الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / بحث كامل وقيم عن صلة الرحم

بحث كامل وقيم عن صلة الرحم

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

58

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإنسان كائن اجتماعي مفطور على حبّ الجماعة :

 أيها الأخوة الكرام : الإنسان كما تعلمون كائن اجتماعي ، ومعنى أنه اجتماعي أي مفطور على حبّ الجماعة ، مفطور على حب اللقاء مع أخيه الإنسان ، والعوام لهم كلمات كثيرة تؤكد هذا المعنى ، المكان مهما كان جميلاً من دون إنسان يؤنسك وتؤنسه لا قيمة لهذا المكان الجميل .

وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
***

 فهذه الطبيعة الاجتماعية في الإنسان ، النبي عليه الصلاة والسلام رسخها ترسيخاً دقيقاً في أحاديثه الشريفة فيقول عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 يمكن أن يكون هذا الحديث الشريف نوعاً من التكافل الاجتماعي ، المجتمع كما تعلمون له خلايا ، وخلية المجتمع هي الأسرة ، والأسرة لها معنيان ؛ لها معنى واسع ومعنى ضيق ، من هم في بيت واحد هذا المعنى الضيق ، أما هذه الأسرة فلها جد كبير ، ولهذا الجد أولاد كثر ولكل ولد زوجة وأولاد ، فهذه الأسرة بمعناها الواسع أسرة الأب ، أو أسرة الأم ، هي التي عناها النبي عليه الصلاة والسلام بالرحم ، لو سألت العلماء عن معنى كلمة رحم يقولون: الأقرباء إما من جهة الأب وإما من جهة الأم ، الأعمام وأولاد الأعمام وأولاد أولاد الأعمام هؤلاء رحم من جهة الأب ، والأخوال وأولاد الأخوال والخالات رحم من جهة الأم ، أي كل أقربائك من جهة أمك ومن جهة أبيك هم رحمك ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

من معاني صلة الرحم تفقد الأحوال :

 الحقيقة من بعض أحكام الزكاة أن الزكاة لا تقبل من الإنسان وفي أقربائه محاويج، لأن الأقربين أولى بالمعروف ، تصور كل مسلم تفقد أقرباءه ، أعمامه ، أولاد أعمامه ، عماته، أولاد عماته ، بنات عمه ، عماته ، بنات عماته ، تفقد هؤلاء الأقرباء ووصلهم ، ما معنى وصلهم ؟ من السذاجة أن نتصور معنى وصلهم أي زارهم فقط ، وصلهم لها معاني كثيرة من هذه المعاني أنه زارهم ، وأحياناً والله تأتي الزيارة مثلاً فتاة متزوجة يأتيها أخوها ليزورها فينعشها بهذه الزيارة ، يجبر خاطرها بهذه الزيارة ، تعتز بهذه الزيارة ، تفخر به أمام زوجها بهذه الزيارة ، لا تقللوا من قيمة الزيارة ، والله الزيارة تفعل فعلاً سحرياً بين الأقارب ، من معاني صلة الرحم هذه الزيارة ، من معاني صلة الرحم تفقد الأحوال ، القرآن الكريم حينما وصف المحتاجين المؤمنين الصادقين بأنهم ، قال تعالى :

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 273]

 الإنسان الذي يمكن أن تساعده تحسبه غنياً من شدة التعفف ، ولن يسألك ، لا يسأل وتحسبه غنياً ، فأنت إذا زرت أقرباءك ، سألت عن أحوالهم ، تفقدت شؤونهم ، سألت عن أوضاعهم وكنت أنت من أهل اليسار ، كنت أغنى منهم ومددتهم بطريقةٍ أو بأخرى ، بأسلوب أو بآخر ، إما على شكل هدية ، أو على شكل معاونة ، أو على شكل قرض ، إذا تفقدت أحوالهم عشنا فيما يسمى بالعصر الحديث بالضمان الاجتماعي ، أي الإنسان في بلدة فيها خمسة ملايين من يعرف ؟ لا يعرف أحداً ، من الصادق ؟ لا يعرف ، من الكاذب ؟ لا يعرف، لكن أقرباءه يعرفهم معرفةً دقيقة ، يعرف البئر وما تحت البئر وما فوق البئر لا يغتر بالمظاهر، يوجد أشخاص لهم مظاهر مقبولة ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث الشريف رسخ المعنى الاجتماعي في الإنسان .

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

عوامل زيادة الرزق :

 نحن مرة قلنا : إنه لا يوجد إنسان لا يتمنى رزقاً وفيراً على الإطلاق من دون استثناء ، يا ترى الرزق مقسوم أم غير مقسوم ؟ الحقيقة مقسوم في حده الأدنى ، لكن الرزق يتبدل ، يزيد وينقص وذكرنا في حينه أن من عوامل الزيادة الاستقامة ، قال تعالى :

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن الآية : 16-17 ]

 من عوامل الزيادة الأمانة :

(( الأمانة غنىً ))

[ القضاعي عن أنس ]

 من عوامل الزيادة إتقان العمل :

(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))

[ الجامع الصغير عن عائشة ]

 من عوامل الزيادة أن تتصدق :

(( صدقة السر تطفئ غضب الرب))

[ المعجم الأوسط عن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ]

(( استمطروا الرزق بالصدقة))

[الجامع الصغير عن جبير بن مطعم]

 إذاً الرزق يزداد بالصدقة ، ويزداد بالإتقان ، ويزداد بالاستقامة ، ويزداد بصلة الرحم، أحياناً لا من قبيل الجزم بل من قبيل التكهن ، تجد في أسرة ما رجل من أهل الغنى يتفقد كل أفراد أسرته الأباعد ، هذا الشاب يدعمه ، وهذا يؤمن له عملاً ، وهذا يقرضه ، وهذا يبحث له عن بيت ، هذه الأخت يقدم لها ما تحتاج في فصل الشتاء ، فهذا الشخص الذي يرعى أفراد أسرته بالمعنى الواسع قد تجده غنياً ، والغنى بسبب هذه الأعمال الطيبة ، فهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي لا ينطق عن الهوى ، وإذا كان كلامه لا ينطق عن الهوى إذاً من عند الله .

أحد أسباب زيادة الرزق أن يصل المؤمن رحمه:

 إذاً :

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 بعض شارحي الحديث فهموا هذا الكلام فهماً تفصيلاً ، إنسان له أخ لزوجته فهذا الأخ للزوجة قريب من أقرب الناس له ، وضعه مكانه في المحل التجاري ، هذا الإنسان لما وجد صهره أمن له عملاً وأكرمه أخلص له ، وأنت إذا كان عندك شخص غريب لا تعرف عن أمانته شيئاً ربما سرقك هذا الشخص الغريب ، أما هذا القريب فيوجد علاقات رحم ، علاقات قرابة ، فلو أمنت له عملاً عندك اطمأن قلبك لأمانته ولإخلاصه ، فهو يزيد لك إخلاصاً ونشاطاً ، وأنت تزيده مكافأةً وتشجيعاً ، فأحد أسباب توفيق الإنسان في أعماله أن يكون عنده مساعدون مخلصون أمناء ، وأقرب شيء القريب ، أنسب إنسان للعمل معك أقرباؤك ، فأنت إذا أمنت لهم أعمالاً وأغدقت عليهم من فضلك ومما أفاء الله عليك هذا العمل أغلب الظن ينجح .
 إذاً إما أن نفهم الحديث بالمعنى أن الله سبحانه وتعالى بعنايةٍ إلهيةٍ مباشرةٍ يزيد في رزق هذا الواصل ، وإما أن طبيعة الصلة نفسها من لوازمها أنها تحيطك بأعوان مخلصين أمناء، لأنه يوجد موضوع دقيق تحدثت عنه من قبل كثيراً أن الزكاة سميت زكاةً لأنها تزكي نفس الغني ، وتزكي نفس الفقير ، وتزكي المال ، ومعنى تزكي أي تنمي ، أما نماء نفس الفقير فحينما يتفقده قريبه الغني بمساعدة ، بعمل طيب ، يشعر شعوراً غريباً إنه ليس هيناً على مجتمعه ، مجتمعه لن ينساه ، مجتمعه حريص عليه ، حريص على حاجاته ، بهذه الطريقة تنمو نفس الفقير ، والغني إذا شعر أنه سبب لإدخال السرور على قلوب مئات الأسر ، وإنه في قلوب المئات ، وأن أسراً كثيرةً سعدت بعطائه تنمو نفسه ، نفس الغني تنمو ونفس الفقير تنمو والمال ينمو .
 ومن معاني الزكاة أنها تطهر ، تطهر مال الغني من تعلق حق الغير به ، هناك قول معروف ثابت أن الحجر المغصوبةَ في دارٍ رهن بخرابها ، دار فيها مئة ألف حجر وحجر من هذه الحجارة مغتصبة ربما كان هذا الحجر سبباً في خراب هذه الدار كلها ، أي أنه إذا كان في هذا المال حق لفقير ، تعلق حق الغير به ربما كان سبباً لإتلاف المال ، فالزكاة من معانيها أنها تطهر المال من تعلق حق الغير به ، تطهر الفقير من الحقد ، وتطهر الغني من الشح ، ما الذي حدث ؟ صارت الزكاة تطهر وتنمي ، تطهر المال وتنميه ، وتطهر نفس الغني وتنمو بها، تطهر نفس الفقير وتسمو به ، هذه كلمة :

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 هنا المعنى إما أن الله بطريقةٍ مباشرةٍ لا نعلمها يزيد رزقك ، وإما أن صلة الرحم نفسها ، أولاً الذي يصل رحمه ينفي عنه الأحقاد ، والذين وصلهم وأمدهم مما أمده الله به هؤلاء يحبونه ويحرصون على ماله هذا هو المعنى ، فالمعنى الأول أحد أسباب زيادة

الرزق أن يصل المؤمن رحمه .

 صلة الرحم لا تعني الزيارة فقط بل تفقد الأحوال أيضاً :
 وتحدثنا قبل قليل أن الصلة لا تعني الزيارة فقط تعني تفقد الأحوال ، لو فرضنا هذا القريب غني وأنت زرته يوجد صلة من نوع آخر تعني أن تدله على الله ، إذا الله عز وجل علمك أكرمك بالهدى ، علمك شيئاً من كتابه ، علمك شيئاً من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أعطاك منطقاً وقدرة على التوضيح والبيان ، فأنت في صلة الرحم تارةً عليك أن تزوره ، وتارةً عليك أن تمده مما أفاء الله عليك ، وتارةً عليك أن تقدم له نصيحةً ثمينةً مخلصةً . فإما أن تصله زيارةً ، وإما أن تتفقد أحواله المعشية ، وإما أن تدعوه إلى الله عز وجل ، هذه هي صلة الرحم ، وأنا أقترح على أخواننا الكرام أن يعملوا قوائم ، أولاد عمه ، أولاد عمه الأول ، الثاني ، هؤلاء أقرب الناس إليه ، أولاد خاله ، أولاد خالته ، أقرباؤك سجلهم في قائمة وحاول أن تتفقدهم مرة بالهاتف ، مرة بالزيارة ، مرة بالسؤال عن صحتهم لعلهم مرضى لا سمح الله ، مرة بالإنفاق عليهم بشكل هدية ، أو بشكل معونة ، أو قرض ، ومرة بدعوتهم إلى الله عز وجل ، تصوروا لو كل مؤمن تعهد أقرباءه ، هذه شبكة متداخلة ، أي كل هذا المجتمع ينهض ، أما هذا الانتماء الفردي ، وتلك الروح الفردية ، هذه لا تليق بالمؤمن ، يقول : دعهم وشأنهم لا يوجد فيهم خير ، نقول له : أنت حاولت ؟ هل زرتهم ؟ تلطفت معهم ؟ دعوتهم إلى درس ؟ أعطيتهم شريطاً مثلاً؟ ذكرتهم بآية ؟ ذكرتهم بحديث ؟ خدمتهم خدمة ؟ أي كل إنسان يتصور أنه من الممكن أن يكون داعية من دون أن يبذل جهداً ولاسيما في خدمة الخلق فهذا توهم خاطئ .

إطالة العمر لا تعني إطالته زمنياً بل غناه بالعمل الصالح :

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 الأثر برأي شراح الحديث هو الأجل ، معنى ينسأ له في أجله ، هذا الكلام يتناقض مع قوله تعالى :

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

[ سورة يونس : 49]

﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المنافقون : 11]

 أكثر العلماء قالوا : إن إطالة العمر لا تعني إطالته زمنياً ، بل تعني إطالته بأنه يغتني بالعمل الصالح .
 يا أيها الأخوان : يوجد عمر تافه ويوجد عمر غني ، يوجد إنسان كل يوم عنده عشرات الأعمال الصالحة ، مئات الأعمال الصالحة ، كل يوم يرقى آلاف الدرجات عند الله عز وجل ، ويوجد إنسان يعيش ستين أو أربعين سنة لو جمعت كل أعماله لا تعادل جناح بعوضة ، عاش لذاته ، لمصالحه ، لشهواته ، لمتعه ، فالعمر الحقيقة لا يقاس بمدته يقاس بما يغني به من عمل صالح ، وكلكم تعرفون وهذا الشيء أنا أقوله كثيراً أنه يوجد علماء أسماؤهم على كل لسان ، كل يوم وفي كل مكان في العالم الإسلامي ، وعاشوا أقل من خمسين سنة ، عاشوا عمراً قصيراً ، ويوجد أشخاص عاشوا مئة وثلاثين سنة ، ولا أحد يعلم عنهم شيئاً ، لذلك اتفق أكثر العلماء في هذا الحديث على أن طول العمر لمن يصل رحمه متعلقة باغتناء هذا العمل في العمل الصالح .

التفاعل مع القرآن الكريم عند قراءته :

 نحن دائماً كنا نتمنى على أخوتنا أن يعيشوا الإسلام لا أن يدرسوه ، أن تعيشه شيئاً آخر ، الإنسان أحياناً يمسك جريدة ويقرأ ، هذه يقرؤها وهذه لا يقرؤها ، لو فرضنا ينوي أن يشتري مركبة والأسعار غالية جداً ، نظر فإذا في زاوية الجريدة قرار صغير بالسماح بالاستيراد من دون قيد أو شرط ، يقول لك : هبطت كل سيارة خمسمئة ألف بهذا القرار يفرح ، تفاعل مع هذه العبارة ، تفاعل تفاعلاً كبيراً ، والذي اشترى سيارة بسعر كبير جداً وينوي أن يتاجر بها وقرأ هذا القرار يتألم ألماً شديداً ، أنا سؤالي هل من الممكن أن تقرأ النص وتتفاعل معه وتعيشه ؟ المؤمن إذا قرأ القرآن الكريم ، إذا قرأ حديث رسول الله يتفاعل معه تفاعلاً شديداً ، فنحن شتان بين أن نقرأ النصوص وبين أن نعيش النصوص ، مثلاً لو سمعت عن المشردين ، عن هؤلاء الذين يهيمون على وجوههم حينما تقع مشكلات في بلاد ، حينما تقع حروب أهلية ، في هذه الأيام الباردة لا مأوى ولا تدفئة ، ولا طعام ولا دواء ، ولا شراب ، في العراء مئات الألوف مشردون ، إذا اطلعت على هذه الأخبار أو رأيتها بعينك وقرأت دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له “.
 إذا الإنسان سافر إلى بلدة ولا يوجد غرف فارغة في الفنادق ، أول فندق وثاني فندق ورابع فندق ، طلب شقة لم يجد ، طلب غرفة ، وحتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل وهو في الطرقات لا يتذوق معنى المأوى إلا إذا عانى هذه المعاناة المؤلمة ، فنحن نريد أن نعيش هذه النصوص لا أن نقرأها ونبحث عن معانيها ، إذا عشنا النصوص كنا أشخاصاً آخرين، فإذا قرأناها قراءة سريعة ووقفنا عند معانيها الدقيقة أي أحياناً الإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى ، يزور إنساناً معه مرض عضال ، لا يوجد أمل في الشفاء ، فإذا دعا بهذا الدعاء : ” اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء ” يقشعر جسمه ، تصيبه رعدة بسبب أنه قبل قليل رأى إنساناً مرض مرضاً شديداً ، وهذا المرض ميئوس من شفائه ، فنحن نريد إذا قرأنا القرآن أو قرأنا الحديث الشريف أن نتفاعل معه ، النبي عليه الصلاة والسلام هنا يقول لك : إذا وصلت رحمك زاد الله في رزقك ، ومن منا لا يتمنى أن يزيد رزقه وأن يعيش في بحبوحة ؟؟

صلة الرحم تبدأ بالزيارة و تنتهي بالدعوة إلى الله :

 يا أخوان مرة ثانية : الصدقة تزيد الرزق ، وإتقان العمل يزيد الرزق ، أصحاب المصالح والحرف المتقنون هؤلاء لا يشكون البطالة أبداً ، الصدقة تزيد الرزق ، والإتقان والاستقامة والأمانة تزيد ، وصلة الرحم تزيد ، والاستغفار يزيد ، قال تعالى :

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[ سورة نوح : 10-12]

 سبعة أشياء كلها تزيد الرزق ، وأحد هذه جميعاً صلة الرحم ، واتفقنا الرحم كل أقربائك من طرف الأب ، وكل أقربائك من طرف الأم ، ومعنى الصلة الزيارة أولاً ، وتفقد الأحوال المعشية ثانياً ، والدعوة إلى الله ثالثاً ، وكل واحد منا له أقرباء ، يحصيهم وكل جمعة عند قريب ، اثنان وخمسون أسبوعاً – جمعة – كل جمعة يعمل زيارة ، له أخوات متزوجات ، له بنات أخ متزوجات ، له عمات ، له خالات ، له أعمام ، له أولاد أعمام ، ولو كان بعيداً لك أجر ، الثواب على قدر المشقة ، فأنت طرقت بابه ، المؤمن مؤنس ، المؤمن كالكوكب الدري ، المؤمن إذا رئي ذكر الله به ، ألا تريد عملاً صالحاً ؟ يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبم تلقى الله إذاً؟ هذا عمل متاح لكم جميعاً ، كل واحد منكم يتمكن أن يعمل بالجمعة زيارة إلى أقاربه ، إلا في حالات نادرة جداً إذا كان الأقارب متفلتين ، مستهزئين بالدين ، لا يمكن أن ينضبطوا ، لو دخلت عليهم لظهرت النساء الأجنبيات أمامك كاسيات عاريات ، لا ، في هذه الحالات نقول له: دع خيراً عليه الشر يربو ، في مثل هذه الحالات نقول له : درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، وهذه حالات نادرة ، ومع ذلك في مثل هذه الحالة قد يقوم الهاتف مقام الصلة ، اتصال هاتفي ، لك عمة وبنات عمتك لا يوجد بهم دين أبداً ومائعات ، فبهذه الحالة ممكن أن تتصل هاتفياً اطرق الباب عن بعد ، يلزم أي خدمة ؟
 المؤمن هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنحن الآن الذي أرجوه من الله عز وجل هذا الحديث الصحيح ، وهذا الحديث في البخاري ومسلم ورواه الترمذي ، وأعلى أنواع الأحاديث ما ورد عند البخاري ومسلم معاً ، قال تعالى :

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾

[ سورة النجم : 3]

 وهذا منهج كل إنسان يأخذ أخوته الذكور ، وأخواته الإناث ، يوجد أولاد أخواته وبنات أخواته ، يوجد أولاد أخواته الإناث ، بنات أخواته الإناث ، ويوجد أعمامه وأولاد أعمامه ذكوراً وإناثاً ، ويوجد عماته وبنات عماته ، طبعاً بنات العمات أجنبيات تزور أزواجهم ، ويوجد أخواله وخالاته ، ولأخواله أولاد ولخالاته بنات ، فإذا قصدت أن تصل الرحم كل أسبوع ساعتين يوم الجمعة صلة الرحم ، وكما اتفقنا الزيارة قد تفعل فعل السحر ، أو التفقد المعاشي ، أنت دخلك محدود اسع لهم في مساعدة بمعونة ، بحل مشكلة ، أحياناً تدلهم على طبيب ، وأنت عندك معلومات عن أطباء متفوقين وهم لا يعرفون ، أحياناً تعطيهم شيئاً من خبرتك وهذه مساعدة أيضاً ، الزيارة والتفقد المعاشي ، ثم الدعوة إلى الله ، أحياناً شريط يغير أسرة بأكملها ، اسمع هذا الشريط واحتسبه عند الله عز وجل ، في الجمعة الثانية خذ شريطاً ثانياً ، أنت دعوت إلى الله و أنت لا تدري لأنه بعد شهرين أو ثلاثة قد يأتي هؤلاء الشباب معك إلى المسجد ، هذه دعوة كبيرة جداً ، ممكن كل واحد أن يعمل شبكة علاقات مع أصدقائه ، وهذا أمر نبوي ، وهذه دعوة إلى الله عز وجل ، واتفقنا أن الزيارة أولاً ، والخدمة ثانياً ، والدعوة إلى الله ثالثاً .

الله عز وجل يحبنا متعاطفين و متماسكين :

 الحقيقة الزيارة تعطيك مجالاً أن تخدم ، والخدمة تعطيك مجالاً أن تدعو إلى الله ، كل شيء له سبب ، لما زرته تفقدت أحواله وخدمته وعرفت ما ينقصه ، مشكلاته ، له ابن يحتاج إلى جلسة توجيهية في الرياضيات وأنت أستاذ رياضيات شيء جميل ، له ابن يحتاج إلى أن يكون له عمل وأنت لك أصحاب أعمال حرة ، هذه الخدمة الصادقة التي تسديها إلى أقربائك هذه تقيم المودة بينك وبينهم ، ومن ثم ادعهم إلى الله إما مباشرةً إذا كنت متمكناً من علمك وإما عن طريق واسطة ، هذا أول حديث :

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 والرحم كلمة واسعة جداً ، وتقول هذه الرحم : صل من وصلني واقطع من قطعني :

((عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : اشْتَكَى أَبُو الرَّدَّادِ اللَّيْثِيُّ فَعَادَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ عَوْفٍ فَقَالَ خَيْرُهُمْ وَأَوْصَلُهُمْ مَا عَلِمْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ ))

[الترمزي عن أبي سلمة ]

 أنا يوجد شيء أعتز به ، أحياناً أزور أشخاصاً أشعر شعوراً غريباً أن هذه الأسرة متماسكة ، والله لا أغبط أسرةً على تماسكها كما أغبط أسرة مؤمنة على تماسك أولادها .
 العلاقات بين الأخوة في أعلى درجات التضحية والوفاء ، فكل إنسان بحكمته يمكن أن يجعل أفراد أسرته إما بالمعنى الضيق ضمن البيت الواحد ، أو بالمعنى الواسع أخوانه المتزوجون إذا زارهم ، وخدمهم ، وأعانهم ، أي أنت عرفت مكاناً تحضر منه زيتاً فرضاً ، تقول لهم : هل تحتاجون إلى زيت مثلاً ؟ هذه خدمة وتتنامى العلاقات بهذه الطريقة ، ابن أخيك بحاجة إلى خدمة وأنت قادر على أن تخدمه فيها ، فإذا شعر الأخ أن أخاه كأنه أب لأولاده والأخ الثاني أب لأولاد الأب الأول بهذا التعاطف ننجح .
والله يوجد أخ من أخواننا وأنا سمعت قصتين ، أول قصة أحد أخواننا له أخ توفي أقسم لي بالأيمان المغلظة أنه ما أدخل إلى بيته شيئاً من الفاكهة قبل بيت أخيه ، في نفس المستوى ، هذا أخ ، وأعرف قصة ثانية ، توفي الأب وترك ثلاث بنات ، فالعم جهد في تزويج بنات أخيه وكأنهن بناته ، ما فرق بين عنايته ببنات أخيه وعنايته ببناته ، الله عز وجل يرضى عن هذه الأسر ، يرضى عن هذه العلاقات الطيبة ، الإسلام تماسك ، طبعاً الأصل المؤمنون كلهم ، واليوم درسنا عن صلة الرحم بالذات ، عن الأقرباء ، وأنت يمكن أن يعم خيرك إلى أقربائك ، أن تعينهم ، أن تدلهم على الله ، أن تعينهم على أمر دنياهم ، أن تعينهم على أمر دينهم ، أن تتفقد أولاد أخوتك ، وهذا الذي يرضي الله عز وجل وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( إِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ))

[الترمزي عن ابن عمر ]

 ويوجد قول آخر :

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ))

[البخاري عن ابن عمر ]

 والله عز وجل لا يحبنا إلا إذا كنا متعاطفين ، متكاتفين ، متماسكين .

المؤمن حريص على أهله وعلى أخواته :

 نحن اخترنا حديثاً واحداً ولكن حول هذا الموضوع يوجد ثلاثون حديثاً في كتاب الترغيب والترهيب للمنذري ، هناك ثلاثون حديثاً صحيحاً كلها تؤكد صلة الرحم ، يقول لك : لا يوجد عمل صالح ، يوجد أعمال صالحة مفتحة أبوابها على مصراعيها ، أليس لك أقرباء ؟ تفضل وزرهم ، تفقدهم ، بالمناسبة قد يقول أحدكم : لا يوجد معي ما أعطيه ، نقول له : اسمع ما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))

[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]

 أحياناً الإنسان يزور أقرباءه صباحاً يأخذ لهم كيلو فول ، والله لها معنى كبير ، دخل عليهم بشيء مهما بدا صغيراً ، الأخت يجبر بخاطرها إذا زارها أخوها ، قال لي شخص: هناك زوج شكا زوجته لأخيها فقال له : طلقها لا تحتاج إليها ، يوجد أخ تراه حريصاً إذا وجد خلافاً بين أخته وصهره يتدخل يزورهم ، يطيب قلب الصهر ، ينصح أخته ، ينبهها ، ويوجد أخ لا يسأل يقول : أختي حيوانة ، هكذا يقول . المؤمن حريص على أهله ، وعلى أخواته كلهم ، الذكور والإناث ، على أولاد أخواته ، فكلما الإنسان أعطاه الله شيئاً من الإيمان تجد خيره عميماً، والله أحياناً أيها الأخوة وجودك في بيت يساوي رحمانية إذا كان موصولاً بالله عز وجل ، يدخل إلى البيت فيصبح البيت نورانية ، كلهم في هدوء ، قبلوا منه النصيحة ، هناك مؤمنون دخلوا في صلحّ وتم على يديهم الصلح ، ترى أن هذه الأسرة تسعد بهذه الوساطة الطيبة .
 أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح ، أنا أقول : لا يوجد عمل أعظم من أسرة على وشك الشقاق ، على وشك فصم عرى الزوجية ، يأتي إنسان يتدخل إما بطلاقة لسانه، أو بنورانيته ، أو بذكائه ، أو بماله ، يتدخل ويصلح بين الزوجين ، هذه الأعمال الطيبة .

من عظمة القرآن الكريم أن معانيه واسعة جداً :

 بالمناسبة أيها الأخوة الله عز وجل يقول :

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 1]

 ومن عظمة هذا الكتاب الكريم أن معانيه واسعة جداً ، أول معنى أي اصلحوا نفوسكم ، عرفها بالله عز وجل ، احملها على طاعة الله ، اسم بها عن طريق الاتصال بالله.
 المعنى الثاني لا تجعل العلاقة مع أخ سيئة – ذات بينكم – لك علاقة مع فلان فيها تشويش اعتذر منه ، قدم له هدية ، اجعل علاقة طيبة ، إنسان وعدته ونسيت الوعد ، اذهب إليه بهدية واستسمح منه مثلاً ، لا تجعل علاقة مع أخ سيئة ، لأنها تتفجر ، أنت أخطأت معه وقطعته ، وهو بدأ يتوهم ، عاش بأوهام بدأ وهو لا يدري يختلق لك الأخطاء ، وبدأ ينشر هذه الأخطاء ، ترى نفسك محاطاً بجو ليس في صالحك من أناس كثيرين ، أي مشكلة مع أخ سارع إلى حلها إما بالاعتذار ، وإما بالتوضيح ، وإما بالبيان ، وإما بالهدية ، وإما بالمعاونة ، وإما بالاعتذار ، سارع إلى حلها ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 1]

 يوجد مشكلة مع أخيك حلها ، مع ابن أخيك حلها ، يوجد مشكلة مع صديقك حلها، مع جارك ، الآن يوجد عندنا معنى ثالثاً لهذه الآية الكريمة ، أي أصلحوا كل علاقة بين اثنين ، أنت ليس لك علاقة وأنت طرف ثالث ، اسمع هذه الآية ما أجملها ، إما أن تصلح نفسك وإما أن تصلح كل علاقة بينك وبين غيرك ، وإما أن تصلح كل علاقة بين اثنين ، هذا عمل المؤمن، أحباب النبي عليه الصلاة والسلام يصلحون الناس إذا فسدوا ، فأنت الآن انوضعت في هذا الدرس أمام أبواب مفتحة من الأعمال الصالحة ، عمل صلة الرحم ، أن تتفقد أقرباءك بزيارات دورية ، وهذه الزيارات أولاً تمهد لخدمتهم ، وخدمتك لهم تمهد لدعوتهم إلى الله ، فإذا دعوتهم إلى الله فهم أقرب الناس إليك .
 أنا أحياناً يأخذني العجب أخ بدأ لوحده ، ثم ابن عمه ، وصهره ، خلال خمس ست سنوات لا يوجد أحد ما أحضره إلى المسجد ، وعندما جاؤوا جميعاً إلى المسجد صار هناك تعاون بينهم ، صاروا جبهة واحدة ، لا يوجد مجال للخصومات والإرباكات في الأسرة الواحدة .

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 أما تأخير العمر فالنبي صلى الله عليه و سلم عاش ثلاثاً وستين سنة ، قال أحد الفلاسفة الكبار الذي جمع علوم الدنيا وكان موسوعة عصره ، قال له أحد تلامذته المقربين : أنت والله مثل نبي ، لو دعوت لنفسك بالنبوة ؟ لم يجبه إطلاقاً ، قال : في إحدى الليالي الباردة جداً طلب منه أن يأتيه بماء من مكان بعيد ، فهذا الطالب تململ وقال له : الآن وقت غير مناسب والحرارة باردة جداً فقال له : لا بأس ، إلى أن حان وقت آذان الفجر فأيقظه وقال له : هذا النبي الكريم الذي جاء بهذه الأمة ؟؟ هذا المؤذن رغم البرد الشديد القارس خرج من بيته في هذا الوقت ليؤذن للناس وهذا هو مقام الأنبياء ، وأنت رفضت أن تحضر لي كأس ماء من مكان بعيد ، فالنبوة مكان عظيم جداً .
 ذكرت هذا الشاهد لأن الإنسان لا يستطيع أن يقدم شيئاً إلا إذا قدم خدمة ، قدم عملاً ، فالعمر يكون تافهاً بافتقاره للعمل الصالح ، ويكون ثميناً جداً وغنياً جداً حينما يغنيه صاحبه بالعمل الصالح .
 دائماً أقول لكم هذا الكلام : أنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، أتمنى على كل واحد أن يسأل نفسه كل يوم ماذا فعلت اليوم ؟ إذا مضى يوم لم تزدد من الله علماً ولم تزدد منه قرباً ، إذا بعت بخمسمئة ألف كل يوم لست رابحاً ، لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً ، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قرباً ، والدليل قوله تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر : 1-3]

 أنا أذكر أخاً كريماً – وهذه القصة قلتها سابقاً – زار أخته بوقت غير مناسب ويوجد مشكلة بينها وبين زوجها ، والمشكلة على مبلغ من المال تطالبه به كل شهر ولا يوجد معه ، وهو موظف ، والأمر تفجر في البيت ، وهذا الأخ دخله محدود لكنه مؤمن قال لها : يا أختي هذا المبلغ خذيه مني كل شهر ، قال لي : أول شهر طرقت الباب ودفعت هذا المبلغ ، وثاني شهر ، قال لي : ستة أشهر وأنا أدفع هذا المبلغ ، الشهر السادس طلبت مني أختي درساً لبناتها وهن بنات أختي ، جمعتهم كل خميس وأعطيتهم درساً عبارة عن آيتين وحديث وحكم فقهي وحفظ قرآن ، سبحان الله هؤلاء البنات بدأن يتحجبن ، وبدأ يزوجهن واحدة واحدة .
 أنا بعد أن سمعت هذه القصة بالتفصيل قلت : يا رب زيارة عابرة لأخته جعلته داعيةً لله عز وجل ، ومكانته عند الله كبيرة إن شاء الله ، هذه هي صلة الرحم ، تأكل طعاماً طيباً بمفردك ولك أخ وابن أخ ، عم وخال ، أذقه ، فإذا الإنسان هداه الله ونوّر قلبه وأعانه على نفسه وصار إنساناً وفق المنهج الصحيح ليس له الحق أن ينسى أقرباءه ، وأقرب الناس إليه ، وأنا من يومين سئلت عن حقوق الزوجة على زوجها ، فكان الجواب فيه غرابة ؛ أول حق للزوجة على زوجها أن يدلها على الله ، هل من المعقول أنك تلبي لها كل حاجاتها المادية والمعنوية ولم تهتم بدينها ؟ ليس فيها دين دعها وشأنها الله يحاسبها ، هذه خيانة للزوج ، أهم شيء أن تعتني بدينها وتعرفها بالله عز وجل ، تعتني بصلاتها ، بدينها ، بتلاوتها للقرآن ، بمظهرها ، بحجابها ، فإذا أنت دللتها على الله فقد أعطيتها الحق الأول ، والباقي كله سهل .

المودة هي المظهر المادي للحب :

 مرة رجل قال لي : انصحني قبل الزواج ؟ قلت له : يوجد وهم يقع فيه الأزواج يبقى الزوج أو الشاب في مقتبل زواجه معلقاً آمالاً لا تعد ولا تحصى أن هذه الزوجة سوف تسعده ، وسوف يغمس في سعادة لا توصف ، وهي معلقة آمالاً لا تعد ولا تحصى أن هذا الزوج سوف يعتني بها ، وسوف يخدمها ، هي بنت آمالاً باليمين ، وهو بنى آمالاً باليسار ، من أين يأتي الصدام ؟ هو يخيب آمالها وهي تخيب آماله ، قال لي : ما هو الحل ؟ قلت له : الحل يجب أن تتعرف إلى الله أنت أولاً حتى تسعد بقربه ، ثانياً : يجب أن تعرفها بالله حتى تسعد بقربه ، الآن المرحلة الثالثة تسعدك ، لا تسعدك إلا إذا سعدت أنت بالله وأسعدتها أنت بالله عندئذٍ عرفت حقوق الزوج ، كانت الصحابية تسأل زوجها قبل كل شيء ألك بي حاجة ؟ إذا قال لها : لا ، تذهب وتصلي ، تعرف حق زوجها ، أما كثير من الأخوان فيشكون لي إهمال زوجاتهم إهمالاً شديداً لماذا ؟ لأنها لا تعرف حق زوجها ، لو عرفها أبوها ، أو عرفتها أمها ، أو عرفتها أنت حق الزوج ، أو لو أنها اتصلت بالله عز وجل ، أو أنها قرأت القرآن وقرأت السنة قال : ” اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل الزوجة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ” كثير من القصص من السلف الصالح تبين أن النساء كانوا على مستوى عال جداً من معرفة حقوق الزوج ، البيوت كانت جنة ، أما الآن فترى البيوت جحيماً والسبب الجهل ، أساس الزوجة المؤمنة تتقرب إلى الله بخدمة زوجها ، والزوج المؤمن يتقرب إلى الله بخدمة زوجته ، المنفعة المباشرة غير ملحوظة في الموضوع ، ردود الفعل غير ملحوظة أما الآن فطالما أنه يوجد نفع سمعت عن إنسان زوجته أصابها مرض خطير بالعدوى فوراً طلقها ، وهي ليس لها ذنب ، عملت عملية في ألمانيا نُقل لها دم ملوث ، وعندها أولاد وهي امرأة طاهرة وشريفة لما علم أنها مصابة بهذا المرض فوراً طلقها ، هذا هو الوفاء ؟ أيضاً إنسان متزوج امرأة صار معها ورم في ثديها استؤصل ثديها فطلقها فوراً ، يوجد جهل ، قال تعالى :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الروم : 21]

 المودة المظهر المادي للحب ، إذا لم يكن هناك مودة ، لا يوجد مصلحة في هذا الزواج ، ألا يوجد رحمة ؟ نعم يوجد رحمة ، الحياة ليست كلها مصالح ومباهج ، في جانب منها أخلاقي ، إذاً لا تصدق أن في بيوت المسلمين مشكلة إلا وسببها معصية ، وكل معصية وراءها الجهل ، لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

التفوق لا لمن سبق بل لمن صدق مع الله عز وجل :

 أرجو الله سبحانه وتعالى جميعاً أن نعمل خطة نزور أقاربنا ، أول شيء زيارة ثم تفقد ، ثم دعوة إلى الله عز وجل ، ورتب أمورك كل جمعة عند أسرة ، هذا التواصل شيء جميل جداً .
 الآن ترى أخين لا يتزاوران ولا بالعام مرة ، وخصومات والمجتمع مفتت ، إنما ذلكم الشيطان ، هذا من عمل الشيطان ، كل إنسان عنده إمكان أن يتكلم لك عشر ساعات عن خصوماته مع أقربائه ، هذا فعل الشيطان ، أما الإنسان المؤمن فيحاول أن ينمي كل علاقة بينه وبين أقربائه ، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا جميعاً ، أنت لا تذهب بعيداً أب إذا رأى أولاده متعاونين ، متكاتفين ، متباذلين ، مضحين ، والله يدخل على قلبه من السعادة لا يعلمها إلا الله، ولله المثل الأعلى ، أما إذا رآهم متباغضين ، متحاسدين ، يطعن بعضهم ببعض ، يبغضهم جميعاً جملةً وتفصيلاً ، فأنا لي كلمة دائماً : نحن نتمنى على الله عز وجل أن نعيش الإسلام لا أن نتكلم عنه ، أن نعيش الإسلام شيء في مقدورنا جميعاً ، والإنسان إذا قال لك : أنا لي مكانتي الخاصة ، هذا قريبي وليس من مستواي ، يكون مخطئاً ، الله عنده مقاييس لا تعرفها أنت ، رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره ، ربما يكون لك قريب بالسلم الاجتماعي أقل منك بكثير ، ويكون ظفره يساوي مئة من أمثالك ، عند الله مقاييس أخرى لا تعرفها أنت ، قد يكون أشد إخلاصاً منك ، قد يكون أشد استقامة منك ، قد يكون أشد حباً لله منك ، التفوق لا لمن سبق بل لمن صدق مع الله عز وجل ، و الإنسان عندما يتواضع لعل الله سبحانه وتعالى يجعل أعمال أقربائه الصالحة في صحيفته .

الدعوة إلى الله تحتاج إلى قلب واسع و نفس طويل :

 الآن أنا مما يسعدني أن أرى الأخ وأخاه إلى جانبه ، وابن عمه إلى جانبه ، وصهره إلى جانبه ، ووالده معه ، وأحياناً والده وعمه معه ، هذا شيء مسعد جداً ، والكلمة الطيبة صدقة ، أول شيء زيارة ثم تفقد وليس كل شيء بالمال ، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ، أنت تعمل في الكهرباء يمكنك أن تقدم عملاً لله ، أحياناً الإنسان عنده خبرات جداً يقدمها لإخوانه ، وملخص الدرس أن نجري إحصاء لأقاربنا من جهة الأب ومن جهة الأم ، طبعاً سوف تجد استغراباً ، أحياناً ترى تعليقات فيها استخفاف ، تعليقات لاذعة ، المؤمن من أجل إرضاء الله يفعل كل شيء ، وأن تتحول الأسرة من ملهى إلى مسجد ، الفتيات تتحجبن ، والشباب يصلون ، تمثيليات وأغان وتفلت وتشليط وسهرات مختلطة ومزاح منحط ، إذا أنت بعد سنة أو سنتين أصبح هذا البيت ملتزماً فهذا شيء جميل جداً ، وتحتاج الأمور إلى عمل ونفس طويل وقلب واسع ، وتحتاج إلى بعد أفق حتى تستطيع أن تأخذ بيد الناس إلى الله عز وجل ، ومع ذلك يوجد أناس لا يستجيبون ، قال تعالى :

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة فصلت : 17]

 ممكن رغم كل هذه الامكانات ألا يستجيبوا ، أنت الذي عليك عملته ، اللهم هل بلغت ؟ اللهم اشهد ، يوجد أخ من أخواننا لا يوجد عنده إمكانية أن يتكلم ، ولكن يغلي غلياناً على عمل صالح ، اشترى عدداً من الأشرطة وعمل قوائم لأقربائه وأعطاهم أشرطة لمدة يومين، و في اليوم الثاني يحضرون له الشريط ويبدله بين العائلة ، وما مضى ستة أشهر حتى ثمانية من أقاربه جاؤوا إلى المسجد ، الإنسان يسمع أول مرة وثاني مرة ثم يشتهي ويأتي إلى المسجد .
 ممكن أن يكون لك دعوة إلى الله ، ودعوة كبيرة جداً ، لكن بإخلاص ، وبظل خفيف ، وأدب ، إذاً هذا الحديث الشريف منهج من مناهج رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 بلفظ آخر :

(( تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ مَنْسَأَةٌ فِي الأثَرِ ))

[ المستدرك على الصحيحين عن أبي هريرة]

 أحياناً الإنسان يزور فقراءه ، وقد يكونوا فقراء ولكن ترحيبهم جميل ، يقدم لك قهوة وشاي ويسعى ويجهد في إكرامك وهو لا يوجد عنده سوى القهوة والشاي ، لا تضن عن الناس بمعلوماتك ، بابتساماتك ، بعطفك وحنانك ، لا تضن عليهم بخبرتك ، بشخصك ، أخي ليس لدي وقت فراغ ، لا يوجد إنسان مات إلا وعنده قوائم غير منتهية ، اقتطع من وقتك الثمين لصلة الرحم .
 وأقول لكم مرة ثانية : قطع الرحم من الكبائر ، كنت أقول كلمة لبعض أخواننا : الغريب أنت له والآخر له ، أما ابنك فمن له غيرك ؟ أختك المتزوجة من لها غيرك ؟ إذا كان أبوها توفي وأمها مريضة ، فإذا الأخ لم يزر أخته من لها غير أخيها ؟ وأحياناً الزوج عندما يرى زوجته يزورها أقاربها يهاب من بيت حميه ، فإذا رآها مقطوعة يقول : هذه ليس لها أحد يضغط عليها زيادة ، زيارة الأخت لها معنى كبير ، أي لها أهل و هي غالية على أهلها ، يتفقدون أحوالها ، ترى الإنسان يتحجم .
 درسنا اليوم هذا الحديث ؛ ” قال له : عظني ولا تطل ؟ قال له آية واحدة ، فقال: كفيت ، فقال : فقه الرجل ” لا نريد أن نتحدث عن ثلاثين حديثاً في الترغيب والترهيب ، أو ثلاثين حديثاً صحيحاً عن صلة الرحم ، اكتفيت بحديث واحد : صلة الرحم تزيد في الرزق وتغني في العمر ، يصبح عمر الإنسان غنياً بالأعمال الصالحة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *