الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / بحث كبير وكامل عن شمائل النبى صلى الله عليه وسلم

بحث كبير وكامل عن شمائل النبى صلى الله عليه وسلم

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

58

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الشبهات :

 أيها الأخوة الأكارم ، لازلنا في موضوع الشبهات ، بينت لكم في درس سابق قول النبي عليه الصلاة و السلام الحلال بين كالأبيض الناصع و الحرام بين كالأسود الداكن و بينهما أمور مشتبهات ملايين الحالات التي يختلط بها السواد بالبياض ، يختلط الحرام بالحلال، هذه الحالات بين الأبيض الناصع و الأسود الداكن لا يعلمها كثير من الناس و هي التي أهلكت الناس ، قبل المضي في الحديث عن هذا الموضوع يقول عليه الصلاة و السلام :

((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ))

[الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 أي يقول المسلم اليوم : أنا لا أزني ، أنا لا أسرق ، أنا لا أشرب الخمر ، هذه كبائر و يتهاون بالصغائر ، الحقيقة الكبائر كبائر و إذا تركت الكبائر الإنسان قد يهلك بالصغائر :

(( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ))

[الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 و :

(( لا صغيرة من الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ مسند الشهاب عن ابن عباس ]

 و الصغيرة في النهاية كالكبيرة أي حرف المقود سنتمتر واحد على مسافة مئة متر يؤدي بالإنسان إلى الوادي ، و حرف المقود تسعون درجة فجأة يؤدي به في الوادي ، القضية قضية وقت أما في النهاية فالصغيرة إذا استمر عليها ، و ثبت عليها ، و أصرّ عليها في المؤدى كالكبيرة ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام :

(( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ ))

[الطبراني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 أي شبهات ، هذه التي لا يعبأ بها الناس ، هذه التي لا يعلمها كثير من الناس ، الإمام الغزالي رضي الله عنه في إحياء علوم الدين أفرد لها فصولاً طويلة ، لازلنا في أول الطريق .

من مسارات الشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية :

 تذكرون في أول درس تحدثت عن الشبهات بينت أن مسار بعض الشبهات في أسبقية السبب المحلل و السبب المحرر ، الصيد في الأسلحة حلال و لكن إذا صدت غزالاً ووقع في الماء فرأيته ميتاً هل مات بسبب جرحه فهو حلال أم مات بسبب غرقه فهو حرام ؟ هذه شبهة و تحدثنا عنها ملياً ، ثم تحدثنا عن اختلاط الحلال بالحرام ، حلال محدود مع حرام محدود ، حرام محدود مع حلال غير محدود ، حرام غير محدود مع حلال غير محدود ، و تحدثنا في درس آخر عن طرح السؤال ، إذا سألت إنساناً ما : هل هذا المال حرام أم حلال ؟ هذا له تفصيلات بيناها في وقتها .
 اليوم موضوع جديد حول الحلال و الحرام ، أو حول الشبهات المسار الثالث للشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية ، الآن العمل حلال لكن يتصل بهذا العمل الذي أحله الله شيء حرام قال : إما في قرائنه – أي ما يقترن به – وإما في لواحقه ، وإما في سوابقه ، وإما في عوضه .
 يجوز أن يقترن بالسبب المحلل شيء حرام ، أو أن يسبقه شيء حرام ، أو أن يلحقه شيء حرام ، أو أن يكون عوضه شيئاً حراماً ، وكانت هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض من المعاصي التي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل ، مثلاً لو أنك عقدت قراناً على امرأة تبينت أنها أختك من الرضاع ، هذا الذي تبين لك يبطل السبب المحلل وهو الزواج ، هذا العقد باطل لا يسمى هذا العقد باطلاً ، لا يسمى هذا العقد فاسداً ، لأن شيئاً أبطل السبب المحلل ، لكن إذا عقدت قراناً على امرأةٍ من دون مهر هذا عقد فاسد ، العقد الفاسد يصحح أما العقد الباطل فلا يصحح يبطل ، هنا موضوع دقيق جداً ، أي هذا الشيء الذي اقترن بالحلال أو سبقه أو لحقه أو كان بدلاً منه ، هذه القرائن واللواحق والسوابق والعوض ، هذه كانت من المعاصي لكنها لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل .
 مثال المعصية في القرائن ، البيع وقت نداء الجمعة ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الجمعة : 9]

 البيع حلال وأحلّ الله البيع لكنه اقترن بوقت النداء ، هذا السبب لا يوجب بطلان العقد في رأي بعض العلماء ، ولكن معصية لله عز وجل ، والذبح بالسكين المغصوبة ، الذبح حلال لكن هذه السكين مغصوبة ، والاحتطاب بقدوم مغصوب ، والبيع على بيع الغير فيه معصية ، والصوم على صومه ، كل هذا ورد نهي فيه ، ولكن من يدل على فساد العقد هو معصية يجب أن تترك ولكنها لا تجعل هذا العقد باطلاً ولا تجعله فاسداً فإن الامتناع من جميع ذلك ورع ، وإن لم يكن المستفاد بهذه الأسباب محكوماً بتحريمه ، ليس هذا من باب التحريم القطعي ولكن من باب الكراهية الشديدة ، إذاً هذه شبهة بمعنى أنها من النوع المكروه .

أنواع الكراهة :

 وقالوا : إن الكراهة لها ثلاث درجات ، كراهة تقترب من الحرام ، الطلاق شيء مكروه ، أبغض الحلال إلى الله الطلاق ، هذه كراهة تقترب من الحرام والورع عنه مهم ، والأخيرة تنتهي إلى ورع من نوع المبالغة ، والوسطى تلحق بإحدى الطرفين ، يوجد عندنا كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم ، وكراهة تقترب إلى درجة المبالغة أو الوسوسة ، وعندنا كراهة بينهما، فهناك مستويات ثلاثة للكراهة ، إذاً الكراهة درجات ، كراهة ترتقي إلى مستوى التحريم، وكراهة تلحق بكراهة الوسوسة والمبالغة ، وكراهة بينهما .
 المسروق أن تأخذ السكين من حرز من دون أن يشعر بك صاحبها هذه سرقة أما الاغتصاب فقد تأخذها أمامه ولكن بقوة ما ، قد تأخذها بقوة السلاح ، وقد تأخذها بقوة أدبية معنوية هذا اسمه غصب .
والورع حسن والمبالغة فيه أحسن ، لازلت أقول لكم :

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

 والفرق الجوهري بين المؤمن الصادق وبين المنافق الورع ؛ هذا ورع يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس ، وهذا لا يبالي أكان ماله حلالاً أم حراماً ، لكن أحب أن أبين لكم أن هناك حالات مرضية ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ]

 المتنطعون الذين يقعون في وساوس ومبالغات ما أنزل الله بها من سلطان ، تراه معطلاً وقته ، وطاقته ، وجهده ، في البحث في تفصيلات لا تقدم ولا تؤخر ، هذا مرض يصيب بعض المؤمنين ، كيف أن هناك أمراضاً نفسية كثيرة وشائعة متعلقة بالوسوسة سماها العلماء الوساوس المتسلطة ، هناك أمراض نفسية تصيب بعض ضعاف المؤمنين من داء الحلال والحرام والشبهات وما شاكل ذلك ، أي يوجد إنسان عنده كرم عنب أحرقه جميعاً لماذا ؟ قال : يخشى أن يصل بالنهاية إلى خمار فيصنعه خمراً ، قياساً على هذه القاعدة يجب أن تدمر كل شيء ، هذا يحتاج إلى طبيب نفسي ، شيء مضحك ولكنه شيء واقعي ، أنا أحياناً تصلني حالات من هذا القبيل ، هذا شيء ما أنزل الله به من سلطان أنت بحاجة إلى من يسدد خطاك وإلى من يقول لك هذا حلال وهذا حرام .

المعقد يعقد الأمر على الناس والبساطة نصف الجمال :

 أما هنا فهناك فكرة دقيقة إلى أقصى الحدود :

((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا))

[رواه مسلم عن ابن مسعود ]

 هؤلاء المبالغون الذين يصلون بتفكيرهم إلى مناطق موحشة ، إلى مستحيلات ، إلى افتراضات باطلة يتنحلون ، يبالغون ، يتصنعون إلى درجة أنهم يمقتهم الناس ويمقتون أنفسهم ، قال : هذه المبالغات وإن كانت لا تضر صاحبها لكنها ربما توهم الغير أن مثل هذا مهم ، أي إذا رجل قدم لك سؤالاً باهتمام بالغ أنه ليس متأكداً بعد أن نوى الصلاة وقرأ الفاتحة أن الماء تجاوز عقبيه أم لا يتجاوز ، فانشغل وأمضى صلاته كلها في هذه الوسوسة ، إذا إنسان غريب عن الدين وسمع هذا السؤال يرى الدين معقداً إلى درجة غير معقولة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا ))

[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 الإنسان إذا شعر أن الدين معقد جداً تنشأ عنه حالة غريبة يقول لك : هذا شيء غير واقعي ، مستحيل أن يطبق ، يتركه كله ، سألني رجل وقال : جاءتني كنزة من إنكلترا هل يجوز أن ألبسها ؟ قلت له : لماذا لا تلبسها ؟ قال : هذه الكفار صنعوها ، قلت له : معقول هذا الكلام ؟ رأيته يبالغ هذه المبالغة فقلت : شدْ عليه لا تلبسها معك حق ، هذا التفكير مرضي ، على هذا القياس لا نجوز أن نشرب بهذا الكأس ، هذا مصنوع في فرنسا وأيدي كفار صنعته .
الإمام الغزالي يقول : من وصل إلى هذا التحمل وهذه المبالغة وهذه الوسوسة إلى درجة أنه أوهم الناس أن الدين قيود لا حدود لها ، مبالغات لا نهاية لها ، تعقيدات لا حل لها ، ما الذي ينشئ في نفس الذي يستمع إلى هذا الكلام ؟ ينفر من الدين ، يرى أن هذا الشيء غير واقعي ولا سبيل إلى تطبيقه والأولى تركه كلياً ، أي إذا طالب دخل المدرسة – وهذا من باب التبسيط – يكتب الطالب كلمة الاجتماع يضع لها همزة وهذا خطأ ، الاستقلال لا تحتاج إلى همزة ، يأتي أستاذ عربي ويقول : الهمزة في أمر الثلاثي وماضي وأمر ومصدر الخماسي وماضي وأمر ومصدر السداسي همزة وصل فهذه القاعدة معقدة ، يأتي أستاذ ثان يقول للطالب : أضف لهذه الكلمة واواً فإن بقيت الهمزة فاكتبها وإن سقطت فأسقطها ، الاستقلال والاستقلال لا تحتاج إلى همزة ، اجتماع والاجتماع لا تحتاج إلى همزة ، أكل وأكل هذه تحتاج إلى همزة ، أكرم وأكرم هذه قاعدة مبسطة ، فالإنسان عندما يعقد الأمور على الناس ينفرون ، هذا المستشرق الذي جاء يريد أن يسلم في مصر وأوقعه حظه العاثر بعالم متحجر فجعله في مجلسة ستة أشهر في أنواع المياه ، هذا متشوق إلى الله عز وجل يريد أن يعرف شيئاً عن الله ، عن كتاب الله ، أنواع المياه ، مياه الآبار ، الآثار حكم الوضوء بماء العدس ، حكم الوضوء بالبن ، إلى أن ترك الإسلام والتقى بالإمام محمد عبدو قال له هذه قصتي أهكذا الدين ؟ قال له : الماء الذي تشرب منه توضأ منه.
 أحياناً هناك موضوعات ليست واقعية ، موضوعات افتراضية ، موضوعات لدرجة الإنسان ينفر منها ، يقول لك : إذا وقعت هذه الفأرة في البئر وكان يلحقها هر وخافت منه وبالت في الطريق فالماء حلال ، من الذي يراقب الفأرة والقط يلحقها هل بلت نفسها ؟ هكذا الفقه أعوذ بالله أشياء في غاية التعقيد لذلك : أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟ خاطبوا الناس بما تفهمون ، المعقد يعقد الأمر على الناس والبساطة نصف الجمال .

((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ : قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ]

 الملخص هنا : إذا بالغت في هذه الشبهات لدرجة أصبح الدين شيئاً عقيماً ، معقداً جداً ، متاهات ، اضطرابات ، أشياء خيالية غير واقعية ، إنسان يقول : هذا ليس ديناً ، يتركه كلياً ، أما إذا كان العرض مبسطاً واضحاً وضعت يدك على النقاط الجوهرية في الدين تحبب الناس بالدين ، هذا مثل القرائن ، القرائن البيع أثناء النداء ، أو ذبح الحيوان الذي أحل الله ذبحه بسكين مغصوبة ، أو ما شاكل ذلك .

أمثلة اللواحق :

 الآن من أمثلة اللواحق قال : فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية ، أي رجل باع العنب إلى خمار ، العنب حلال ، فاكهة من خلق الله سبحانه و تعالى ، أحلّ زراعة العنب و جنيه و أكله و بيعه ، كل شيء في العنب حلال إلا أن تبيعه لخمار لأنه سوف يصنعه خمراً و يؤذي به عباد الله ، الإنسان ينتبه إذا أراد أن يبيع شيئاً وهذا الشيء ينتهي بمعصية يكون عمله به شبهة ، قال لي رجل : كلفوني بتمديد كهرباء لملهى ، لا تفعل ذلك ، إذا أردت أن تساهم بتأمين راحة العصاة ، و تساهم بتأمين سرور الفجار ، تمديد الكهرباء شيء سليم جداً ، عمل شريف لكن يستفيد من الكهرباء العصاة وحدهم ،و تنقلب التمديدات إلى معاصي ، هذا من اللواحق .
 بيع السيف لقطاع الطريق ، بيع السيف لا شيء عليه طبعاً إذا صرح السلطان ببيعه ، فإذا منع السلطان بيع السيف لا ينبغي أن يباع السيف لأن الله سبحانه و تعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾

[ سورة النساء : 59]

 إذا كان السلطان قد أباح بيع السيف ، لا ينبغي أن تبيع السيف لمن ؟ لقطاع الطريق ، كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يباع السلاح في الفتنة ، أي هذه الدول الكبرى الآن بالإحصاءات الكبرى أربح صناعة في العالم صناعة السلاح ، وعقود السلاح دائماً عقود إذعان لا عقود بالتراضي ، أنت تريد أن تأخذ قماشاً ، قال لك : ثمن اليرد ثمانمئة ليرة هذا عقد بالتراضي ، إن وجدت اليرد بمئة وثمانين ليرة والبضاعة ممتازة تشتري أما إن قال لك : بألف ليرة اليرد فلا تشتري ، أما الذي يشتري السلاح هذا يعقد عقد إذعان ، الطائرة ثمنها ثمانية ملايين ليرة ، فهذه الدول العظمى التي تعيش على مشكلات الناس تبيع هؤلاء وهؤلاء فأربح صناعة في العالم الآن السلاح ثم الدواء ، أروج صناعتين السلاح والدواء ، أي يجرحون ويداوون فيربحون في الحالتين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي أمامة ]

 أي المسافة بين العابد والعالم كالمسافة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض ، بيع السيف بالفتنة ، بيع السيف لقاطع الطريق هذه من اللواحق ، يقول الإمام الغزالي : وبالجملة لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن، فإنه إذا جاوز مع رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه ، كما أن تحليل الحرام شيء كبير كذلك تحريم الحلال شيء كبير لذلك العلماء السابقون جبناء في الفتوى ، أهون شيء أن تقول : حرام ، وقد يكون حلالاً ، قد تكون هذه العلاقة حلالاً ، تقول له حلال وتأخذ الأحوط وترتاح ، أنت ارتحت ولكن أهلكته ، فلذلك الإنسان في الفتوى يجب ألا يتسرع ويتأمل وأن يراجع الكتب ، يراجع العلماء أما أن يفتي ويسرع بالفتوى فقد يهلك نفسه ويهلك غيره .

أمثلة عن المقدمات :

 يوجد عندنا قرائن ولواحق ، ويوجد عندنا مقدمات ، أي بيع العنب ، تبيعه لخمار هذه طاعة لحقتها معصية ، بيع البيت وقت أذان الظهر يوم الجمعة ، هذه طاعة اقترنت بها معصية ، الآن طاعة سبقتها معصية ، قال : ما بقي أثره في المتناول كالأكل ، شاة علفت بعلف مغصوب ، هذه الشاة جائعة جارنا غافل حششنا من أرضه سرقةً وأطعمنا هذه الشاة ثم أكلنا من هذه الشاة ، أكل لحم هذه الشاة طاعة لكنه سبقها معصية لازال أثر هذه المعصية في لحمها ، وفي لبنها ، وفي دهنها ، أو شاة رعت في مرعى حرام ، فإن ذلك معصية وبما أن هذه المعصية استمرت في الشاة فهذه مكروهة أشد أنواع الكراهية .
 يروى عن أبي عبد الله الطوسي أن له شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى الصحراء ويرعاها وهو يصلي ، وكان يأكل من لبنها فغفل عنها ساعةً فتناولت من ورق كرم على طرف بستان ، فتركها في البستان ولم يستحل أكلها لأنها أكلت من مال حرام ، ودخل هذا الحرام إليها وأصبح لحماً فيها ، فإذا أكلتها فقد أكلت شيئاً محرماً ، لكن هذا من باب الشبهات لا من باب المحرمات القطعية ، تركه ورع .
 هذه المرتبة الأولى شاة أكلت علفاً مغصوباً الكراهة فيها شديدة ، ويوجد درجة أقل امتناعه عن ماء يجري في نهر حفره الظلمة غصباً أو قهراً ، ماء يجري في نهر والنهر محفور غصباً أو قهراً أو عدواناً ، الدرجة الثالثة وهي قريبة من الوسواس أن يمتنع من حلال وصل على يد رجل عصى الله ، مثل موضوع الكنزة الإنكيزية ، قال : هذا قريب من الوسوسة .
 النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( . .اسْتَفْتِ قَلْبَكَ . . . . ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))

[ سنن الدارمي عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأَسَدِيِّ ]

 لأنك لو أخذت فتوى ممهورة بخاتم رسمي وكانت لا ترضي الله عز وجل علاقتك مع الله عز وجل ، هل تنجيك هذه الورقة من عذاب الله عز وجل ؟ استفت قلبك وإن أفتوك .
 ترى شخصاً يقول لك : ضميري غير مرتاح ، ليس مطمئناً متضايقاً هل هذه حلال ؟ أنا أؤكد لكم لو قلت له : حلال ، يقول لك : هذا الشيء ليس سهلاً أنت تسرعت وقلت لي : حلال .

(( عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ : أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلا الْمَسْأَلَةُ ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالإثْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ))

[مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ]

 تراه تارك أثراً في القلب ، فعندما الإنسان يأكل مالاً حراماً لو تلقى فتوى أن هذا المال حلال لا يرتاح ، هناك شيء داخلي ، أي ربنا عز وجل أعطانا مقياساً دقيقاً جداً لا يخيب.
 العلماء قالوا : القلب الصافي المعتدل هو الذي لا يجد حرجاً في الحلال ويجد حرجاً في الحرام ، أي كأن القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق للحلال والحرام ، قال تعالى :

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 61 ]

 أي القلب الصافي المعتدل مقياس دقيق ، لا لغيره بل لصاحبه .
 بقي علينا موضوع جديد وهو إذا اشتريت شاةً ديناً وذبحتها وأكلتها هذا عمل حلال مئة بالمئة ، إذا دفعت ثمنها بعد حين من مال مغصوب انقلبت حراماً ، اشتريتها حلالاً ذبحتها وأكلتها ، أديت ثمنها بعد حين من مال فيه شبهة فأصبح هذا الذي أكلته مشبوهاً .
 شيء حلال اقترن به حرام كالبيع في أثناء النداء ، أو ذبح شاةً بسكين مغصوبة ، أو لحقها حرام كبيع العنب للخمار ، أو سبقه حرام كإطعام شاة علفاً مغصوباً ، أو كان عوضه حراماً كشراء شاة ديناً وأكلها ثم نقد ثمنها بعد حين من مال مشبوه ، هذه أربع حالات تصبح فيه القضية محللة ذات شبهةً الأولى تركها ، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى المسار الرابع وهو الاختلاف في الأدلة .

* * *

شمائل النبي عليه الصلاة والسلام :

1 ـ يحجم لسانه إلا فيما يعنيه :

 والآن إلى نبذة عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ، تحدثنا في درس ماض عن سيرته وآدابه صلى الله عليه وسلم إذا دخل إلى منزله ، وكيف أنه يقسم وقته ثلاثة أقسام ؛ قسم لربه يمضيه في التعبد والتهجد وتلاوة القرآن والذكر ، وقسم لنفسه يشطره شطرين ؛ شطر لأخذ قسط من النوم ، وشطر لقضاء حوائج الناس قضاءً خاصاً ، وشطر لأهله يقسمه قسمين قسم يؤنسهم فيه ، وقسم آخر يلبي بعض حوائجهم فيه .
 الآن إذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام من بيته ، قال الحسين رضي الله عنه : سألت أبي – يعني علياً كرم الله وجهه – عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحجم لسانه إلا فيما يعنيه ، راقب نفسك الحديث الذي تتحدث فيه هل هو مما يعنيك ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))

[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ما معنى يعنيه ؟ أي تتعلق عنايته به ، أي يكون قصده ومطلوبه والعناية شدة الاهتمام بالشيء ، عناه الأمر أي أهمه ، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به بحكم الهوى وطلب النفس بل بحكم الشرع و الإسلام ، كيف ؟ أي مثلاً ماذا يعني المؤمن أن يعرف الله سبحانه و تعالى ؟ ماذا يعني المؤمن أن يتقرب إليه ؟ ماذا يعني المؤمن أن يستقيم على أمره ؟ فكل شيء يعنيه من هذه الموضوعات يسأل عنه ، يبحث فيه ، يتقصاه ، يدقق ، يتأمل ، يسأل، أما إن كان من أمر الدنيا فهو قد يعنيه من باب هوى النفس و لكن لا يعنيه من هوى الشرع ، مثلاً شاري بيتاً يريد أن يعمل له تزيينات هذا يعنيه فأصبح يسأل و يبحث و يدقق و يمضي الساعات الطويلة و أذهب عنه صلوات كثيرة ، أخي هذا الشيء يعنيني ، هذا يعنيك بحسب الهوى لا بحسب الشرع :

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))

[ ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 الذي يعنيه في مقياس الشرع ، لا يعني الإنسان الصادق إلا أن يعرف الله عز وجل، إلا أن يستقيم على أمره ، إلا أن يتقرب إليه ، هذا الذي يعنيه ، فكان عليه الصلاة و السلام يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ، أي أحد ما سأل عن آية قرآنية ، سمع تفسيرها يصغي بإذنه، ما توضيح التفسير ؟ يسأل ، حكم شرعي ، قضية متعلقة بالصلاة ، متعلقة بالزكاة ، قضية متعلقة بطاعة من الطاعات ، قضية متعلقة بأداء عبادة ، قضية متعلقة بحديث يتعارض مع آية، يا ترى ما وجه التوفيق بينهما ؟ قضية متعلقة بما يبدو له شبهة يحب أن يعرف وجه الحق فيه ، هذا كله يعنيك لكن هناك غوصاً في أمور تعنيك لكن لا ترضيك .

2 ـ يؤلف و لا ينفر :

 وكان عليه الصلاة و السلام يؤلفهم و لا ينفرهم ، أي كلما التقى بإنسان يحدثه بحديث يجمعه مع إخوانه ، أي اشترى بيتاً من أخيه قال : والله أخي باعني هذا البيت بمئتي ألف ، قد يكون سعر البيت ثلاثمئة ألف، من دون مبالاة البيت يساوي مئة ألف قالها ومشى ، مئتان على ماذا ؟ هذا الكلام يساوي شقاقاً، يساوي خلافاً ، يساوي عداء ، يساوي تقاطعاً ، يساوي تدابراً ، صلى الله عليه كان يؤلفهم ولا ينفرهم .
 دخل إلى عند أخته قالت له : زوجي ما أحضر لي شيئاً ، يقول لها : زوجك كله هدية ، أخلاق عالية وورع ، وجهده كله لكم ، لماذا هذه الهدية ؟ أما إنسان آخر فيقول : ما أحضر لك شيئاً هو لا يستحقك ، في المساء يوجد مشكلة ، من الممكن أن يرسلها إلى بيت أهلها ، ممكن أن ينتهي الأمر بالطلاق من أجل كلمة لا يستحقك ، صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ، دائماً يوفق بين الناس ، بين شريكين ، بين أخوين ، بين أب وابنه ، بين بنت وأمها، أي هذا الأب يشكو ابنه ، يقول له : معك حق انظر إلى غيره من الأولاد ، شيء لا يحتمل، ترى الأب ارتاح ، يا أخي لا يدرس ، لا أحد يدرس صار هناك عطف من الأب على ابنه ، جاء أب واشتكى لك على ابنه ، تقول له : لا والله أنا ابني مميز، لا يوجد منه ، حرقت له قلبه هو يشتكي على ابنه وأنت مدحت ابنك فتنشئ نفوراً بين الأب وابنه .
 أحياناً إنسان يمدح لك ابنك وأنت تعرفه ليس كذلك تقول له : جبر الله خاطرك ، هذا ليس مديحاً هذا جبران خاطر .
 فالنبي صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ولا ينفرهم ، خطيب أحضر لخطيبته أسوارة من الذهب فقالت أمها : من الآن تقدم ذهباً ، نريد ألماساً ، فإن قال أحدهم : أنت مخطئة الألماس يخيس نصف ثمنه ، والذهب هو هو ، بالعكس انطربت هذه الخطيبة ، لما قدم لها أسوارة ذهب انزعجت ، متوقعة ألماس يقدم لها ، جاء أخوها قالت له : ذهب أحضر لي خطيبي ، فقال : لابأس هذا الذهب لا يخيس وثمنه معه ، ومن ثم خيره إلى الأمام ، إذا كان معاملته لطيفة لك فهي أكبر هدية ، هناك أخوة يوقعون الشقاق بين الخطيب وخطيبته ، دائماً كلامه مؤذ ، شيطان داخل فيه ، أساساً كل إنسان كلامه يفرق هو شيطان ، ليس منا من فرق .

3 ـ يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم :

 يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، قال : ” أكرموا عزيز قوم ذلّ ، وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال ”
 هذه سفانة بنت حاتم طي وقعت أسيرةً عند النبي صلى الله عليه وسلم ، مرّ عليه الصلاة والسلام وكانت ذكيةً جداً ، فوقفت وقالت : يا رسول الله إن أبي كان يقري الضيف، ويعين على نوائب الدهر ، أكرمني أكرمك الله ، قال : أطلق سراحها وأطلق سراح قومها إكراماً لها ، ثم قال : أكرموا أباها فإنه كان يحب مكارم الأخلاق .
 هكذا النبي دخل عليه عدي بن حاتم ، رحب به ، إذا شخص دخل إلى عندك وأنت خلف الطاولة جالس تعرفه له مكانة اجتماعية تتجاهله هذا سوء أدب ، احتل وظيفة سابقة رفيعة ، الآن هو رجل متقاعد دخل إلى عندك أهلاً وسهلاً ، رحب به ، أكرموا كريم كل قوم .
 كان يكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليه ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منه بشره وخلقه .

4 ـ يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد :

 قال لك إنسان : أريد أن أستدين منك عشرة آلاف ليرة وأنت لا تعرفه وليس لك ثقة بأمانته ، أخي أنا لا أعرفك أخاف أن تأكلهم عليّ ، لا ليس كذلك ، إذا أنت اعتذرت منه اعتذاراً لطيفاً ، وبششت في وجهه ، كان يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد .
 احذروا الناس ، المؤمن كيس فطن حذر ، المؤمن يحترس ، يفكر بالعواقب ، يتبصر لكن كان يحذر الناس ويحترس منهم ، أي بشاشته للجميع ، يبش للجميع لكنه يحذر بعض الناس ، شخص لا تعرفه كيف تحدثه مثلاً عن أسرارك ؟ شخص لا تعرفه كيف تعطيه مالك بلا إيصال ؟ شخص لا تعرفه كيف تدخله لبيتك في غيبتك ؟ هذه بلاهة ، سذاجة ، كان يحذر الناس ، أي وجهه باش للجميع وأحياناً في حذر وفي احتراس من بعض الناس مما لا يثق بهم ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

5 ـ يتفقد أصحابه :

 يتفقد أصحابه يسأل عنهم ، فلان ما شأنه ؟ ما صنع فلان ؟ أين فلان لم نره ؟ غاب عنا طويلاً اسألوا عنه ؟ ولكن من الأصول إذا كان الإنسان يحضر مجلس علم واضطر أن يسافر ، أو اضطر أن يعمل عمرة ، أن يعطي للآخرين علماً بهذا ، أحياناً نفتقده شهراً ، فلان لم أشاهده ، ممكن أن يكون مريضاً أين كنت ؟ كنت في العمرة ، أعطنا خبراً نفرح لك ونبلغك رسالة أن تدعو لنا عند رسول الله ، فقط أعطنا علماً ، الإنسان بالإعلام يزيد المودة .
 يتفقد أصحابه ويسأل الإنسان عما في الناس ، جلست مع مزارع فوراً الآية الكريمة، الحديث ، الآخرة ، اسأله عن أحواله كيف المطر ؟ كيف الموسم ؟ أمنت بذاراً إن شاء الله ؟ هل يوجد عندك مشكلات ؟ إن شاء الله عملك جيد ؟ عندما تسأله عن أحواله يفرح ، هذا مهتم بمزرعته ، ببستانه ، بالمطر ، بالأتربة ، بالبذور ، تكلم عن موضوعاته ، جلست مع تاجر إن شاء الله العمل جيد ؟ هل تؤمن موادك ؟ بضاعتك ؟ كيف البيع ؟ إن شاء الله النتيجة جيدة هذه السنة ؟
 النبي صلى الله عليه إن جلس مع تاجر يسأله عن تجارته ، مع مزارع عن زراعته، مع موظف عن وظيفته ، إن شاء الله لا تعاني من المشاكل في وظيفتك ؟ كم ساعة دوامك ؟ يوجد وظائف مريحة ووظائف متعبة الحياة كلها جهاد وتعب :

(( من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له ))

[ ابن عساكر عن أنس]

 اسأل الموظف عن وظيفته ، والتاجر عن تجارته ، والمزارع عن زراعته ، والعامل عن معمله ، والله عز وجل يبعث لك محلاً ويكرمك وهو يعمل صانعاً ، الله كريم كلنا بدأنا من الصفر والله أكرمنا ، لما أنت تكلم شخصاً بموضوعات تهمه يحبك ، لكن هو مهموم والمطر لا تهطل تأتي تقول : الله عز وجل قال الآية الفلانية ، والحديث الفلاني ، والآخرة ، والموت ، يقول لك : لا أريد أن أموت الآن .

6 ـ يسأل الناس عما في الناس :

 يسأل الناس عما في الناس ، هذا له قضية تهمه أي عنده أولاد أنا ألاحظها ، إذا التقيت بإنسان اسأله عن ابنه فيسر ، كيف حال ابنك إن شاء الله بخير ؟ كيف دراسته ؟ كيف صحته ؟ عندما تسأل إنساناً عن ابنه يطمئن ، معنى ذلك أنك مهتم به ، ثم توجهه ليس في الحال اترك التوجيه لمرحلة ثانية ، اسأله عن أحواله ، بحاجة إلى مساعدة ؟ يريد قضية أن تعاونه فيها ؟ أحياناً تساعده باسم طبيب ، و الله يوجد اسم طبيب مختص بهذا المرض ، أحياناً تساعده باسم محامي ، باسم مهندس ، بموظف تعرفه اذهب إليه و قل له : فلان بعثني لعندك، عندما تحل له قضيته الدنيوية يميل قلبه نحوك و في ذلك الوقت توجهه ، يسأل الناس عما في الناس .

7 ـ يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه :

 يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه ، و الله أخي جاءنا خطيب لكن ، و الله أخي عملت عين العقل ، أنت بطل ، رسول الله قال :

(( إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))

[ابن ماجة عن أبي هريرة ]

 يأتي إنسان كافر يقول لك : و الله خطب ابنتي فلان عنده بيت ؟ لا و الله لا يوجد عنده ، ماذا تريد بهذا العمل ، ماذا يعمل ؟ موظف ، موظف لا تريده ، يكرهك بالناس الطيبين، مقياسه مادي فقط ، إذا كان هذا الخطيب لا يوجد معه مال وفير ، لا يوجد عنده معمل ، لا يوجد عنده بيت ، ينفروك منه ، هذا فسق و فجور ، صلى الله عليه وسلم يحسن الحسن و يقويه و يقبح القبيح و يوهيه .

8 ـ معتدل الأمر :

 معتدل الأمر ، أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما .
 أحياناً يخطب هذه البنت خاطب يدخل إلى الأعماق ، ما أكلوا من دونه ولم يذهبوا إلا معه ، فكشف كل مشاكلهم ، بعد هذا اختفى هذا الخاطب ، أحياناً يهجمون على الرجل هجمة ينسون أحوالهم ، وإذا عادوا عداء شديداً ، صلى الله عليه معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا ويميلوا ، أي لا يغفل عن نصح أصحابه ، لا يغفل عن تذكيرهم ، لا يغفل عن إرشادهم ، لا يغفل عن تعليمهم ، لا يغفلوا عن توجيههم ، مخافة أن يغفلوا عن الله ، فإذا غفلوا مالوا إلى الدنيا ، وإذا مالوا لها هلكوا .

9 ـ لكل حال عنده عتاد :

 لكل حال عنده عتاد ، قال له رجل : انظر هذه الفرس أعلفها كل يوم صاع من بر لأقتلك عليها ، قال له : إني قاتلك ، هكذا كلام لا يحتاج إلى لطف ، هذا الكلام يحتاج إلى كلام من وزنه ، في أحد قال أحدهم : أين محمد ما نجوت إن نجا ؟ دعوني ، خلوا بيني وبينه ، وكزه بالرمح فولى هارباً يعوي كالكلاب ، قال : قتلني قتلني ، فقال له : ما قتلك ، قال : والله لو بسق عليّ لقتلني .
 لأن لكل حال عنده عتاد ، الكريم معه كريم ، واللطيف معه لطيف ، قال : التكبر على المتكبر صدقة ، قال سيدنا الشافعي : ” ما تكبر علي متكبر مرتين” لا أسمح أن يتكبر عليّ إنسان مرتين .

10 ـ لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه :

 لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه ، أي لا إفراط ولا تفريط ، أحياناً الزوج يشدد تشديداً غير طبيعي ، ليس معقولاً طلبت منه أن تزور أهلها لا يسمح لها ، وآخر مسيبها ، واحد قصر عن الحق وواحد تجاوزه ، صلى الله عليه وسلم لا يقصر عن الحق و لا يجاوزه .

11 ـ الذين يلونه من الناس خيارهم :

 الذين يلونه من الناس خيارهم ، أي من السنة الأوائل المتفوقين يكونوا أقرب الناس له ، لو أن بعض الناس من دهمائهم ، من سوقتهم كانوا إلى جانبه أي يسيؤون أحياناً ، رجل جلس و صار يتجشأ تضايق منه رسول الله و قال له : كف عنا جشأك يا أخي ، اجلس أنت ببيتك ، آكل كثيراً ، مد أقدامه و أخذ راحته ، هذا ليس طالب علم ، اذهب و اجلس ببيتك يا أخي ، قال له : كف عنا جشأك ، النبي الكريم يتمنى أن يجلس حوله المتفوقون الصادقون المحبون العاشقون المتيمون ، الذين يلونه من الناس خيارهم أفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة ، هذا إن كان خرج من منزله .

الاستقامة عين الكرامة :

 الدرس الماضي عندما دخل بيته صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى :

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

 انتبه لكلامك يا أخي ، قد تكون كلمة تفرق بين زوجين ، قد تكون كلمة تنزع بيعة بيت ، نظر إلى البيت وجده مناسباً ، معه ثلاثمئة ألف عمل عقداً ، تأتي و تقول : أي بيت مناسب بثلاثمئة ألف ؟ نظرت إليه ، ما هذا البيت كالعلب هذا بيت هذا ؟ هذا يسكن ؟ قال : أنا لا أريده صار سعره خمسمئة و هو معه ثلاثمئة أصبح بلا بيت ، فهل صنعت معه جيداً أنت ؟ أنت عندك بيت ، سعره مليونا ليرة ، طبعاً أمام هذا لا يسكن ، هذا بالنسبة لك ، أما هو فيسكن فيه لأنه لا يوجد عنده بيت ، من كلمة تخلق مشكلة ، تفرق بين زوجين ، تنزع بيعة ، تُكره إنساناً بمجلس علم أحياناً ، قال تعالى :

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 هذا الكلام لا للاستهلاك و إنما للتطبيق ، و ليس للمتعة ، هذا كلام خطير هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 لا يلقي لها بالاً :

((قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَإِنَّا لَنُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ قَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

[الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

 و قال :

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]

 أي في الأعم الأغلب لا يسرقون ، و في الأعم الأغلب لا يزنون ، و في الأعم الأغلب لا يشربون الخمر ، و لكنهم يغتابون و يجتمعون للغيبة ، و يتكلمون بما لا يعرفون ، و يوقعون بين الناس ، و يحسدون ، و ينقلون الكلام من شخص لشخص ، هذا كله عند الله محرم، أي من علامة ورع المؤمن استقامة لسانه ، أحد العلماء الكبار الشيخ بدر الدين رحمه الله لا يستطيع رجل أن يتكلم عن أحد بمجلسه كلمة ، إذا رجل تكلم يقول له : اسكت يا با ، أظلم قلبنا ، يكن لك هيبة ، إذا رجل تكلم كلمة اسكت أظلم قلبي ، لا يدع أحداً يتكلم ، الآن تجد الناس ينهشون بأعراض بعضهم و يضحكون على بعض ، أين جالس أنت ؟ أنت مؤمن ؟ أنت مسلم ؟ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة الحجرات : 12]

 أي الاستقامة هي عين الكرامة ، و هذه المجالس قيمتها بتطبيقها .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *