الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / بحث كامل وجاهز عن عيادة المريض

بحث كامل وجاهز عن عيادة المريض

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

58

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسلام على سيدِّنا محمّد الصادق الوعد الأمين ، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

كلّ إنسان يتأدب داخلياً أو خارجياً :

 أيُّها الأخوة المؤمنون : موضوع الدرس اليوم آداب عيادة المريض ، قبل عدّة أسابيع تحدّثنا عن آداب السفر ، واليوم نتحدّث عن آداب عيادة المريض وذلك لسبب بسيط ، هو أنني في بحر هذا الأسبوع عدْتُ أخَاً مريضاً ، فقُدِّمت ضيافة ، وهو من الثابت في آداب المريض ألا يتناول العائد الذي يعيد المريض عند المريض شيئاً ، ولأنّ الناس يمرضون ، ولأن من واجبات المسلم أن يعود المرضى من إخوانه المؤمنين ، فهذا موضوع نحن في أمسّ الحاجة إليه ، وحبّذا لو طبّقنا في كل حركاتنا وسكَناتنا الآداب النبويّة التي أمر الله بها ولكن قبل الحديث عن العيادة ، لابد من مقدّمة .
 الحقيقة أنَّ الإنسان إما أن يتأدّب تأديباً داخلياً ، وإمَّا أن يتأدّب تأديباً خارجياً ، أي إمَّا أن يكون هناك تعليمات يطبّقها ، وإمَّا أن تكون عنده مشاعر وموازين دقيقة يأتَمِر بها ، فإذا أُدِّب من الخارج فهذا نوع من الأدب ، وإذا أدِّب من الداخل فهذا نوعٌ أرقى ، كما يقال هناك رادع وهناك وازِع ، هناك توجيهات خارجية ، وهناك دوافع داخلية ، وكيف نجمَع بينهما ؟ الإنسان إذا طبَّق الآداب التي نصَّ عليها الشارع الحكيم ، تطبيق هذه الآداب يعينُه على الاتصال بالله عزَّ وجل ، واتّصاله بالله عزَّ وجل يُثمر له رقةً في المشاعر ، ودقّة في الموازين ، فأنت إمّا أن تتأدب حين تطبِّق قواعد الشرع ، أو حينما ترقُّ المشاعر وتدِّق الموازين ، نجمع بينهما ، مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَورَثَهُ اللَّهَ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَم ، تطبّق التعليمات ، تتّصل بربِّ الأرض و السموات ، بعد الاتصال تصبح هذه التعليمات جزءاً من كِيانك ، تطبّقها عفواً لا قصداً ، تطبقها سجيّة لا تصنُّعاً ، تطبِّقها استجابةً لوازعٍ داخلي لا خوفاً من رادع خارجي ، هذا ما فعله النبي عليه الصلاة و السلام ، أو هذا ما قاله النبي عليه الصلاة و السلام حينما سُئل :

((أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي ))

[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

أحكام عيادة المريض :

 وقد يسأل سائل ما حجم الآداب في الإسلام ؟ إنَّها ربع الإسلام ، في الإسلام عقائد، وفي الإسلام عبادات ، وفي الإسلام معاملات ، وفي الإسلام آداب ، فعندنا آداب المسافر ، من يلبّي دعوة عند أخيه ، آداب الزواج ، آداب مجالس العلم……إلخ ودرسنا اليوم : آداب عيادة المريض ز
 أولاً : عيادة المريض سُّنة مؤكّدة عند الجمهور ، كلُّكم يعلم أنّ هناك فرضاً ، وهناك واجباً ، وهناك سُّنة مؤكَّدة ، وهناك سُّنة غير مؤكَّدة ، وهناك مُباحاً ، وهناك مكروهاً كراهة تنزِّيهية ، وهناك مكروهاً كراهة تحريميّة ، وهناك حرام ، فأيُّ حركة ، وأيُّة سكَنة ، وأيُّ تصرّف لابدَّ من أن ينضوي تحت هذه الأحكام العدَّة التي نصَّ عليها العلماء .
 عيادة المريض سّنة مؤكدة ، والإمام البخاري يقول : هي واجبة ، لأنَّ النبي عليه الصلاة و السلام قال :

(( أَطْعِمُوا الْجَائِعَ ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ. قَالَ سُفْيَانُ وَالْعَانِي الأَسِيرُ ))

[ البخاري عن أبي موسى الأشعري]

 والحديث الذي تعرفونه جميعاً ، أنَّ النبي عليه الصلاة و السلام يقول :

(( خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ ؛ رَدُّ السَّلامِ ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَازَةِ ))

[ أبي داوودعن أبي هريرة]

 أي سُّنة مؤكَّدة ، وعند الإمام البخاري واجب ، وعند بعض العلماء مندوب ، أي يوجد ندب وسٌّنة مؤكدة وواجب ، أي في كل الأحوال يجب عليك أن تعود المريض ، لكنَّ الشيء الذي يُلفت النظر هو أنه مما يلحَق بعيادة المريض ، تفقّد أحواله ، زرتَ المريض وسلّمتَ عليه وسألتَه عن صحته ، وخاطرَك مع السلامة.. لعلَّه بحاجة إلى شيء ، بحاجة إلى دواء ، إلى طبيب ، إلى حاجات للبيت.. فقال : مما يُلحَق بعيادة المريض ، تفقّد أحواله ، وتعهّده والتلطُّف به ، أشياء ثلاث ، تفقّد أحواله ، أن تسأله ، هل أنت بحاجة إلى شيء ؟ هل أنت بحاجة إلى أغراض ؟ هل أنت بحاجة إلى دواء ؟ هل أنت بحاجة إلى طبيب ؟ هل أنت بحاجة إلى ممرّض ؟ اسأله ، تفقّد أحواله ، وتعهّد بعضها ، أنا آتيك بالطبيب ، هناك أخ كريم من إخواننا الأطباء كلَّما ذكر في الدرس أخاً مريضاً ، يأتيني ويقول : أنا سأذهب إليه ، والله صرتُّ ممنوناً منه من أعماقي ، كلَّما ذكرتُّ أخاً مريضاً ، جاء إليَّ ، وقال : أنا سأذهب إليه ، أيّ صار فيه تعاون ، في الإسلام هناك شيء أعمق من أن حضرنا مجلس علم ، نحن أسرة ، أسرة واحدة ، كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمَّى ، هكذا المؤمنون ، كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً ، إذاً أدقٌّ شيء في العيادة : ما يلحقُ في الأحوال ، وتفقد بعضها ، والتلَّطف بالمريض ، تفقّد ، تعهّد ، تلَّطف ، هذا مما يُلحَقُ بعيادة المريض.
 العيادة لا تتقيَّد بوقت ، لا يوجد في السِّنة وقت خاص بها ، بحسب عادات الناس بعد الظهر مثلاً ، بعد العشاء ، قبل المغرب ، بحسب عادات المريض ، بحسب فراغه ، بحسب الإمكانات المتاحة .

الحديث التالي تطييبٌ لقلب المريض و جبرٌ لخاطره :

 لكن أدقُّ ما في الموضوع هو أن الله سبحانه وتعالى حينما قال :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي ؟ قَالَ : يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 كيف نسب الله المرض إلى ذاته وهو لا يمرض ؟ أيّ كيف أضافه إلى ذاته ؟ قال شرَّاح الحديث : هذا تطييبٌ لقلب المريض ، وهذا جبرٌ لخاطره ، وهذا تكريمٌ له ، وهذا تشريفٌ له ، أي كما يُقال : إنَّ الابن إذا تألَّم تألَّمت معه أمه ، هناك مشاركة ، و محبة ، فربُّنا عزَّ وجل حينما يقول :

((مَرِضْتُ فَلَم تَعُدْنِي))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 حينما أضاف المرض إلى ذاته ، قالوا في هذا تشريفٌ ، وتكريمٌ ، وتطييبٌ لقلب المريض ، وجبر لخاطره ، وحين قال :

((يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ ؟ قَالَ : أمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانَاً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ ، أَمَا عَلِمْتَ ، أَنَّكَ لَوعُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 والنقطة الثانية :

((أنَّكَ لَوعُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 أيّ : أنا يا عبدي ، حينما سلَبْت هذا المريض بعض صحته عوّضته سكينة في قلبه وعوّضته قرباً مني ، أيّ : بٌعد مع الصحة ، قرب مع المرض ، حينما سلبته الصحة عوضّته قرباً مني ، عوضّته سكينة في قلبه ، لذلك من أدق الآثار أنَّ النبي عليه الصلاة و السلام علَّمنا أنَّك إذا عدت مريضاً قال :

((عودوا المرضى وأمروهم فليدعوا لكم ، فإنَّ دعوة المريض مستجابة ، وذنبه مغفور ))

[الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس]

 هذا معناه أنَّ المريض أقرب منْك إلى الله ، لأنه بهذا المرض سلبَه الله الصحة لكن عوضَّه القرب ، عوضَّه الرقّة ، عوضَّه التجلي ، قذف في قلبه نوراً ، وليس غريباً أن تزور مريضاً فترى في وجهه تألُّقاً ، فترى في نفسه رقةً ، فترى في حديثه روحانيةً ، هذا الذي يحصل تماماً ، إذا سلَب الله المريضَ صحته عوضه السكينة والتجليات و القرب والأنوار وما إلى ذلك.. وهذا شيء مألوف جداً ، تشعر أنه قريب ، تشعر أنه رقيق المشاعر ، تشعر أنه طليق اللسان ، تشعر أنَّه ازداد معرفة بالله عز وجل ، وأجمل كلمة قالها لي مريض عدته في هذا الأسبوع ، قال لي : هذه خلوةٌ مع الله ، هذا المرض خلوة مع الله ، لأنَّ الإنسان أحياناً يكون مُثقلاً بالمواعيد واللقاءات و الأعمال و المتاعب ، يقول لك : نشف قلبي ، جفَّ قلبي ، أنكرتُ قلبي فإذا أراد الله أن يقربه ، أيّ أن يريحه في البيت أسبوعاً ، فإذا بهذا الأسبوع خلوةٌ مع الله عزَّ وجل ز

أحاديث تدعونا إلى عيادة المريض :

 كما قال الرسول عليه الصلاة و السلام :

(( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ ، لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا ))

[ أحمد عن صهيب]

 النبيُّ عليه الصلاة والسلام ، من حديث زيد بن أرقم قال : عادني الرسول عليه الصلاة والسلام من وجعٍ كان بعيني ، إذاً بالأقوال :

(( أطْعِمُوا الْجَائِعَ ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ. قَالَ سُفْيَانُ وَالْعَانِي الْأَسِيرُ))

[البخاري عن أبي موسى الأشعري]

 وبالأفعال ، عادني رسول الله صلى عليه وسلم من وجع كان بعيني ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ ))

[مسلم عن ثوبان]

 و :

((قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجهَهُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مِنْهُمْ مَنْ وَقَفَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَأَبُو فَاخِتَةَ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ عِلاقَةَ))

[الترمذي عن علي ]

 إذاً كلَّها أحاديث تدعونا إلى عيادة المريض .
 إذاً : سلوك إسلاميّ ، سلوك إيمانيّ ، سلوك يتميَّز به المسلم ، هو أن تعود أخاك المريض ، بالإضافة إلى العيادة ، أن تتفقد أحواله ، وأن تتعهد بعضها ، وأن تتلطَّف به ، هذه أحكام العيادة .

آداب عيادة المريض :

1 ـ الدعوة للمريض بالشفاء و أمره بالصبر :

 ما هي آداب العيادة ؟ آداب العيادة ، قيل : يندب في العيادة أمور كثيرة ، منها يستحبُّ لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء ” شفاك الله وعافاك ” وأن يأمرَه بالصبر ، أي لك مهمة ثانية وهي أن تأمره بالصبر ، وأن تدعو له بالشفاء :

((عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهَا قَالَ اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ فَجَاءَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ ))

[ أبو داود عن عائشة]

(( مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ : أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ ، إِلا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ))

[ أبو داود عن ابن عباس]

 أي إذا كان هناك إيمان ، ونفَس طاهر ، واستقامة ، وحب بين المؤمنين ، و أخ كريم عاد أخاه المريض ، ودعا له من أعماق قلبه ، أغلب الظن و أرجح الظن أنَّ الله سبحانه وتعالى يستجيب و يشفي هذا المريض المؤمن .

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي ، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا. قَالَ سُفْيَانُ حَدَّثْتُ بِهِ مَنْصُورًا فَحَدَّثَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ ))

[البخاري عن عائشة]

 والسقم هو المرض .
 عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُبْطِلُنِي فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اجْعَلْ يَدَكَ الْيُمْنَى عَلَيْهِ وَقُلْ :

((بِسْمِ اللَّهِ ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ ، سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَقُلْتُ ذَلِكَ فَشَفَانِيَ اللَّهُ ))

[ ابن ماجه عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ]

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ : – وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ : لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ – ، فَقَالَ لَهُ : لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ : قُلْتُ طَهُورٌ ؟ كَلا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَنَعَمْ إِذًا ))

[البخاري عن ابن عباس ]

 أي أنَّ الإنسان ليس له حق أن ييئس ، يأسه دليل جهله بالله عزَّ وجل ، يأسه دليل جهله ، والله عزَّ وجل يقول :

(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 فالمؤمن يظن بالله خيراً ، هذا المرض للترقية ، هذا المرض للتطهير ، فإذا أراد أن يظن ظنّاً سوءاً ، فله ذلك :

(( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار ، فأكبَّ عليه يسأله ، قال : يا رسول الله ما غمِضت ليَ عين منذ سبع ليال ، ولا أحد يحضُرني ، المريض إذا مرض ، ونسيه إخوانه و أصحابه ، ونسيه أقرباؤه ، وبقي طريح الفراش أياماً عديدة ، يتألم أشدَّ الألم ، قال : يا رسول الله ، ما غمضت ليَ عين منذ سبع ليال ، ولا أحد يحضرني ، فقال عليه الصلاة و السلام :

((أيّ أخي اصبر ، أيّ أخي اصبِر ، تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها ))

[ابن أبي الدنيا عن عَنْ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 إذاً عندنا طَهور إن شاء الله :

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ ، يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا ))

[البخاري عن عائشة]

 طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّه :

((واصْبِر ، اصْبِر ، تَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِكَ كَمَا دَخَلْتَ فِيْهَا))

 وكان عليه الصلاة و السلام يضع يده الشريفة على مكان الألم ويقول : بسم الله ، هذه بعض آداب عيادة المريض .

2 ـ على الزائر أن يطيب نفس المريض وأن ينفسّ له في الأجل :

 لكن أدقّ شيء في العيادة ، الآن بعد الدعاء والأمر بالصبر واشف ، يا ربَّ الناس، يا مُذهب البأس ، اشف شفاءً لا يغادر سقماً ، و طَهور إن شاء الله ، بعد كلِّ هذه الأقوال أهم شيء في العيادة ، قال : يستحبُّ للزائر أن يطيّب نفس المريض وأن ينفسُّ له في الأجل.

(( إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا ، وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ ))

[ ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]

 هذا يعني أن مهمتك أن تتكلم بكلام طيِّب ، أحياناً يكون المرض خطيراً ، أنت تعرف قصتين ، ثلاث ، أربع ، خمس ، عن أشخاص أصابهم مرض عضال ، وشفاهم الله شفاءً تاماً هذه القصص إذا ذكرتها للمريض ، وأنت صادق بها ، وقد وقعَت فعلاً ، ولا بأس من أن تؤكّدها له ، هذه القصص تلقي على قلبه الطمأنينة ، وتشرق في نفسه الأمل ، الإنسان عندما يكون معه مرضاً خطيراً ، ويسمع أنَّ هناك أشخاصاً كثيرين أصابهم مرض عضال ، وشفاهم الله شفاءً تاماً ، لذلك الإنسان من حكمته ، ومن اتباعه للسَّنة ، إذا علم عدة قصص ، فيها شفاء من الله عزَّ وجل ، فيها عناية إلهية ، يجب أن يذكر هذه القصص للمريض ، لأنَّ هذه القصص ترفع معنويات المريض ، ولا أكتمكم أنَّ في رفع معنويات المريض تعجيلاً للشفاء، لأن ارتباط النفس مع الجسد ارتباط دقيق جداً ، أنا قلت لكم مرة : حدثني صديق أجرى عملية قلب مفتوح في لندن ، فقال لي قبل إجراء العملية بيوم أو يومين ، دخلت ممرضة ونسَّقت الأزهار في الغرفة ، لم تفعل شيئاً ذا بال ، لكنَّها نسَّقت الأزهار ، وسألته عرَضاً ، من طبيبك الذي سيجري لك العملية ؟ فقلت لها : فلان ، قالت : له فلان ، بدهشة كبيرة ، قال : نعم ، قالت له : كيف قبِل أن يجري لك هذه العملية ؟ قال : أنا اتصلتُّ به من دمشق منذ أشهر ، قالت : غير معقول ‍‍‍‍!! هذا من ألمع الأطباء ، هذا أجرى عشرة آلاف عملية ، لم يخطئ في واحدة ، فقال لي : واللهِ شعرت براحة عجيبة ، بعدما انتهت العملية ، في أثناء دفع الحساب ، هناك ألفا جنيه مقابل رفع معنويات ، هذه الممرضة هذه عالمة معها اختصاص من علم النفس، دفعَّتهُ ألفي جنيه ، المؤمن لا يحتاج لتوعية المؤمن لوحده معنوياته عالية ، لأنَّ له ثقة بالله كبيرة جداً ، ثقته بالله هذه تعين العضوية على الشفاء ، طبعاً هناك طبيب حدَّثني عن الآلية الدقيقة ، كيف أنَّ الإنسان عندما تكون معنوياته عالية جداً ، هذه المعنويات العالية تعين العضوية على الشفاء ، هذه الآليِّة معقدة جداً لارتباط كبير جداً بين الحالة النفسية وبين الحالة العضوية ، وليس غريباً أنَّ أمراض السكر لها علاقة بالصدمات النفسية ، ضغط الدم له علاقة بالصدمات النفسية ، الأمراض العصبية كذلك ، أمراض المعدة وجهاز الهضم كذلك ، أمراض القلب كذلك، أكثر الأمراض ، تكاد تكون الأمراض كلَّها ذات اتصال وثيق جداً بالحالة النفسِّية ، فلذلك المؤمن له هذه الميزة ، أنَّ معنوياته المرتفعة دائماً تعينه على الشفاء السريع ، فلذلك الطبيب والممرِّض والذي يعود المريض من أخطر ما يفعله أنَّه يبثُّ الرعب و الخوف في المريض ، فمن سنَّة عيَّادة المريض ، أن يطيّب نفس المريض بإقناعه في الحياة ، وقرب الشفاء.

(( إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا ، وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ ))

[ ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]

 وكم من مريض شفاه الله عزَّ وجل حينما زاره مؤمن وبثَّ في قلبه الطمأنينة ورفع معنوياته .
 الآن إذا عُدتَ مريضاً ، اطلب منه الدعاء منه ، ادع لنا ، لأنه قريب من الله عزَّ وجل ، ولأنه صافي النفس ، ولأنه يقظ الفؤاد ، وحينما تطلب منه الدعاء هذا رفع آخر لمعنوياته.

3 ـ تخفيف العيادة وعدم تكرارها في اليوم الواحد :

 قيل : ويستحبُّ تخفيف العيادة ، وعدم تكرارها في اليوم الواحد ، إلاَّ إذا رغب المريض ، إذا رغب في التكرار ، أو رغب في التطويل ، إلا إذا رغب المريض في التكرار و في التطويل وأصَّر على ذلك ، أمَّا إذا ما تكلَّم شيئاً فيستحبُّ ألاَّ تكرَّر في اليوم الواحد ، وألاَّ تطوَّل، والنبيّ عليه الصلاة و السلام جعل العيادة بقدر فواق ناقة .

4 ـ يستحبُّ لمريد العيادة الوضوء :

 سبحان الله ، هذا الحكم أو هذا الأدب الرابع ، قال : يستحبُّ لمريد العيادة الوضوء ما حكمة ذلك ؟ النبيّ الكريم سَنَّ وضوء الطعام ، وضوء الطعام : غسل اليدين و الفم قبل الطعام وبعد الطعام ، أيّ من سنة النبيّ عليه الصلاة و السلام الوضوء قبل الطعام والوضوء بعده ، وضوء الطعام : غسل اليدَين وغسل الفم ، والحكمة واضحة ، إذا الإنسان صافح إنساناً آخر ، أو مسك شيئاً ملوَّثاً مثلاً ، أمسك حذاءه بيده ، أمسك أداة ملوثة ، فإذا أراد أن يأكل ولم يغسِّل يديه فقد وقع في مشكلة ، ففمه و يداه تغسَّلان قبل الطعام وتغسَّلان بعد الطعام ، واسم هذا الوضوء وضوء الطعام.

(( مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا ، بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا. قُلْتُ يَا أَبَا حَمْزَةَ وَمَا الْخَرِيفُ ؟ قَالَ : الْعَامُ قَالَ أَبو دَاود وَالَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْبَصْرِيُّونَ مِنْهُ الْعِيَادَةُ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ))

[ أبي داودعن أنس ]

 أنّه قد يكون هذا العائد يحمل مرضاً ، قد يكون معه تلوث ، قد يكون بيده جراثيم وهو لا يدري ، عنده مناعة شديدة ، حامل مرضاً وليس مريضاً ، وهذا ما اكتشفه العلم مؤخراً ، النبيّ عليه الصلاة و السلام ، في حديث يعدٌّ من إعجازه قال :

(( الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ، ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَفِرُّوا مِنْهُ ))

[ مسلم عن أسامة بن زيد]

 معروف السبب ، إذا كنتم فيها لا تخرجوا منها ، عدم الدخول واضح ، هؤلاء خطرون جداً ، لأنهم ينقلون المرض ، من دون أن يأخذ المريض أو الرجل احتياطه منه ، فنحن الأكمل كما فعل النبيّ ، أنَّك إذا عدت مريضاً عليك أن تتوضأ ، من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسباً ، أكرمه الله سبحانه و تعالى ، من توضأ ، وأحسن الوضوء ، وعاد أخاه المسلم ، إذاً الوضوء أيضاً من السِّنة ، إذاً يوجد لدينا ، الوضوء ، والتنفيس في الأجل وطلب الدعاء ، وأن تقول : لا بأس عليك طَهور إن شاء الله ، وأن تأمره بالصبر ، وأن تتفقد أحواله ، وأن تتعهد بعضها ، وأن تتلطَّف به ، هذه كلَّها من آداب عيادة المريض .

5 ـ على العائد ألا يتناول عند المريض طعاماً و لا شراباً :

 ويستحبُّ للعائد ألاَّ يتناول عند المريض طعاماً ، ولا شراباً ، ماذا يحصل ؟ أيّ أهل المريض في شغل عن تقديم الضيافة ، والمريض قد يشتهي هذا الطعام الذي يُقدَّم ، والعائد قد يجد حرَجاً إذا تناول شيئاً عند المريض مخافة العدوى ، فالزائر في حرج ، والأهل في حرج ، والمريض في حرج ، فالسُّنة ألا تقدَّم ضيافة أبداً من قبل أهل المريض ، والسُّنة من العائد ألا يأكل شيئاً ، لأنه تقع إحراجات كثيرة جداً ، هذا أردتُّ أن أقوله في درس عام ، حتى إذا كان جاءنا عائد لمريض ليس من العار ألا نقدم له شيئاً ، لأنها هذه سّنة النبيّ ، هكذا قال عليه الصلاة و السلام فيما أخرجه الديلمي :

(( إذَا عَادَ أَحَدُكُم مَرِيضَاً فَلا يَأْكُل عِنْدَهُ شَيِئَاً ، فَإِنَّهُ حَظَّهُ مِنْ عِيَادَتِه ))

[ الديلمي عن أبي أمامة ]

عيادة إنسان من أهل الكتاب :

 الآن حُكم أن تعود ذميَّاً ، أيّ من أهل الكتاب ، قال : يجوز أن تعود ذميَّاً ، يجوز أن تعود إنساناً نصرانياً ، إذا كان هناك مصلحة من عيادته ، قد تكون هناك مصلحة ، قد يكون جاراً ، قد يكون زميلاً في العمل ، فمن المصلحة أن تعود الذمّي .

(( كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ : أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ ))

[البخاري عن أنس ]

 أحياناً تعود إنساناً ذميّاً ، هذه العيادة يطرَب لها ، يفرح بها ، تكلِّمه كلمات دقيقة أنَّ الإنسان المريض يكون قريباً من الله كثيراً ، تكون مشاعره مرهفة ، يكون فكره يقظاً ، فإذا عدَّته، ونطقت بالحق أمامه ، ولفتَّه إلى الله عزَّ وجل ، فهذا عمل طيب ، وقد روي عن أنس أنَّ أبا طالب مرض فعاده النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا بن أخي – أبو طالب يخاطب النبيّ صلى الله عليه وسلم – قال : يا بن أخي ادع إلهك الذي تعبده أن يعافيَني سبحان الله ! فقال النبيّ عليه الصلاة و السلام : ” اللَهُمَّ اشْفِ عَمِّي ” فقام أبو طالب ، كأنَّما نشط من عُقال ، شعر بنشاط ، فقال له : يا بن أخي إلهك الذي تعبده يطيعك ؟ قال عليه الصلاة و السلام : و أنت يا عمِّي إن أطعت الله يطيعك ،إذا أطعته و دعوته يستجيب لك ، هذه في اللغة تسمى مشاكلة ، أي ليس فقط أنا بل أنا و أنت ، إذا عرفته و أطعته و دعوته يستجيب لك .
 المذهب الحنبلي – الحنابلة معروفون ، يقول الناس : فلان حنبلي – لا يجوز أن تعود مبتدعاً ، إنسان جاء بعقيدة فاسدة ، إذا عدَّته فكأنك أيّدته ، إذا عدَّته فكأنّما أقررته على عقيدته ، لا يجوز أن تعود مبتدعاً ، ولا مجاهراً بمعصيةٍ ، أيّ إذا إنسان فاسق ، فاجر ، عدو للدّين ، هذا دعه ، دعك من عيادته ، هذا عند الحنابلة .

ما يقوله المريض للعائد :

 لكن الآن المريض نفسه ، جاءه العوّاد ، ماذا يقول ؟ قال : لا بأس على المريض أن يخبر من يعوده بما يجده من ألمٍ ، لا على سبيل الضجر و الصخب بل على سبيل البيان ، مبتدئاً أن يقول : الحمد لله ، أجد كذا وكذا… أو الحمد لله بيّ كذا وكذا ، فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه : ” إذا كان الشكر قبل الشكوى ، فليست بشكوى ” الحمد لله ، الله عزَّ وجل ابتلاني ، أجد ألماً في صدري ، أجد ألماً في يدي ، أجد ألماً في رأسي ، إذا كان هناك شكوى ، وكان هناك حَمدُ قبل الشكوى ، فالحمد قبل الشكوى يبطل الشكوى :

(( قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهم عَنْهَا : وَارَأْسَاهْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَاثُكْلِيَاهْ ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلَلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ ، فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ، ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ ))

[البخاري عن يحيى بن سعيد ]

 أي ممكن ، إنسان يتألم ، لكن الصياح ، وتمزيق الثياب ، وضرب الوجه ، هذا الذي نهى عنه النبيّ عليه الصلاة و السلام ، طبعاً إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله لا بأس به إتفاقاً ، لأن هذا لا يتنافى مع الصبر الجميل ، سيدِّنا يعقوب ماذا قال ؟

﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة يوسف : 86]

 وسيدِّنا أيوب قال :

﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

[سورة الأنبياء : 83]

 وقال بعض الشعراء :

و إذا عــراك بلية فاصبر لها  صبر الكريـم فإنَّه بك أعلـــم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنَّما  تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
***

 الأكمل أن تشكو إلى الله عزَّ وجل ، من الأدعية الجميلة : يا ربّ أشكو إليك ما لا يخفى عليك ، وأطلب منك ما لا يعسر عليك ، أشكو إليك ما لا يخفى عليك ، وأطلب منك ما لا يعسر عليك .

أحاديث على العائد أن يذكرها أمام المريض :

 من السّنة أيضاً إذا كنت في عيادة مريضٍ أن تذكر له هذين الحديثين :

(( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 ويقول عليه الصلاة و السلام فيما رواه أبو هريرة و أخرجه الشيخان :

((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 أي يبتليه ، إذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن شكر اقتناه :

(( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 وفي حديث آخر :

(( إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ ))

[أحمد عن محمود بن لبيد]

 الحديث الثالث :

(( مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا))

[البخاري عن عائشة ]

 حديث رابع :

(( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ ، وَلا نَصَبٍ وَلا سَقَمٍ ، وَلا حَزَنٍ ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ))

[ مسلم عن أبي سعيد ]

 إذاً كم حديث صار لدينا ؟ سنعيدهم مرة ثانية ، هناك أحاديث إذا تلوتها على المريض رفعت معنوياته :

(( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 أي إذا أراد الله بإنسان خيراً ابتلاه ، الصحابيّة التي ما رأت زوجها مرض أبداً ، فخافت أن يكون منافقاً ، فأرادت أن تذهب إلى النبيّ عليه الصلاة و السلام تشكوه ، زوجي ما أصابه شيء في حياته ، في الطريق وقع فتعثَّر ، فقالت : “رجع ” لابأس :

(( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ ))

[أحمد عن محمود بن لبيد]

(( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلا نَصَبٍ وَلا سَقَمٍ وَلا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 والحديث المعروف الذي أتلوه عليكم كثيراً ، لمَّا النبيّ الكريم دخل على مريض قال: يا رسول الله ، ادعّ الله أن يرحمني ؟ قال :

(( يا ربِّ ارحمه ، فقال الله عزَّ وجل : كَيْفَ أَرْحَمُه مِمَا أَنَا أَرْحَمُه ، وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا أَقْبُضُ عَبْدِيَ المُؤْمِنُ ، وَ أَنَا أُحِب أَنْ أَرْحَمَهُ ، إِلاَّ ابْتَلَيْتُهُ بِكُلِّ سَيِئَةٍ كَانَ عَمِلَهَا سَقَمَاً في جَسَدِه ، أَو إِقْتَاراً في رِزْقِهِ ، أو مُصِيبَةٌ فِي مَالِهِ أَو وَلَدِهِ ، حَتَّى أَبْلُغَ مِنْهُ مِثْلَ الذر، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيهِ شَيءٌ ، شَدَّدَّتُ عَلَيِهِ سَكَرَاتِ المَوتِ حَتَّى يَلْقَانِي كَيَومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه ))

[ حديث قدسي]

 هذا شيء ثابت أي المرض للمؤمن تكفير ، المرض للمؤمن ترقية ، المرض للمؤمن خلوة إجبارية ، المرض للمؤمن مناسبة ليلتفت إلى الله عزَّ وجل ، الآية الكريمة :

﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[سورة البقرة : 155-157]

 الصلوات من الله عزَّ وجل بمعنى المغفرة و الثناء ، والرحمة : العطاء و الإحسان. وأولئك هم المهتدون ، هذا هو التاج ، فلذلك المريض ، هذه فلسفة المرض في الإسلام ، عيادة المريض واجب ، والمريض يرقى بالمرض .

تذكير بما سبق :

 أتمنى عليكم جميعاً أنَّه إذا بلغكم أخ مريض تعودوه ، وتواسوه ، وتتفقّدوا أحواله، وتتعهدوا بعضها ، وتتلطفوا به ، تنفذوا هذه الآداب التي ذكرها النبيّ عليه الصلاة والسلام فإنَّ عيادة المريض تمتّن الأخوة في الله ، تمتّنها تمتيناً كبيراً ، أخ كريم عُدناه في مرضه ، قال كلمة تركت في نفسي أثراً ، قال : أنا لي عمل ، و أنا في عملي منذ عشرين عاماً أو ثلاثين عاماً رأيت في إخواني في المسجد ما لم أره من زملائي في العمل من عشرين عاماً ، والله شيء رائع جداً ، أن يحس الأخ أنه عضو في أسرة ، أخوان كثر زاروه تباعاً ، وقدَّموا له خدمات ، وتفقدوا أحواله ، وتعهدوا بعض الخدمات ، و أعانوه ، هكذا المؤمن ، لست وحدك في الحياة أنت عضو في أسرة ، مجتمع المؤمنين مثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى ، الشيء الرائع جداً أن يشعر الإنسان أنه غال على إخوانه ، والذي يؤكّد هذا الحب ، وهذا الولاء ، وهذه التضحية والإيثار ، أن تعود المريض ، طبعاً أخواننا والحمد لله أكثرهم يفعلون هذا ، أنا ما ذكرت هذا الدرس في العيادة لأنهم مقصرون ، ولكن أردت أن أذكّرهم بآداب العيادة ، ما ينبغي أن تقوله للمريض ، ما ينبغي أن تتفوه به ، أن تأمره بالصبر ، أن تدعو له بالشفاء ، أن تطلب منه الدعاء ، أن تنفّس له في الأجل ، ألا تأكل عنده شيئاً ، ولا تشرب ، أن تتعظ بهذا المرض ، والإنسان إذا مرض كمؤمن يجب أن يعتقد أن هذا المرض تطهير له ، وتقريب ، وخلوة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *