عز وجل ، ويبدو أنّ هؤلاء الذين ذهبوا إلى النزهة سيّئون وحديثهم ليس في مستواه ، فاعتذر منهم ، ورجع ، ولمَّا ذهب إلى البيت ، ونام ، رأى نفسه في المنام أنّ له قصْرًا كبيرًا جدًّا ، مطلاًّ على وِديان خضراء ، وروابي رائعة ، وأنَّه سعيد جدًّا في هذا القصر ، وأنّ الله سبحانه وتعالى كأنَّه أكرمه بهذه الرؤيا وجعلها تعويضًا له عن هذه النزهة التي لا ترضي الله عز وجل ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

طريق الشرع دائماً أفضل طريق :

 دائمًا الشرع أحقّ أن يُتَّبَعَ ؛ شابّ خطبَ فتاةً منذ سنة وثلاثة أشهر ، عُقِدَ عقْدٌ غير رسمي أمام شيخ ومحام ، وحصلَت خلافات ، المُسبِّب بها الطرفان ، أدَّت أن يطلب الشاب أن تأتي إليه إن كانت تريده ، فكرِهَتْهُ الفتاة ، هل يجب أن يرمي عليها الطلاق ؟ هل تجب العِدَّة على الفتاة ؟ هل يحقّ للفتاة شيء من المهر المؤجلّ أو المعجّل ؟ هل يحقّ شيء للفتاة من المصاغ ؟ طبعًا العقد الشرعي يجب أن يكون في المحكمة ، وعقد رسمي لأنّ العقد الشرعي لا يستطيع الزوج أن ينكرهُ ، لكن هذا العقد إذا ما اعترف به الزوج ينكره ، وإذا دعي لِحَلف اليمين قد يحلف اليمين لأنّه لا توجد وثيقة ، فالقضيّة فيها مخالفة ، ولا ندخل بالتفصيلات ، ولكن الإنسان لا يتورَّط بِعَقد زواج غير شرعي ، لأنّ هذا العقد فيه خطورة على الحقوق ، فالبنت أصبحت مخطوبة ومتزوِّجة ، أو لو حصلَت خلوة بينه وبينها أصبحت زوجته ، فإذا لم يعترف هنا الطامة الكبرى ، فالإنسان لا يتسرّع فأحيانًا يأتيك خاطب مقبول ، فيقول له : نريد كتاباً خارجياً ، لماذا خارجي ؟ إذا كنت أنت واثقًا من نفسك فالكتاب الرسمي دليل حسن نيّتك إذا لا يوجد مانع يمنع عقد القران ، لا بدّ أن يكون القران في المحكمة أو القرار الرسمي الذي يسجّل في السجلات القضائيّة ، وإلا هذه العقوبة الخارجيّة لها مضاعفات ، فإذا ما اعترف الزوج مشكلة ، وإذا ما شهد الشهود مشكلة ، وإذا حلفوا اليمين ، وإن حصلت الخلوة مشكلة ، والطلاق مشكلة ، والعدّة مشكلة ، كلّها مشكلات فالإنسان يتّقي الله عز وجل ويطبّق الشرع فهو أرْيَحُ له ، وأضْمن لسعادته .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *