الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / بحث مميز عن صدقة الفطر

بحث مميز عن صدقة الفطر

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

58

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.

صدقة الفطر :

 أيها الأخوة المؤمنون ، من المناسب أن ننتقل في هذا الدرس إلى صدقة الفطر ؛ لأنَّ هذا الوقت وقتها ، وقد أجاز الأئمَّة والعلماء أن تُدْفعَ في أوَّل رمضان ، لأنَّ دفعَ صدقة الفِطْر في وقت متأخِّر من رمضان قد يُضْعفُ من قيمتها ، لأنَّ هذا الإنسان الفقير يحتاج إلى تأمين حاجاته ، وإطعام أهله وكِسْوتهم في الوقت المناسب ، فمن المناسب أن يكون الحديث عن صدقة الفطر.
 بادئ ذي بدء ، هذه الصَّدقة أيها الأخوة من نوعٍ خاصّ ، تجب على كلّ مسلم؛ غنيٍّ أو فقير ، كبير أو صغير ، حرّ أو عَبْد ، لماذا ؟ لِيَذوقَ كلّ مسلم في العام مرَّةً طَعْم الإنفاق ، فالإنفاق له طَعْمٌ لا يعرفُه إلا من ذاقهُ ، والإنسان في البدايات يسْعَد في الأخذ ، يأتي عليه طَور إذا ارتقى إلى الله عز وجل يسْعد بالعَطاء ، فهذا مقياسٌ دقيق جدًّا يمكن أن تقيسَ نفسك به ، ما الذي يُسْعدُكَ ؟ أن تأخذ أم أن تُعْطي ؟ أن تأكل أم أن تطْعِم ؟ سيّدنا عمر أمسكَ بِتُفَّاحة ونظر إليها متأمِّلاً ، قال: أكلتها ذهبَتْ ، أطْعَمْتُها بَقِيَتْ ، سيّدنا النبي عليه الصلاة والسلام وزَّع شاةً ، ووزَّع أعضاءهَا عضْوًا عضْوًا – أطرافها – وعائشة تنظر إليه ، فقالت له : يا رسول الله لم يبقَ إلا كتفها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : بل بقِيَتْ كلّها إلا كتفها ، مقياسٌ دقيق ، ما الذي يُسْعدك ؟ أن تأخذ أم أن تعطي ؟ طبعًا العطاء للمَيْسور ، والزَّكاة لِمَالِكِ النِّصاب ، ولكنّ الله سبحانه وتعالى أراد من زكاة الفِطْر ولها اسم آخر زكاة الرأس ، لأنّها على كلّ رأس ، لا على المال ، على الرأس ، وعلى كلّ إنسان تمونهُ ، أو تلي عليه ، حتَّى إنَّ المسلمين يدفعون عن الأجِنَّة التي في بطون زوْجاتهم ، على كلّ مسلمٍ حرّ أو عبْد ، ذكرٍ أو أنثى ، صغيرٍ أو كبير ، غنيّ أو فقير ، يجب أن يدفع زكاة فطره ، النبي عليه الصلاة والسلام أعطاها المُبَرّر ، فقال : ” طُهْرةً للصائم ، وطعمةً للمسكين ” ففي رمضان لعلَّ لسانه زلَّ في كلمة غيبةٍ ، لعلَّ عيْنهُ سبقَتْهُ إلى نظرٍ كان الأولى أن يغضّ عنه بصره ، أو تأخَّر في غضّ البصر ، وهذه مخالفة ، طُهْرةً للصائم من لغْوٍ أو من رفثٍ من مخالفة طفيفة متعلّقة بالشَّهوة ، أو من مخالفة طفيفة متعلّقة باللّسان ، هذه اسمها عند علماء الفقه جَبْر ، حصَلَ خلَلٌ أو نقْص أو تقصير ، يأتي الجَبْر ، فهذا الذي ذهب إلى الحجّ ، وطاف طواف القدوم ، واعْتمَرَ ، وتحلَّل من ثياب الإحرام ، وبقيَ متنعِّمًا بالتَّحلّل عشرة أيَّام حتى جاء يومُ عرفات أو يوم التَّرْوِيَة عندئذٍ أحْرمَ هل هذا يساوي من جاء إلى الحجّ منذ أن وصلَ إلى مكَّة وهو مُحْرم وحتَّى يوم التَّرْوِيَة ؟ هذا بذلَ جهْدًا كبيرًا جدًّا وذاك بذلَ جهدًا يسيرًا كأنَّ ثلْمةً حصلَت في حجّ هذا الثاني ، نقول له : أنت عليك هَدْي ، هذا الهَدْي هو هَديُ الجَبْر.
 بالمناسبة لو أنّ إنسانًا غلِطَ مع ربِّهِ ، كأنْ تكلَّمَ كلمةً الأولى ألا يقولها ، نظرَ نظْرةً الأولى ألا ينظر إليها ، وقفَ موقفًا الأولى ألا يقفهُ ، وابتسَمَ ابْتسامةً الأولى ألا يبتسِمَها، فعَلَ شيئًا لا يتناسب مع مكانته ، فالصَّدقة تأتي لِجَبْر هذا النَّقْص ، ولِتَرْميم هذا الكَسْر ، إذًا صدقة الفِطر من أجل أن تذوق طَعْم البَذْل ، وطَعْم العَطَاء.

حكم صدقة الفطر و وقتها :

 شيءٌ آخر ، أنَّ يوم العبد هو يومُ جَبْر الخواطر ، ويوم إكرام ، وكلّ إنسانٍ يتمنَّى أن يأكل الطَّعام اللَّذيذ ، وأن يلبسَ الجديد ، فتأتي هذه الصَّدَقة لِتُغْني الفقراء ، والمساكين.
 صدقة الفطر حكمها واجب:

((فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان صاعًا من التمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين))

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

 صاع من تمر ، أو صاع من شعير ، هذا الصاع ماذا يُساوي ؟ قدَّرهُ كيلوان ومئة غرام تقريبًا ، ثمن التَّمر ، أو ثمن القمح ، أو ثمن الشعير فهناك رقم ، والحقيقة هذه أسعار متبدِّلة ، لكن ممكن أن يكون الحدّ الأدنى ثلاثين ليرة ، ومن زاد زاد ، وله الأجر والفضل ، الفقير يدفع ثلاثين ليرة عن الشَّخص الواحد ، على كلّ فرْدٍ يمونهُ ، أو يلي عليه ، يمكن على التَّمر أن يكون السِّعر أغلى ، أليس كذلك ؟ نحن لِصالِحِ الفقير نأخذ الحدّ الأدنى .
 وروى الجماعة عن ابن عمر رضي الله عنهما حديثاً :

((أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة))

[ متفق عليه عن ابن عمر]

 فهذه الزكاة لا تُؤدَّى إلا قبل صلاة العيد ، فمن أدَّاها بعد صلاة العيد فهي صدقةٌ عاديَة من الصدقات.
 هذه الصدقة واجبة على كلّ مسلم مالكٍ للنِّصاب ، ولو غير نامٍ ، ولو لم يحُل عليه الحَول ، هناك تشديد على أن تُدْفع هذه الزكاة لأكبر عدد في قاعدة المسلمين – كما قلتُ قبل قليل – لِيَذوقوا طَعْم الإنفاق.
 سبحان الله الآية الكريمة:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103]

 التَّطهير مِن ماذا ؟ من الشّح ، ربّنا عز وجل يقول:

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر: 16]

 الشّحّ مرضٌ خطير ، النبي قال : شرّ الناس من يعيشُ فقيرًا لِيَموت غنيًّا….” هناك حالات للشحّ العقل لا يصدِّقها ‍! إنسانٌ يحْرم نفسه كلّ ما في الدنيا نَظِيرَ تخزين المال ! هناك حالات كثيرة ، فلذلك كما قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103]

 فالذي يدفع زكاة الفطر من زكاة ماله ، هذا الدَّفع صار عادةً عندهُ والعادة تتأصَّل في الإنسان ، وإذا تأصَّلَتْ عادة البذْل صار سَخِيًّا .

تعريف الزكاة :

 إذًا صدقة الفِطر وزكاة المال من أجل تعْويد الإنسان نفسهُ البذل ، وهذه هي الطهارة. قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

[ سورة التوبة: 103]

 ما هي الزَّكاة ؟ الفِعل زكا يزْكُو ، ما معنى زكا ؟ نما ينْمُو ، وما الذي ينْمُو ؟ قال: يَنْمو الإيمان ، وتنْمو النَّفس ، والنَّفس لها مستويات ، قد تنتقل من مستوى إلى مستوى ، عندنا سؤال دقيق : إذا الإنسان سأل نفسه هذا السؤال : يا تُرَى أنا في هذه الأيَّام مثلي قبل عام؟! إذا كان مسْتَواهُ النفسي ، ومستوى معرفته بالله ، ومستوى استقامته ، ومستوى ورعه ، ومسْتوى بذْله ، همّه ، شوْقهُ ، حبّه ، إذا كان هو هذا العام كما هو في العام الماضي فهو مضمون ، والمضمون كما قال عليه الصلاة والسلام : مَن تساوَى يوماه ، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان ، إذا أنت كنت راكبًا رصيفاً متحرِّكاً ، سلَّماً متحرِّكاً ، بعض الأماكن حتى لا يكلّف الزبون نفسه التقدم نحو المحلّ التِّجاري ، هناك سلّم متحرّك ، تقف على الدرجة يمشي وحده أنا شاهدْت ممشى متحرِّكًا ، وهو واقف يمشي ، نحن نتصوَّر ممشى كبيراً متحرِّكاً ، وأنت أحدُ هؤلاء الأشخاص على هذا الممشى المتحرّك ، فإذا نزلْت من الممشى ، ووقفْت في مكانك ، فأنت واقفٌ أم متخلّف الممشى ماشٍ ، شريط متحرّك فالذي كان بعدك بكثير صار أمامك ، فأنت في تراجع ، لو كان الممشى واقفًا لكان هناك ثبات ، ولكن ما دام الممشى متحرّكاً ، وأنت واقف فأنت مسبوق ، وهذا معنى قول النبي الكريم : “من لم يكن في زيادة فهو في نقصان.”
 فالزكاة فيها نمُوّ ، ينْمو إيمانك ، ينمُو حبّك ، تنمُو معرفتك ، وتنْمو أموالك ، فالقرآن الكريم فيه إعجاز ، واللّغة العربيّة واسعة جدًّا ، والمعاني غير محدودة ، فكلمة ينْمو تعني ينْمو إيمانك وينْمو مالك ، هذا معنى قوله تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

[ سورة التوبة: 103]

 هناك سؤال : هذه الآية أعتقد أنّ كلّ واحدٍ قرأها عشرات المرات بل مئات المرات بل سمعها من خطباء المساجد ، أو من مدرِّسي العلم ، أو من مدرّسي التربيَة الدِّينيّة في المدرسة ، فهل فكَّرْنا أن نقفَ عند بنْيتِها بُنْيةً بُنْيَة ؟! كلمة خُذْ ، ماذا تعني ؟ لو أنّ الله سبحانه وتعالى قال لهذا المسلم : أعْطِ ، الخطاب خُذْ لِمَن ؟ خطابٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، إذاً مَنْ ينوبُ مناوبَة أولي الأمْر ، فالخِطاب للنبي بِصِفَتِه الزَّمنيَّة لا الدِّينيَّة ، فهو رئيس دولة ، والله عز وجل يُخاطبُه ويقول له : خُذْ ، إذًا إذا أمركَ الله بِغَضّ البصَر أنت تغضّ أو لا تغضّ ، أمّا الأمر فليس لك ، الأمر لرئيس الدَّولة ، قال له : خُذْ من أموالهم ، معناها أنت لا بدّ أن تدفعَ الزَّكاة طوْعًا أو كرهًا ، أعْجبكَ أم لمْ يُعجبْك ، رضيتَ أم لمْ ترضَ ، فإن لمْ يأمرْكَ السلطان بها أوْجبها عليه القرآن ، فالزكاة إما أن يأمر بها السلطان ، أو يوجبها القرآن ، فالله عز وجل ما قال: أعْطِ ، وإنَّما قال : خُذْ من أموالهم فهي إذًا حقّ ، إذاً من هو مالِكُ المال الحقيقيّ ؟ مالِكُ المال الحقيقيّ هو الله سبحانه وتعالى ، لله ما أعطى ، وله ما أخذ ، إذا كان مالك المال الحقيقي أمرَ أولي الأمر أن يأخذوا من أموال الأغنياء ما يسُدّ جوع الفقراء فهذا حق ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في السنَّة النَّبويَّة المطهَّرة أشار أيضًا إلى هذا المعنى فقال : ” تُؤخذُ من أغنيائهم ، وتُردُّ على فقرائهم ” فكلمة خُذْ كلام خالق الكون ، لمْ يقلْ أعْط أيها المسلم لأنَّه إذا أمرهُ أن يُعطي قد يعطي وقد لا يعطي بِحَسَب إيمانه ، أما الأمر لأولي الأمر فهو خُذْ ، ليس هناك سلطان يأمر بِدَفع الزكاة ، القرآن عندئذٍ يأمر .
 كلمة مِنْ في قوله تعالى خُذْ مِنْ ؛ ماذا تعني ؟ للتَّبعيض ، هل أمرَ الله تعالى أن تأخذ أموالهم ؟ لا ، خُذْ مِن ، سؤال ثان ومَنْ يُجيبني عنه ؟ لماذا قال تعالى : خُذْ مِن أموالهم أنواع الأموال ، عندك مشروع عسل عليه زكاة ، أو عندك مشروع بقر عليه زكاة ، عندك دواجن عليها زكاة ، عندك قمح عليه زكاة ، زبيب عليه زكاة ، محلّ تجاري عليه زكاة ، أو عندك بيت اشْتريْتهُ للنَّفْع لا للاستهلاك ، أو عندك أرض حينما اشْتريتها كان هدفك أن تربح بها عند بيعِها وكذا الذّهب والفضَّة ، فكلمة أموال شملَت كلّ أنواع الأموال ، دقَّة القرآن الكريم.
 لمَّا ربّنا عز وجل قال : خُذْ من أموالهِم ، أضاف الجمع إلى الجمْع ، لماذا ؟ قال لأنَّ الزكاة مفروضة على جميع المسلمين مِن دون استثناء ، ربّنا ما سمّاها زكاة ، وإنَّما سمَّاها صدقة ؛ لماذا ؟ ماذا تعني كلمة صدقة ؟ خُذ من أموالهم صدقةً ، تُعَبِّر عن صدْقِهِ .

الحكمة من الإنفاق :

 أحيانًا يقول لك أحدهم : كلّه كلام في كلام ! أما الدَّفْع فلا يوجد فيه كلام ، الله عز وجل قال:

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾

[ سورة آل عمران:133-134]

 الإنفاق خلاف طبيعة النَّفس ، فهو تكليف ، والإنسان لا يرقى إلا بالتَّكليف ، لا يرْقى إلا بما فيه مخالفة لِطَبيعة النَّفس ، قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

[ سورة التوبة: 103]

 تطهِّرهم من مرض الشّح ، وتزكِّي المال بالنَّماء ، وتزكِّي المنفق بالرقيّ ، وهناك جهة ثالثة تزكو ، من هي ؟ العلم ، الفقير يزكو ، الدُّوَل الغنيَّة ماذا تفعل ؟ تعطي مساعدات بِسَخاءٍ للدّول الناميَة ، لماذا ؟ من أجل تملك الدُّوَل الناميَة قوَّةً شرائيَّة تشتري منتجات الدُّوَل الغنيَّة.
 الأغنياء إذا دفعوا زكاة مالهم ، الفقير جمَّع خمسة آلاف أو ستَّة آلاف على العيد يشتري ماذا ؟ ألبسة ، فمن الذي انتفع ؟ بائع الألبسة ، إذا الأغنياء أدُّوا زكاة أموالهم صار هناك حالة اسمها وُجود قوَّة شرائيَّة في المجتمع ، هذه القوّة الشِّرائيَّة تعود بالنَّفع على دافعي الزَّكاة، أحيانًا يؤخذ المال من الفقير لِيُردَّ إلى الغني ، أما الزكاة فعكس هذه الحالة ، تؤخذ من الغنيّ لِتُردَّ إلى الفقير ، والحقيقة عندما يكون هناك أغنياء جدًّا وفقراء جدًّا هذا نُسمّيه خلَلاً بالبُنْيَة الاجتماعيَّة ، ماذا تفعل الزكاة بهذا الخلل ؟ ترمِّمه ، الزكاة تُرمِّم الخلل الاجتماعي الناتج عن أن يكون المال دولة بين الأغنياء منكم ، فإذا الإنسان ما أراد أن يدفع زكاة ماله ، الزكاة تأكل المال في أربعين عامًا ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( اتَّجِروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة ))

[ المعجم الأوسط عن أنس بن مالك]

 أي كلّما درسْت ، ومحَّصْت ، وتأمَّلْتَ ، وتأنَّيْت ، وقلَّبْتَ الأمر الإلهي ، تجد الحياة كلّها تضيق عن معرفة الحِكَم التي لا حصْر لها لهذا الأمر الإلهي العظيم.

على من تجب زكاة الفطر و لمن تعطى ؟

 الزَّوج ملْزمٌ شرْعًا أن يُخرجَ صدقَة الفِطْر عن زوجته لِكَوْنِهِ ملْزمًا بالإنفاق عليها، وكذلك عن أبوَيْه إذا كان ملزمًا بالإنفاق عليهما ، وكذلك عن أخته إذا كان ملْزمًا عليها ، فزكاة الفطْر تجب على منْ تمونهُ أو تتولَّى أمرهُ.
 عند السادة الأحناف دفع قيمة الشعير أو القمح أو التمر أفضل من دفعها عَيْنًا ، لأنّ سيّدنا أبا حنيفة عاش في المُدُن ، والمدينة المال فيها أيْسَر ، لو أعطيت لأحد كيس قمح ، وقلت له : تعال وخُذْه ، لاحتاج إلى سيارة وحمْل ولا يوجد عنده مكان في البيت ، ولا بد من طحنه فالقمح عبءٌ بالمدينة أما أعط إنسانًا ساكنًا بالريف كيس قمح تكون قد خدمتهُ كثيرًا فالطاحونة موجودة ، والتنور موجود ، والعجانة موجودة ، وكلّ شيء موجود ، فأبو حنيفة النعمان ارتأى أن تُدفع قيمة هذه الزكاة نقدًا ، وهو أولى.
 قال: والأفضل أن تعطي للأرحام والأقارب ما عدا الأصول والفروع والزوجة ، فالأبوان مهما علَوا ، والأبناء مهما دَنَوا ، والزوجة.
 الأخ والأخت وأولادهما ، والخال والخالة ، والعم والعمة ، وأولادهم الفقراء وهم أفضل من غير القريب ، إذْ لا يقبل الله صدقة إنسان وفي قرابته محاويج ، ثمّ جيرانه ، ثم أهل محلَّته ، وتعطى صدقة الفطر لأهل البلد الذي يسكنهُ ، ويكره إخراجها لغير بلده ، فأنت قد تربح مئة ألف ، مِمَّن ربحْت هذه المئة ؟ من الذين اشتروا من عندك ، أي من سكّان هذه المدينة ، ففقراء هذه المدينة أولى بِزَكاة المال من مدينة أخرى ، لذلك يكْرهُ أن تنتقل الزكاة أو صدقة الفطر من بلد إلى آخر.

عدم سقوط زكاة الفطر عند هلاك المال :

 لو دُفعَت في أوَّل رمضان لكانت مقبولة وصحيحة ، وصدقة الفطر لا تسقط بهلاك المال بعد وجوبها بخلاف الزكاة ، فلو هلك النِّصاب بعد فجر يوم الفطر لا تسقط عنه زكاة الفطر ، إذا هلك المال تسقط الزكاة ، سؤال : إذا هلكت الزكاة ، فلو أن أحدًا زكاة ماله عشرة آلاف وضعها في ظرف ، وسرق الظرف منه ، هل سقطت عنه الزكاة ؟ لا تسقط ، كأنَّه دَيْن ، هل تقول للدائن : دراهمك ضاعت منِّي ؟! هذا غير مقبول !هلاك المال يسقط الزكاة ، أما هلاك الزكاة فلا يسقطها ، أما هلاك المال فلا يسقط صدقة الفطر.
 من أفطر في رمضان لعُذْر ، لا تسقط عنه الفطرة ، فيجب إخراجها والنيَّة فيها عند الدَّفع للفقير ، أو عند عزْلها عن ماله ، فأحيانًا الإنسان لا يجد الفقير المناسب ، فإذا عزلها عن ماله ووضعها بِظَرْفٍ أو صندوق ، وكتب عليها زكاة مال ، فهذه مقبولة .
 المرأة الغنيَّة لا تُكلّف بزكاة الفِطْر عن أولادها ولو كان زوجها فقيرًا ، لأنّ الزوج هو المُنْفِق ، والرجل لا يكلّف بصدقة الفِطر عن أولاد زوجته الذين من غيره.
 الأولاد تُخرجُ زكاة الفطر من مالهم ، إذا كانوا أيتاماً ، ولا أحد ينفق عليهم ، ويجوز إعطاء عدّة صدقات فطْر لواحدٍ ، هناك من يدفع خمسة آلاف ؛ كلّ واحد ألف ليرة ، كلمة أربعين هذه الحدّ الأدنى ، أما لا حدّ للأكثر ، قال تعالى :

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 273]

 ممكن أن تدفع زكاة فطر واحدة لعدَّة فقراء ، القصْد أن تذوق طعم الإنفاق ، والقصْد أن تُرمَّم أغلاط الشَّهر ، والقصْد أن يشبع الجائع في العيد .

* * *

الصحابي الجليل سعد بن معاذ :

 والآن إلى سيرة أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، في العام الواحد والثلاثين من عمره أسْلم ، وفي العام السابع والثلاثين من عمره مات شهيدًا ، كم سنة عاشَ ؟ ست سنوات ، لكنَّ هذا العمر يعْدل آلاف السَّنوات ، القضيَّة بالأعمار لا بِطُولها.
 سعْد بن معاذ ، في العام الواحد والثلاثين من عمره أسلم ، وفي العام السابع والثلاثين من عمره مات شهيدًا ؛ إنَّه سعْدُ بن معاذ.
 كان وسيمًا جليلاً فارع الطول مشرق الوجه جسيمًا جذلاً ، يقطع الأرض وثبًا إلى دار أسْعد بن زرارة ، لِيَرى هذا الرجل الوافد من مكَّة ، من هو ؟ مصعب بن عُمَير جاء من مكَّة مندوبًا لِرسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى أهل المدينة قبل الهجرة ، فجاء إليه وثْبًا لِيَدفع بهذا الغريب خارج المدينة حامِلاً معه دينه ، تاركًا للمدينة دينها ، انْطلقَ إليه ليُخْرجهُ من المدينة ، ولكنَّه لا يكاد يقترب من مجلس مصعب في دار خالتِهِ وأُسَيد بن زرارة حتى ينتعش فؤادُهُ بِنَسَماتٍ حُلْوةٍ هبَّتْ عليه هبوب العافيَة ، المؤمن عنده سرّ ، وله سِحر خاصّ ، وله إشراق، وإشعاع ، ونور ، هذا يفْعل في النَّفس فِعْل السِّحر ، فالقضيّة ليْسَت قضيّة معلومات ، إنَّما قضيَّة روحانيَّة ، لها تأثير في الآخرين ، هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه؛ إنَّ محمَّدًا سحَرَ أصحابهُ ، هكذا قال الكفار ، سحرهم بماذا ؟ له منطقٌ حُلْوٌ ، وفكْرٌ نيِّر ، وحقائق متوهِّجة ، ونفْسٌ طيِّبة ، ونفسٌ مقبلَةٌ على الله عز وجل ، نور الله عز وجل يسْري فيه ، فأنت إن لمْ تكن فيك هذه النُّورانِيَّة ، وما عندك هذا الاتِّصال بالله عز وجل ، وما عندك هذا السِّحر الذي يفعل في الناس فعْل السِّحْر لن تستطيع أن تؤثِّر فيهم ، فسيِّدنا سعْد بن معاذ ينتقل إلى دار أسعد بن زرارة وَثْبًا ليَدفعَ بهذا الإنسان الغريب إلى خارج المدينة ، وما إن يستمع إلى كلماته العذبة حتى تسْري هذه الكلمات في قلبه سرَيَان العافيَة في الجسم المريض ، ما الذي حصل ؟ انشرح قلبه و اطمأن ، وشعر بِرَاحةٍ ، وانْسرّ ، ووجد نفسه ، هذه علامة الإيمان ، وعلامة أنَّ هذا الذي تستمعُ منه على شيءٍ من الحقّ.

الموقف الذي وقفه سعد من الرسول يوم بدر :

 في إحدى المفاجآت الغريبة يُلقي زعيم الأنصار حرْبَتَهُ بعيدًا ، ويبْسُط يمينهُ مُبايِعًا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن طريق مصعب بن عُمَير ، وبإسلام سعْد تُشْرقُ على المدينة شمْسٌ جديدة ، تدور في فلكها قلوبٌ كثيرة .
 الآن انظروا معي إلى هذا الموقف الذي وقفهُ من رسول الله يوم بدْر فالواحد منَّا يقول لك : أنا تركت وفعلتُ ، ولكن لو تعرف ماذا فعل أصحاب رسول الله…الإنسان يقيس نفسهُ بهم ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاء المدينة مهاجرًا أخذ عليهم العهْد أن يحموه ، ولكن ما أخذ عليهم العهْد أن يخرجوا معه مقاتلين ، هذا خروجٌ على الاتّفاق ، لذلك لمَّا أراد أن يحارب يوم بدْر خارج المدينة ، أراد أن يسْتشيرهم ، ويأخذ رأيَهُم فقال عليه الصلاة والسلام: أشيروا عليّ أيّها الناس ، وتوجَّه نحو الأنصار سيّدنا سعْد بن معاذ زعيمهم ، قال : كأنَّك تُريدنا يا رسول الله ؟ فقال : أجل ! أريد رأيَكُم أنتم ، قال : يا رسول الله وانظروا كيف صاغ هذه الكلمات ومتى ؟ وأنا أعتقد أنّ هذه ليس كلمات ولكن روحه وإيمانه نطقا بهذا ، لقد آمنَّا بك وصدَّقْناك ، آمنَّا بك رسول الله ، وصدَّقناك على وحي السماء ، وشهِدْنا أنَّما جئتَ به هو الحقّ، وأعطيْناك على ذلك عهودنا – مواثيقنا – فامْضِ يا رسول الله لما أردْت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضْت بنا هذا البحر فخُضْتهُ لخُضْناهُ معك ، ما تخلَّف منَّا رجل واحد ، وما نكْرهُ أن تلقى بنا عدوّنا غدًا ، اِمْضِ يا رسول الله ، صِلْ حِبالَ مَن شئْتَ ، اقْطَع حبال من شئْت ، سالِمْ مَن شئْت ، عاد من شئت ، خُذْ مِن أموالنا ما شئت ، فو الذي بعثك بالحق للَّذي تأخذه من أموالنا أحبّ إلينا من الذي تدعُهُ لنا ، إنَّنا لَصُبُرٌ في الحرب ، صُدقٌ عند اللِّقاء ، ولعلّ الله يُريكَ مِنَّا ما تقرّ به عينك ، فَسِرْ بنا على بركة الله ، يكفيه هذا الموقف ؛ عاَش سبْع سنوات نصر رسول الله ، نصرَ الحق ، أحيانًا تجد مواقف متخاذلة ؛ تعال اقْرأ ، يقول لك : لسْتُ فارغًا !! نريد العمل الفلاني يقول لك : أعْتذر ، هذا تخاذل وهروب ، ما أكثر الناس حينما تعدّهم ، وفي المهمَّات لا ترى أحدًا ، إذا دعْوى ترى تهافتاً ، وإذا حِمْل وعبء لا تجد أحدًا ، لذلك أحد أكبر أبواب العمل الصالح أن تنصر دين الله ، أن تنصرَ هذا الدِّين بإحقاق الحق وإبطال الباطل ، أن تنصر هذا الدِّين بِخِدْمة مساجد الله ، إذا الإنسان نَظَّفَ مسْجدًا ، هذا موقفٌ شريف ، قال تعالى:

﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾

[ سورة البقرة : 125]

 هذا الأمْر موجَّهٌ لأبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، إذا زائرٌ للمسجد جديد وجد نظافة ، ترتيباً ، كلَّفْنا أحدهم بالتَّدفئة ؛ هذا عمل ، قلْ : أنا موظَّف عند الله عز وجل! نعمَت الوظيفة ، هناك أعمال بالمسجد كأعمال النَّظافة ، والصِّيانة ، والترتيب ؛ هذا شرَفٌ عظيم ، فسيّدنا سعْد قال : للمْوت أحب إلينا ، هناك نقطة تؤثِّر بي : أحبّ الأعمال إلى الله عز وجل أدْومُها وإن قلَّتْ ، إذا أخذْت وظيفة ابْق فيها دائمًا ، لأنّك حينما لا تأتي ، ثمّ نضع مكانك أحدًا تنزعج ، وهذه مشكلة ، أخذت وظيفة بمسجد ابْق فيها دائمًا ، و هذا دليل أن الله عز وجل غال عليك ، وهذا الموقف يكفي.

موقف سيدنا سعد بن معاذ في أحد و الخندق :

 له موقفٌ آخر سيّدنا سعد بِغَزوَة أحد ، وله موقف آخر بِغَزوة الخندق ، ففي غزوة الخندق ، النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا رأى عشرة آلاف مقاتل جاءَت لِتَستأصل الإسلام أشْفقَ على أصحابه ، ففاوَضَ أكبر قبيلة اسمها غطفان ، اتَّفَقَت مع قريش على غزْو النبي ، فاوضها على ثلث ثمار المدينة على أن ترجع ولا تحارب ، هكذا اجتهد النبي ، لكن شعر أنّ لا حقّ له في المفاوضَة إلا أن يُشاوِرَ أصحابه ، لأنَّ الله عز وجل يقول:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[ سورة آل عمران:159]

 فقصَّ النبي عليه الصلاة والسلام على زعيمي المدينة سعد بن معاذ وسعد بن عُبادة موضوع التَّفاوُض ، وأنبأهما أنَّه إنَّما لجأ إلى هذه المحاولة رغْبةً في أن يبْعِدَ عن المدينة وأهلها هذا الهجوم الخطير والحصار الرهيب ، وتقدَّم السَّعْدان إلى النبي عليه الصلاة والسلام بهذا السؤال ، قالا : يا رسول الله ، أهذا رأيٌ تختارهُ أم وحْيٌ أمركَ الله به ؟ إذا كان وحيًا نحن لا ننطق ، لأنّه لا ينطق عن الهوى ، أما رأي اجتهادي ؟ فقال عليه الصلاة والسلام بل هو رأي أختارهُ لكم ، لكنَّني أشفقْت عليكم وخشيت أن يكون الهجوم شرسًا عليكم ، فأردتُ أن أفاوض هذه القبيلة على ثلث ثمار المدينة ، فإذا رضيَت وانْشقَّت ضعفت عليكم الهجمة ، قال : والله ما أصنعُ ذلك إلا لأنَّني رأيْت العربَ قد رمَتْكم عن قوْسِ واحدة ! اتَّفَقَتْ قبائل العرب كلّها على حرْب النبي عليه الصلاة والسلام ، قال : والله ما أصنعُ ذلك إلا لأنَّني رأيْت العربَ قد رمَتْكم عن قوْسِ واحدة ! وكالبوكم من كلّ جانب ؛ إذا الإنسان دخل بستانًا ووجده محفوفاً بالكلاب شيء صعب ؛ صورة رائعة ، فأردتُ أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ، وأحسَّ سعد بن معاذ أنَّ أقدارهم كرِجال وكمؤمنين تُواجِهُ امتِحانًا ، أيَّ امتِحان ؟ كأنَّ النبي أشفقَ عليهم ، كأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام رآهم دون هذه الحرْب الضروس ، دون هذه الهجْمة التي لا قبل لهم بها ، هناك قال سعد بن عبادة : يا رسول الله قد كنَّا نحن وهؤلاء على الشِّرْك وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ، ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتنا ثمرةً واحدة إلا قِرًى ، أو بيْعًا ، أفحين أكْرمنا الله بالإسلام ، وهدانا إليه ، وأعزَّنا بك يا رسول الله نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة ، متى كان هذا الكلام وهو في منتهى الأدَب ؟ بعد أن سألوه أوَحْيٌ أمرَكَ الله به أو رأي اخترْتَهُ لنا ؟ طبعًا صلوات الله عليه وسلامه اختاره لهم خوفًا عليهم وشفقةً ، وكذلك هو بهذا امْتحنَهُم ، لو كانت القضيّة منتهِيَّة لتفاوَضَ وما سألهم ، لكن مادام استشارهم أراد أن يستثير حماسهم بِطَريقةٍ ذكيّة جدًّا ، فقال سيّدنا سعد بن معاذ : والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ! بعدما عرفناك وصرْنا من أصحابك ، وأنت رسول الله ، ويوحى إليك ، ونحن بعنا أنفسنا من أجلك نعطيهم ثلث ثمار المدينة خوفًا منهم ؟
 أحيانًا تكلّف إنسانًا شيئًا فوق طاقته ، مثلاً قلْ لموظَّف عندك كنِّسْ المحلّ يتضايَق، أما لو كنسْتهُ بنفسك تراه يأخذ عنك ، طريقة ولكن لطيفة جدًّا وتحفظ له مكانتهُ ، لو أنّ النبي أمرهُم بالقتال ، وعندهم عشرة آلاف مقاتل حلَّقوا حول المدينة ، هذا صعب ، فقال : أنا أشفقت عليكم ، وأريد أن أُصالحهم على ثلث ثمار المدينة ‍! فقالوا : لا نرضى ، وبيننا وبينهم الحرب فالحرب ظهرتْ مبادرةً منهم ، وليس إلزامًا ، طبعًا بعد أيّام شهدت المدينة حصارًا رهيبًا ، والحقّ أنَّه حصارٌ دام مدّة طويلة ، وكان صعبًا لسبب وهو أنه كانت هناك خطّة قذرة ، اليهود الذين عاهدوا النبي ؛ بنو قريظة نقضوا العهْد في أثناء الحصار ، كشفَ ظهر النبي عليه الصلاة والسلام لذلك أحد الرجال قال : أيَعِدُنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضِي حاجته ! عشرة آلاف مقاتل جاؤوا لينهوا الإسلام لذلك قال تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 23]

 هذا هو الموقف.

إصابة سعد بن معاذ و تحكيمه ببني قريظة :

 سيّدنا سعد أُصيب بمرض عُضال أقْعدَه ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى بني قريظة خانَت العهْد ، لا بدّ من التأديب ، وسيّدنا سعد كان يتمنَّى أن يُحكَّم بهؤلاء الخَوَنة ، وكان له دعاء لله عز وجل لطيف جدًّا قال له : يا ربّ ، إن كنتَ أبْقَيتَ من حرْب قريش شيئًا فأبْقني لهم ، فإنَّه لا قوْم أحبَّ إليَّ أن أُجاهدهم من قومٍ آذَوا رسولك ، وكذَّبوه، وأخرجوه ، وآذوْهُ ، وإن كنت وضعْت الحرب بيننا وبينهم ، فاجْعل ما أصابني اليوم طريقًا للشهادة ، نفسهُ عزفَت عن الدنيا ، أصابته ضربة سيْف ، فصار الجرح ينزف ، ومضاعفات للجرح ، فالنبي مرَّضه في المسجد ، فدعا بهذا الدعاء إذا كان بقي لقاء مع قريش أبْقني ، وإذا انتهى اللّقاء مع قريش فهذه حاجتي ، ولا تُمْتني حتَّى تقرَّ عَيني من بني قريْظة ، أرى فيهم يومًا أسْوَد الذين خانوا نبيّك عليه الصلاة والسلام ، بنو قريظة حاصرَهم النبي عليه الصلاة والسلام خمسةً وعشرين يومًا ، وهم اختاروا سعد بن معاذ أن يحكم بينهم فقال : يا سعد اُحْكم في بني قريظة ، فقال سعد : إنِّي أرى أن يُقاتَلوا ، وأن تُسبى ذراريهم ، وتُقسَّم أموالهم ، طبعًا أكثر الروايات ، دُعوا إلى الإسلام فإن أسلموا انتهى الأمر كالعادة ، وإن أبَوا يُقاتلوا ، فإن هُزِموا تُسبى ذراريهم وتقسم أموالهم ، فقال : يا سعد لقد حكمْت بِحُكم الله من فوق سبع سموات ‍! هذا جزاء من يخون عهْد رسول الله.

وفاة سعد بن معاذ و اهتزاز عرش الرحمن لموته :

 ذات يوم ذهب النبي عليه الصلاة والسلام لِعِيادَتِهِ ، فألْفاهُ يعيشُ في لحظات الوداع؛ آخر أيامه ، فأخذ عليه الصلاة والسلام رأسهُ ووضَعَهُ في حجْره ، أعلى درجات المحبَّة والعطف ، وابتهل إلى الله قائلاً : اللهمّ إنّ سعْدًا قد جاهد في سبيلك ، وصدَّق رسولك ، وقضى الذي عليه ، فتقبَّل روحه بِخَير ما تقبَّلتَ به روحًا ، وهطلَت كلمات النبي عليه الصلاة والسلام على الروح المُوَدِّعَة برْدًا وسلامًا ، فحاوَلَ في جهْد ، وفتح عَينيْه راجيًا أن يكون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلّم آخر ما تبصرُ به !
 أحبّ أن تكون آخر صورة في الدنيا هي صورة النبي عليه الصلاة والسلام وقال: السلام عليك يا رسول ، أما إنِّي أشهد أنَّك رسول الله ، وتملَّى النبي عليه الصلاة والسلام وجْه سعْدٍ آنذاك ، وقال : هنيئًا لك أبا عمرو ! والله هناك موتة أحسن من حياة ألف رجل ، ماتَ مسكينًا ، أما آخرون فنقول عنهم : عاشوا مساكين ! إذاً الحياة تافهة ؛ كلّها معاص وسخافة وكلّها أذى للناس ، هذه حياة البهائم وحياة الحيوانات ، دابّة فلتَتْ ! أما إذا الإنسان وقف موقفًا مع رسول الله ، ونصر دين الله عز وجل فهو الرابح ، أما هناك من يعيش مئة سنة كلّها شطرنج وطاولة وشدة.
 قال له : هنيئًا لك أبا عمرو ! ويقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : كنت ممَّن حفر لِسَعد قبرهُ ، وكنَّا كلَّما حفرنا طبقة من تراب شممْنا ريح المسْك ، حتَّى انتهينا إلى اللَّحد ، وكان مُصاب المسلمين في سعْد عظيماً إذْ كان زعيم الأنصار ، ولكن عزاءهم كان جليلاً لِسَماعهم النبي عليه الصلاة والسلام : ” لقد اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ”
 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، حجمك عند الله بحجم استقامتك ، حجمك عند الله بحجم شوقك وفهمك لكتاب الله ، وبحجم خدمتك للناس والطريق مفتوح ، والباب مفتوح ، والثمن جاهز ، قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *