الرئيسية / خدمات الطلاب والطالبات / بحث شامل ومنسق عن الغيبة

بحث شامل ومنسق عن الغيبة

نقدم لكم اقوي الابحاث المفيدة والمنسقة والكاملة والمنسقة والجاهزة للطباعة حصريا كاملة ومميزة وحصرية جاهزة للتحميل فقط وحصريا اتمنى تستفيدو منها وتعم الفائده
بسم الله الرحمن الرحيم

58

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

الغيبةُ مائِدَةُ طعام الكلاب وإدامُ الفُساق :

ضبط اللسان يحتاج لإرادة قوية
أيها الأخوة المؤمنون، وعدت في خطبة الجمعة السابقة أن أُعالج موضوع الغيبة الذي بدأتُه في الخطبة، في دروس يوم الأحد مُعالَجَةً مُتَأنِّيَةً مُفَصَّلَة.
الحقيقة أنَّ خُطبة الجُمعة تخْتصّ بالإيجاز، بينما دُروس العِلْم تخْتصُّ بالتفاصيل، والمُسلمون كما ترَوْن في الأعمّ الأغلب بعيدون عن الكبائر من قَتْلٍ، أو شُرْب خمرٍ، أو زِنى، لكِنّهم يقعون في موبِقاتٍ كلاميَّة كثيرة تحْجُبُهم عن الله عز وجل، فالمَعْصِيَة تحْجُب عن الله تعالى صغيرةً كانت أو كبيرة، ولا تنْسَوا أنَّ الإصْرار على المَعْصِيَة الصغيرة يجْعلها كبيرة، والسلف الصالح كما ذكرْت في الخُطبة أنَّ العبادة ليس في أداء الصلوات فَحَسْب وصِيام رمضان، ولكنَّ العبادة الحَقَّة في ضَبْط اللِّسان وضَبْطُهُ يحْتاجُ إلى إرادةٍ قَوِيَّة.
فالإنسان يسْترْسِل في الحديث عن عُيوب الناس ونقائِصِهِم، وفضائِحِهم، ومساوِئِهم، وفي هذا الحديث كما قال العلماء مُتْعَةٌ اجتماعية، لذلك قالوا: الغيبةُ مائِدَةُ طعام الكلاب، وإدامُ الفُساق، ومن أعْمال أهْل الفُجور.

البهتان و الغيبة :

على كُلٍّ نحن في تفاصيل دقيقة عن الغيبة، وينبغي للمؤمن أن يقف مَوْقِفَ دقيقاً:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

الغمز واللمز أيضا من الغيبة
البهتان أن تقول على أخيك شيئاً ليس فيه، أما الغيبة فأن تقول عنه شيئاً هو فيه، هذا تعريف الغيبة من قِبَلِ النبي عليه الصلاة والسلام، طبْعاً ذِكْرُكَ أخاك بما يكْره سواءٌ أكانت هذه الغيبة في بدنِهِ، أو دينه، أو دُنياه، أو نفسه، أو خُلُقِه، أو ماله، أو ولده، أو زَوْجته ووالده، أو ثَوْبِهِ، أو مِشْيَتِهِ، أو حَرَكَتِهِ، أو عَبوسِهِ وطلاقتهِ، أو غير ذلك مما يتعلَّقُ به، كُلُّ هذه الموضوعات مُتَعَلِّقَة بالغيبة.
شيءٌ آخر: سواءٌ ذَكَرْتَهُ بِلِسانك، أو كَتَبْتَهُ بِيَدِك، أو رَمَزْتَ إليه، أو أشَرْتَ إليه بِعَيْنِك، أو يَدِك، أو رأسِك، أو نحو ذلك؛ تلْميحاً كان أو تصْريحاً فَكُلُّ هذا من الغيبة.
ففي البَدَن كأن تقول: فلان أعْرج، وهذا أعْمَش، وذاك قصير، وفلان طويل، والآخر شديد السمْرة؛ هذه غيبة البَدَن، وفي الدِّين كأن تقول: فاسق، وسارق، وكاذب، وظالم، ومُتهاوِن بالصلوات، ليس باراً بوالِدَيْه؛ هذه في الدِّين، وفي الدنيا كأن تقول: هذا قليل الأدب وكثير الأكل والنوم، وينام في غير وَقْتِه، وفي والده كأن تقول: والدُه زِنْجي، أو تحْتقِرُ والده بالصَّنْعة، وفي الخُلق كأن تقول: مُتَكَبِّر ومُرائي وجبار..إلخ، وفي الثوب وسِخُ الثَّوْب وطويل الكمّ.

الغيبة من أوْسع المعاصي التي يقْترِفُها الناس :

أيها الأخوة، الغيبة من أوْسع المعاصي التي يقْترِفُها الناس وهم لا يشْعرون في مجالسِهِم، وسفَرِهِم، ولِقاءاتِهِم، وولائِمِهِم، وأعْراسِهِم، وفي أحْزانِهِم، فمادام هذا اللِّسان ينْهَشُ أعْراض الناس فَهُو واقِعٌ بِغيبَةٍ كبيرة، والغيبة كما تعْلمون من الكبائِر.

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

و :

((عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ))

[الترمذي عَنْ أَبِي حذيفة ]

فهي قصيرة وكُلُّ من يراهاَ يراها قصيرة فماذا فعَلْتَ أنت؟! قال الحسن: “ذِكْرُ الغير ثلاثة: الغيبة والبهتان والإفْك، وكُلٌّ في كتاب الله عز وجل، فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفْك أن تقول ما بلَغَكَ عنه”.
فإن نَقَلْتَ ما بلغَكَ عنه فهذا إفْكٌ، وحديث الإفْك معْروفٌ لَدَيْكم حينما قالوا عن السيِّدَة عائِشَة ما قالوا؛ فإنْ نَقَلْتَ ما ذُكِرَ لك فهذا إفْكٌ، وإنْ نقلْتَ ما في الإنسان فهذه غيبة، وإنْ نقلْتَ ما ليس فيه فهذا بُهْتان؛ ذِكْرُ الغير ثلاثة: “الغيبة والبهتان والإفْك، وكُلٌّ في كتاب الله عز وجل، فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفْك أن تقول ما بلَغَكَ عنه”، وذكر ابن سيرين رجُلاً فقال: ذاك الرجُل الأسْود، ثمَّ قال: أسْتغْفر الله إنَّي أراني قد اغْتَبْتُه، وذكر ابن سيرين إبراهيم بن أدْهم فوَضَعَ يَدَهُ على عَيْنِهِ ولم يقُل أعْوَر، بل أشار وخاف أنْ يقول أعْور! فَكُلما اشْتَدَّ خَوْفُك من الله كلما كنت وقافاً في الأمْر والنَّهْي، وكان لك مكانٌ عند الله كبير، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴾

[ سورة القمر: 54 ]

من ضبط لسانه و اشتغل بذكر الله كان ذِكْر الله شِفاء له ولِمَن حَوْلَهُ :

ذكر الله شفاء ويساعد على ضبط اللسان
صَدِّقوني أيها الأخوة، الإنسان إذا ضَبَطَ لِسانه، و اشْتغل بِذِكْر الله عز وجل والدَّعْوة إلى الله، وذِكْر ما في كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله من فضائِل، وما عند الصحابة من الكرامات، كان ذِكْر الله شِفاءُ له ولِمَن حَوْلَهُ، أما إذا اشْتَغَل بِذِكْر الناس فَذِكْر الناس داءٌ له ولِمَن حَوْلَهُ، وهو قَوْلُ سيِّدنا عمر: “ذكر الله شفاء وذكر الناس داء”، كُلُّ إنسانٍ لا بد له من لِقاءات شِئْت أم أبَيْتَ، أحْبَبْت أم كرِهْتَ، أعْجَبَكَ أم لم يُعْجِبْك، فأنت مُضْطرّ أن تلْتقي مع أصْدِقائِك، ومع جيرانك، وإخْوانك، وزُملائِك، وأقْرِبائِك في وليمَةٍ، أو سَهْرَةٍ، أو لِقاءٍ، أو تهْنِئَةٍ، أو نُزْهَةٍ، أو تعْزِيَةٍ، وفي حَفْلَةٍ، أو عقْد قِران؛ فاللِّقاء حَتْمي، فَقَبْلَ أنْ تدْخُل قُلْ في نَفْسك: ماذا أقول؟! لا تدْخل وأنت خالي الذِّهْن، هيئ في نفْسِكَ آيةً أو حديثاً أو قِصَّةً أو شيئاً عن أصْحاب رسول الله، المُهِمّ شيءٌ يُقَرِّبُهم إلى الله، واذْكُرْهُ بِلُطْفٍ وأدَبٍ وحِكْمَةٍ وتسامُحٍ فإن رأيْتَ الوُجوهَ قد أشْرَقَتْ وتألَّقَتْ فهذا هو قَوْلُ سيِّدِنا عمر: “ذكر الله شفاء وذكر الناس داء”.
أيها الأخوة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “لا يغْتابَنَّ أحدكم أحداً فإني قلتُ لامْرأةٍ وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: إنَّ هذه لَطَويلَةُ الَّذيْل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: اِلْفظي الْفظي فلَفَظْتُ مضْغة لَحْمٍ”؛ أيْ كأنَّها أكلَتْ لحْمَ أُخْتِها ميِّتَةً، كما قال في وَقْتٍ آخر:” تَخَلَّل فقال: وممَّ أتَخَلَّل يا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ولم آكل اللَّحْم؟! فقال: لقد أكلتَ لحْمَ أخيك”، تَخَلَّلْ.

الغيبة لا تقْتَصِرُ على اللِّسان فقط :

استمرارية مجالس الخير منوطة بترك الغيبة
أيها الأخوة، من دقائِقِ هذا الموضوع أنَّ الغيبة لا تقْتَصِرُ على اللِّسان، فالذِّكْر باللِّسانِ مُحَرَّم، ولكن هناك التَّعْريض، وهناك التَّصْريح، وهناك القَوْل، وهناك الإشارة، فإذا أشار الواحد على الآخر بأنَّهُ بخيل؛ أحياناً بِشَفَتَيْهِ، وأحْياناً يحَرِّكُ رأسَهُ، وأحْياناً يرْفعُ عَيْنَيْه، كُلُّ هذا عند الله غيبة، كلامٌ، وإشارةٌ، وتصْريحٌ، وقَوْلٌ، وغَمْزٌ، وتحْريك شَفَتَيْن، وعَيْنين، ورأس؛ هذا كُلُّهُ يدْخُلُ تحت الغيبة، فإذا أردْتُم مجْتمعاً مُتماسِكاً كالبُنْيانِ المرْصوص، وكالجَسَدِ الواحد ابتعدوا عن الغيبة، فالغيبة هي التي تُمَزِّقُ وِحْدَةَ هذا الجَسَد، وإذا أردتم مُجْتمعاً مُتباغِضاً تسود فيه العداوة والحسَدُ والأحْقاد، فالسَّبَب هو الغيبة، ذَكَرْتُ مَرَّةً أنَّ أُناساً طيِّبين كانوا يلْتقون كلَّ ثلاثاءٍ مثلاً؛ هذا اللِّقاء دامَ سبْعة عشرَ عاماً، فسَأَل بعْضُهم بعْضاً ما سِرُّ هذا التوْفيق والاسْتِمْرار وتِلك الدَّيْمومة؟‍ فقال أحدهم: لأنَّ هذه المجالس خالِيَةٌ من الغيبة، ولو كان فيها غيبة لانْقَطَعَتْ منذُ أمَدٍ طويل.
السيِّدَة عائِشَةُ رضي الله عنها قالتْ: “دخَلَتْ عليْنا امْرأةٌ فلما ولَّتْ أوْمَأْتُ بِيَدي إنَّها قصيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: اِغْتبْتيها”.
قال: ومن ذلك المحاكاة أو التَّمْثيل كأن يمْشِيَ الإنْسانُ مُتعارِجاً، يتصَنَّعُ العَرَج كي يبْدُوَ مُتعارِجاً، أو كما يمْشي أو يضْحك أو يجْلس أو يتَحَرَّك، فإذا قَلَّدْتَ إنْساناً من أجل أنْ يضْحك الناس عليه فهذه من أشَدِّ أنواع الغيبة، وهناك غيبة بالكتابة، والرَّسْم، هناك رُسوم تبْعَثُ على الضَّحِك وأحْياناً هناك كتابات؛ قالوا: القلمُ أحدُ اللِّسانَيْن.

إصْلاح الاعوِجاج يكون دون ذِكْر الأسماء والأشْخاص :

إلا أنَّ الإنسانَ أحْياناً يضْطرّ إلى أنْ يُصْلحَ عُيوبَ المُجْتمع، كيف يفْعَل؟‍ كما فَعَلَ النبي عليه الصلاة والسلام؟ كان يصْعَدُ المِنْبر ويقول: “ما بال أقْوامٍ يفْعَلون كذا وكذا”، فالذي فَعَل واحِد، فلما قال: ما بال أقْوامٍ يفْعلون كذا وكذا؛ هي إشارَةٌ لطيفة دون تعْيين ودون تَسْمِيَة، ولم يفْضَح لكنَّهُ ذكر عَيْباً مُنْتَشِراً في المُجْتمع؛ لما كنتُ داخِلاً اليوم كان ثلَّةٌ من إخْواننا يُصلون داخِلَ المسْجِد، وأُغْلِقَ الطريق إلى الباب، فالذي صلى وكان آخرهم ينْبغي أنْ يُصَلي في صَفٍّ آخر، هل يُعْقَل أربع ركعات العِشاء تقطع الطريق نِهائِياً عن الحَرَم، فهذه نقْطة دقيقة قبل أنْ يُصلي المرْء ويلْحق بالإمام؛ أنْ يتساءَل هل هذا الطريق وحيدٌ للحَرَم؟ فلا ينبغي أن نقف فيه وأن ندع طريقاً، فلا بد من إصْلاح الاعوِجاج دون ذِكْر الأسماء والأشْخاص، إنما نكتفي بِذِكْر الحالات ووصْف العِلاج لها.

طرق أخرى للغيبة :

الآن هناك أساليب ذَكِيَّة يفعلها الإنسان ويظنّ أنَّهُ نجا من الغيبة، مثَلاً فمن الغيبة أنْ يُذْكر إنسانٌ عندك فتَقول: الحمد لله الذي عافانا من البُخْل، معنى ذلك أنَّهُ بخيل! طبْعاً هذه إشارة إلى أنَّهُ بخيل وهي غيبة، ومرَّةً قلت: الحمد لله الذي عافانا من أكْل أموال الناس بالباطل، أيضاً هذه غيبة، وذُكِرَ إنسانٌ ثالث فقُلْتَ: الحمد لله الذي عافانا من الرياء والنفاق هذه كذلك غيبة، وهذه الغيبة مُضاعفة الإثم لأنَّك انْتَقَصْتَ أخاك وأثْنَيْتَ على نفْسِك وقد لا تكون كذلك، فصار هناك افْتِخار واسْتِعْلاء وانتِقاص لأخيك.
وهناك طريقة أخرى للغيبة، وذلك بِمَدْح زَيْد أو عُبَيْد، ويقوم بِمَدْح من يريد اغْتِيابه فيقول: ما أحسن أحْوال فلان، فعْلُهُ كذا وعبادَتُهُ كذا، فالحاضرون يقولون عَكْس ذلك، إذْ أنَّهُ يعْلم أنَّ له نقائِص، وهؤلاء الذين معه لا يسْكتون عليها، فحينما تمْدح هذا الإنسان تسْتثير موضوع الغيبة عندهم، فيَغْتابونه فَتُدْهَش؛ فلان هكذا لا حول ولا قوَّة إلا بالله، وكُلُّ هذا بِسبَبِ مَدْحِك له، وهو من الغيبة.
وكذا من الغيبة الإصْغاءُ إلى الغيبة، ما تَكَلَّمْتَ ولا كلمة لما كنت في المجْلس فاغتيبَ إنسانٌ أمامك، وأنت مُنْصِت ومُستمْتع وتُتابِعُ هذا الحديث، وهو أيْضاً من الغبية، ففي غَزْوة تبوك سأل الناس عليه الصلاة والسلام عن رَجُلٍ فقالوا: “إنَّهُ منافق، فقام أحد الصحابة الكرام – وأظُنُّه سعد بن أبي وقاص – فقال: والله يا رسول الله ما علِمْنا عنه إلا خيراً، إنَّ أُناساً تَخَلَّفوا عنك لسْنا بأشَدَّ حُباً لك منهم، ولو عَلِموا أنَّكَ تلْقى عَدُوًّاً ما تخَلَّفوا عنك!” فابْتَسَمَ النبي صلى الله عليه وسلَّم ابْتِسامةَ الغِبْطة ورأى هذا العَمَلَ طيِّباً، فالساكت في المجلْس الذي يُغْتَبُ فيه إنسان شريكٌ في إثم الغيبة.
هناك خلاف بين العلماء أنَّهُ يمكن أن تكون الغيبة في شَخْصٍ أمامك؟ فأغْلَبُ الظنِّ لا، لو أنِّهُ أمامك لكان الانْتِقاصُ منه مَسَبَّةً أو شَتْماً، فالغيبة في الأصْل أن تذكُرَ الإنسان في غَيْبَتِه، لذلك قالوا: الاجْتِراء على الناس في غيْبَتِهِم كالتَزَلُّفِ إليهم بِحَضْرَتِهم، كلاهما ضَعْفٌ وجُبْنٌ ودناءَة وصغار.
مُلَخَّص الموضوع أنَّهُ ما كَرِهْتَ أن تُواجِهَ به أخاك في حَضْرَتِهِ فَهُوَ غيبة.

حُكْم الغيبة :

أيها الأخوة، أما حُكْم الغيبة في الشَّرْع الحنيف؛ إنَّها حرامٌ بالكتاب والسنَّة وإجْماع عُلماء الأمَّة، وأدِلَّةُ التَّحْريم كثيرة جداً، فقد نَقَلَ القُرْطبي الإجْماع على أنَّها من الكبائِر لا من الصغائِر، فأكْلُ المَيْتَةِ أليْسَتْ كبيرة ومُحَرَّمَةٌ في الإسْلام؟! وأكْلُ اللَّحْم الميِّت أليس محرماً في الإسلام؟ فالمَيْتَةُ مُحَرَّمَة وكذا الخِنْزير والدَّم، أما الغيبة فأن تأكل لَحْمَ أخيك مَيْتاً فهي من الكبائِر، لكن قد يقول أحدهم: إنَّ هذه المَعْصِيَة مُنتَشِرَة وواسِعَةُ الانتِشار وبَلْوى عامَّة، والناس كُلُّهم كذلك فنقول: إنَّ انْتِشار هذه المعْصِيَة وعمومها على الناس لا يُلْغي أنَّها كبيرة، فالمعاصي الكبيرة كبيرة قَلَّتْ أو اتَّسَعَتْ، أما علماء المسلمين فمجْمِعون على أنَّ الإصْرار على الغيبة كبيرة من دون ارْتِياب.
العلماء قالوا: كما أنَّ هناك كُفْر دون كُفْر، كذلك هناك غيبة دون غيبة، كأن تنْتَقِدَ بيْتاً صغيراً، وهذا اللَّوْن غير مُناسِب، فإذا كان الشيء مُتَعَلِّقاً بالثَّوْب أو المنزل ولا يطْعَنُ في شَخْص صاحِبِه هذه أقلّ من أنْ تغْتاب عالماً ينتفِعُ الناس منه، فإذا اغْتَبْتَهُ من دون بيِّنَة فقد صَرَفْتَ الناس عنه، أو هَزَزْتَ مكانتهُ عندهم، فأشَدُّ أنواع الغيبة أنْ تغْتابَ رَجُلاً يُجْري الله على يَدِهِ الخير، وأقَلُّها أن تغتاب شيئاً من حاجات إنْسانٍ لو بَلَغَهُ لا يتألَّمُ كثيراً، فهذا هو التفْريق بين الغيبة الكبيرة والأقلّ منها.

طائِفَة من أحاديث رسول الله تتعَلَّقُ بالغيبة :

أيها الأخوة، نحن الآن أمام طائِفَةٍ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كُلُّها تتعَلَّقُ بالغيبة، فالحديث الأوَّل:

(( كُلُّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعِرْضُه ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

فَدَمُهُ حرامٌ أنْ تقْتُلَهُ، ومالهُ حرامٌ أن تأكل ماله بالباطل، أما عِرْضُهُ فمَوْطِنُ المدْح والذَمِّ في الإنسان، فأكثر الناس إذا قالوا كلِمَةُ عِرْض يتوَهَّمون أنّهُ شيءٌ مُتَعَلِّقٌ بالمرأة، ولكنَّهُ موضع المدح والذمّ فحرامٌ أن تقْتُلَهُ، وحرامٌ أن تأكل ماله بالباطل، وحرامٌ أن تغْتابهُ؛ كُلُّ المسلم على المُسْلم حرام ماله ودمه وعِرْضُهُ، وقد ذَكَرْتُ في الخطْبة حديثاً شريفاً:

(( من عامل الناس فلم يظْلمْهُم، وحَدَّثَهُم فلم يكْذِبْهم، ووعَدَهُم فلم يُخْلِفْهُم، فهُوَ ممن كَمُلَتْ مُروءَتُهُ، وظهَرَتْ عدالتُه، ووَجَبَتْ أُخُوَّتُه، وحَرُمَت غيبَتُه))

[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]

عقيدَتُهُ صحيحةٌ ويُؤَدي العبادات، ولا يُعْرَفُ أنَّهُ ظلم ولا كذب ولا خان، فهذا الإنسان حرامٌ أن تغْتابَهُ، أرَأيْتُم إلى هذا الحديث الأوَّل واضِحٌ وُضوح الشَّمْس وهو في صحيح مُسْلم؛ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

الحديث الثاني:

((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

طبعاً لا تباغَضوا أي لا تعملوا عملاً يُؤَدي بِكُم إلى أنْ تبْغُضوا بعضكم بعْضاً.
الحديث الثالث:

((إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ ))

[أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ]

مُسْلِمٌ من أهل القِبْلة ويُصَلي، ومُسْلم يشْهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وأدى زكاة ماله، وغَضَّ بصَرَهُ، وأدَّى العبادات، وعقيدَتُهُ صحيحة، قال: فإنَّ من أربى الربا عند الله اسْتِحْلال عِرْض امرئ مسلم، ثمَّ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قوله: “والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بِغَيْر ما اكْتَسَبوا…”.
الحديث الرابع:

(( عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ))

[أبو داود عَنْ عائشة]

فما قالتْ إلا أنَّها قصيرة، كنت أُعَلِّقُ على هذا الحديث: أنَّ بعض المياه المالِحَةِ التي تصبُّ في البحر من المُدُن الكُبْرى في العالم قد تسير خمسين كيلومتراً والواضِح أنَّها مياهٌ سَوْداء، ومع ذلك البَحْر ماؤُهُ طاهِر، ألم يقل سيّدنا سعْد رضي الله عنه: “ثلاثةٌ أنا فيهِنَّ رجل وفيما سِوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس- من هذه الثلاثة- ما سَمِعْتٌ حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا عَلِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى”، حينما قال عليه الصلاة السلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

و :

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ))

[أبو داود عَنْ أنس]

يوم القيامة أظافر من نُحاس يخْمشون بها وُجوههم وصُدورهم.

((عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ ))

[أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ]

حُقوق العِباد مَبْنِيَّةٌ على المُشاحَحَة وحُقوق الله مَبْنِيَّةٌ على المُسامَحَة :

وعن جابر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إياكم والغيبة فإنَّها شرّ من الزنا ))

المسامحة مطلوبة لأداء حقوق العباد
حُقوق العِباد مَبْنِيَّةٌ على المُشاحَحَة بينما حُقوق الله عز وجل مَبْنِيَّةٌ على المُسامَحَة، أقول لكم صراحَةً: إنَّ الذي وقع في الغيبة عليه أنْ يذهب إلى الذي اغْتابَهُ وأن يطلب منه السماح والعَفْوَ، والأوْلى أن يذكر قناعتَهُ الجديدة في الذين قال فيهم ما قال حتى يغْفر الله له، لماذا قال الله تعالى في آيات عديدة:” لِيَغْفِرَ الله لكم”؟ أليس الله كريماً وواسِعَ المَغْفِرَة؟ ما الذي نفْهَمُهُ من هذه الآية؟ قال تعالى:

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾

[ سورة نوح: 4]

أي هو يغفر لكم ذُنوبَكم التي بينكم وبيْنَهُ، أما التي بيْنَكُم وبين العباد فلا تُغْفَر إلا بالمُسامحة، وَهْمٌ كبير بين الناس أنَّهُم إذا ذَهَبوا إلى بَيتِ الله الحرام غُفِرَتْ لهم كُلَّ الذنوب، هذا وهْمٌ ما قالهُ العلماء، عُدْتَ من الذنوب كَيَوْم وَلَدَتْك أُمُّك أيْ التي بينك وبين الله أما الذنوب التي بينك وبين العباد فلا تُغْفَر إلا بالأداء أو المُسامَحَة، أنْفَقَ من ماله، ووقْتِهِ، وصِحَّتِه، وخِبْرَتِه، وجاهِهِ، أما هذا الذي قَدَّمَ حياته في سبيل الله ومات في المعْرَكَة شهيداً؛ هل هناك عمَلٌ يفوقه؟ أعْظَمُ عَمَلٍ على الإطلاق أنْ تُقدِّم حياتك التي لا تملك غيرها؛ والجود بالنَّفْس أقصى غاية الجود، ومع ذلك يُغْفَرُ للشَّهيد كُلُّ الذنوب إلا الدَّيْن فلا يُغْفَرُ له، كان عليه الصلاة والسلام إذا مات أحد أصْحابه يسأل: أعَلَيْهِ دَيْن؟‌ فإنْ قالوا: نعم قال: صَلوا على صاحِبِكم، وإنْ قالوا: لا، صلى عليه، هذا شَهيد قَدَّمَ حياته وروحَهُ في سبيل الله ومع ذلك لا يُغْفَرُ له الدَّيْن.

من أكل لحْم أخيه غيبةً قُدِّمَ له يوم القيامة لِيَأكلهُ :

وفي حديثٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قال عليه الصلاة والسلام:

(( من أكل لحْمَ أخيه في الدنيا قَرِّبَ إليه يوم القيامة فيُقال له كُلْهُ مَيْتاً كما أكَلْتَهُ حياً))

[ المعجم الأوسط عن أبي هريرة]

فمن أكل لحْم أخيه غيبةً قُدِّمَ له يوم القيامة لِيَأكلهُ وقد تَغيَّرَتْ معالِمُ وَجْهِهِ وفَزِعَ من هذه الأكْلة، و:

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّهُ اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْنَبَ: أَعْطِيهَا بَعِيرًا، فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ))

[أبو داود عَنْ عائشة]

فإذا أعَبْتَ إنساناً أسْوداً وقلتَ له كلمة تجْرَحُهُ، فقد هَجَرَ النبي عليه الصلاة والسلام زَوْجَتَهُ صَفِيَّة شهر ذي الحِجَّة ومحرَّم وصفر لِقَوْلِها أَأُعْطي تلك اليهودِيَّة؟

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ… قَالَ فَنَظَرَ فِي النَّارِ فَإِذَا قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الْجِيَفَ فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ…))

[أحمد عَنْ ابن عباس]

دين الإنسان في المُعاملة :

وفي حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؛ وهو من أدَقِّ الأحاديث وينبغي أن تحْفظوه يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[مسلم عَنْ أبي هريرة]

من هذا الرجل؟ يُصَلي ويصوم ويُؤدي زكاة ماله ولكنَّهُ يشْتم ويغْتاب ويأكل مال الناس بالباطل، لذلك مِحَكُّ دين الإنسان في المُعاملة فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ))

[ البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ]

فهُوَ مَبني على خَمْسٍ، أما أنْ يكون الإسلام هذه الخَمْس فما قال عليه الصلاة والسلام هكذا، فهُوَ أخْلاقٌ وصِدْقٌ وأمانة وورَعٌ وعِفَّة وشجاعة وكَرَم وإخْلاص، أما أنْ نصلي ونصوم ونُزَكي ونعْتَمِر ثمَّ نغُشّ، ونحْلف بالباطل، ونغْتاب، ونشْتُم، ونأكل أموال الناس بالباطل، ونحْتال، فلَيْسَ هذا هو المُسْلم، أي إذا أردتم أنْ تضعوا يَدَكم على جُرْح المُسْلمين فهذا هو الحديث الذي ينبغي أنْ تحْفظوهُ جميعاً يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[مسلم عَنْ أبي هريرة]

والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهَوى إنْ هو إلا وَحْيٌ يوحى، كلامُ النبي وَحْيٌ غير مَكْذوب، وكُلُّ إنسان اسْتَخَفَّ بِهذا الحديث ولم يعْبأ وأصَرَّ على أنَّ الدِّين صلاةٌ وصِيامٌ فقط وحَجٌّ وزكاة وليس اسْتِقامَة ولا ضبْطاً للِّسان، ولا ضبْطاً في كسْب المال، ولا في إنْفاقه، فقد كَذَّب النبي عليه الصلاة والسلام.

الغيبة والنميمة يحُطان الإيمان :

عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

(( مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ أُرَاهُ قَالَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ ))

[أبو داود عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ ]

الشهادة الزور بأداء اليمين الغموس ليس لها كفارة
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبًا بِهَا نَفْسُهُ مُحْتَسِبًا وَسَمِعَ وَأَطَاعَ فَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَخَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَهْبُ مُؤْمِنٍ أَوِ الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ أَوْ يَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ ))

[أحمد عَنْ أبي هريرة]

هذه الخَمْسُ ليس لهنّ كفارة، لماذا؟ السؤال الدقيق أنَّ الإنسان إذا حلف يميناً ثمَّ حنث به هناك كفارة، بإمْكانه أنْ يطْعِمَ عشرة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام، أما إذا حلف يميناً غموساً أمام قاض لِيَقْتَطِعَ به مال امرئ مُسْلِمٍ، فهذه اليمين الغَموس ليس لها كفارة، لماذا؟ لأنَّها تُخْرجُ صاحِبَها من الإسْلام، وتغْمِسُ صاحِبَها في النار، فَمِنْ هذه الخَمْس التي ليس كفارة أن تبْهَتَ مؤمناً بريئاً وصادِقاً تريد أنْ تُحَطِّمَهُ.
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول:

(( الغيبة والنميمة تحتان الإيمان كما يعْضُد-أي يقطعُ – الراعي الشَّجَرة))

[ الأصبهاني عن عثمان بن عفان]

فإيمانك يذهب بالغيبة والنميمة.

من يصل إلى مكاسب الدنيا بِنَهْشِ أعْراض الناس له عذابٌ شديد :

أيها الأخوة، روى أحمد أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً وَقَالَ مَرَّةً أُكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ وَمَنِ اكْتَسَى بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ثَوْبًا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُومُ بِهِ مَقَامَ سُمْعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[أحمد عَنْ المستورد]

أحياناً تُدْعى إلى وليمة لَينْهَشَ عِرْض فلان، فهذا الطعام يأكلُهُ في جَهَنَّم، وأحْياناً تغْتابُ إنساناً فَتُكْرم بِثَوْبٍ تلبسُه! فهذا الثوْب يُكْساه في جَهَنَّم، فالإنسان الذي يصِلُ إلى مكاسب الدنيا بِنَهْشِ أعْراض الناس، ويبني مجْدَهُ على الآخرين له عذابٌ شديد.
والدقيق من هذا أنَّ من كانت عنده مَظْلَمَةٌ لأخيه من مالٍ أو عِرْضٍ فَلْيَأتِهِ لْيَسْتَحِلَّها منه في الدنيا قبل أنْ يُؤخذَ وليس عنده دِرْهَمٌ ولا دينار، فإنْ كانت له حَسَناتٌ أُخِذَ من حسَناتِهِ فأُعْطِيَها هذا، وإلا أُخِذَ من سيِّئات هذا فأُلْقِيَ عليه، فإذا عليك حقٌّ مالي أو معْنوي فاسْتَحِلَّ هذا الحق في الدنيا قبل يوم القيامة، فلا يعيبُك أنْ تأتي لإنسان قد اغْتَبْتَهُ وأنْ تطلب منه السماح وأن تذكُرَهُ بِخَيْر في الذين ذَكَرْتَهُم عنده بالشرّ.
وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((الصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا قَالَ أَبو محَمَّد يَعْنِي بِالْغِيبَةِ ))

[أبو داود عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ]

ضَبْطُ اللِّسان أحد أرْكان الاسْتِقامة :

والله إنَّ هذه الأحاديث مُخيفة، هذا كلامُ النبي وكلامُهُ حقٌّ، وهو لا ينطق عن الهَوى، فالإنسان عندما يضبط لِسانه إلى أقْصى الحدود يُحاول أنْ يُطَبِّق في كلامه منهج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَيُفْلِحْ ويشْعُر بِقُرْبِهِ من الله وبِإقْباله عليه، وسِرُّ إقْبالك على الله اسْتقامتُك، فعَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))

[أحمد عَنْ مُعَاذٍ]

شيءٌ آخر وهو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))

[ رواه أحمد عن أنس بن مالك ]

فصارَ ضَبْطُ اللِّسان أحد أرْكان الاسْتِقامة، والإمام الغزالي في الإحْياء ذكر ثلاثة عَشَر عَيْباً من عُيوب اللِّسان، ومن أهَمِّها الغيبة، فاجْلس في بيْتِك واذْكُر ربَّك ولا تقع في أعْراض الناس، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُحاسِبُك على هذا حِساباً عسيراً، وذَكَرْتُ لكم من قبل: مما يُغْري الناس في مجالِسِهم الحديث عن العلماء والخطباء فَيَنْهَشون أعْراضَهُم، وهذا من أكبر الكبائِر، فَكُلُّ إنسان أجْرى الله على يَدَيْه الخير فلا ينبغي أنْ تطْعَن فيه وتَهُزَّ مكانهُ، فهذا عَمَلٌ لا يُرْضي الله، فأدْنى الغيبة أنْ تقول: هذا اللَّوْن غير مُناسب، أما أشَدُّ أنواع الغيبة أن تنال إنساناً أجْرى الله على يديه الخير، فأنت إذاً من قُطاع الطريق حينما تقْطعُ الطريق إلى الله، الذي يُفْسِد علاقة مُتَعَلِمٍ بِمُعَلِّم وعلاقة شَيْخٍ بِتِلْميذ فهو من قطاع الطريق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *