الرئيسية / روايات جديده رواية روعه / قصة شجرة الصفصاف والعصافير

قصة شجرة الصفصاف والعصافير

شجرة الصفصاف
شجرة الصفصاف

شجرة الصفصاف التى على ضفة البحيرة، فما عليك إلا أن تذهب إلى هناك، وتشاهد بالفعل شجرة الصفصاف تلك على ضفة البحيرة. تلك الشجرة التى كانت فى الماضى من أقوى الأشجار وأكثرهن جمالاً وأعلاهن شأناً.

ولكن كانت تشعر تلك الشجرة بوحدة شديدة، حيث لم يكن هناك حولها أى أشجار أخرى، وكانت تقف هناك على حافة البحيرة بعيداً عن أى غابة، ولم يكن هناك من تتحدث معه إلا العصافير حيث كانت تقول لها: “أنتِ أيتها العصافير لست أهلاً بصداقتى، فأنتِ عصافير صغيرة، ولست أشجاراً ضخمة مثلى لكننى فى حاجة إلى صديق يحبنى ويكون مثلى ولا يختلف عنى. ولكن العصافير كانت تغنى وتزقزق وتقول للشجرة: “بل نحن نحبك أيتها الشجرة ونقوم بالجلوس على أغصانك كل يوم ونعيش فى ظلك، ونغنى لك كل صباح كى تصحى على أصواتنا الجميلة وهدوء البحيرة من حولك.” فتبعد الشجرة وجهها بضيق وتقول: “بل أنتِ عصافير غريبة لست شبيهة بنا نحن معشر الأشجار، بل مختلفة تمام الاختلاف، أنا بحاجة إلى صديق من الشجر مثلى، ولن أتقبل بأى شكل صديق مختلف مهما كانت الأسباب.”

وظلت الشجرة والعصافير على هذا الحال كل يوم دون أى تقدم فى العلاقة بينهم، حتى أن البحيرة أحست بالضيق من الشجارات الدائمة على ضفتها فاقترحت على العصافير اقتراحاً مهماً حيث قالت: “أيتها العصافير، هناك على ضفتى الأخرى نبات يدعى نبات “القرع” وهو شجرة أيضاً، لماذا لا تحضروا بعضاً من بذور هذا النبات كى ينمو بجانب شجرة الصفصاف، ويكون صديقاً لها؟!”

فرحت شجرة الصفصاف بالاقتراح فرحاً شديداً وقالت: “أجل أيتها العصافير، قومى بعمل ذلك وسأصبح أسعد شجرة فى العالم.” هنا قالت العصافير للشجرة والبحيرة: “ولكن أيتها الصديقتين.. نبات القرع هذا ضار بشجرة الصفصاف، وليس مفيداً لها.. نحن نريد إسعاد شجرة الصفصاف طبعاً لكننا نعرف أن نبات القرع قد يضرها ضرراً شديداً!” فهزت شجرة الصفصاف أغصانها بغضب حتى طارت كل العصافير عنها وكادت الأعشاش الصغيرة المليئة بالبيض أن تسقط وتتكسر وقالت فى غضب: “بل أنتِ أيتها العصافير لا تريدين مساعدتى، ولا تحبين لى الخير.” فردت العصافير بإحباط: “كلا أيتها الشجرة الحبيبة.. بل نحب لك كل الخير وسنمتثل لأمرك ونحضر لك بعضاً من حبوب شجرة القرع كى تنمو تحت ظلك! ولكن نرجوك أن تتذكرى دائماً أننا قد حذرناك من هذا وأننا كنا دائماً لكِ معشر الأصدقاء الطيبين!”

وبالفعل.. طارت العصافير إلى الناحية الأخرى من البحيرة وجاءت بعشر بذور من نبات القرع وقامت بزراعتها تحت ظل شجرة الصفصاف التى تولت رعايتها، فى حين تولت البحيرة سقايتها بانتظام. وكانت شجرة الصفصاف كل يوم تستيقظ لتتابع نمو نباتات القرع من حولها وهى تغنى بسعادة: “لقد أصبح لى أصدقاء يشبهوننى، لم أعد وحيدة بعد اليوم!”

وكانت كل يوم تحاول التحدث مع شجرة القرع، ولكن شجرة القرع لم تكن ترد على نداءاتها ولم تكن تتكلم معها، بل كانت تقضى الوقت فى التسلق على جذع شجرة الصفصاف والتهام غذائها وإنبات ثمرات قرع كبيرة فى كل مكان.

فى ذلك الحين كانت العصافير الصغيرة تنظر إلى الشجرة بحزن، وبدأت تنقل أمتعتها وأعشاشها بعيداً عن فروعها شيئاً فشيئاً.

وبعد فترة قصيرة، أحست شجرة الصفصاف بالضعف يتزايد فى أغصانها ولكنها لم تكن تدرك سببه، وأخذت تحس بنقص كبير فى الغذاء من حولها، فى حين أن تلك الأعراض المقلقة لم تكن ظاهرة على نبات القرع الذى كان يزداد كل يوم نمواً ونضارة. فقد قام نبات القرع بربط عقد كبيرة حول شجرة الصفصاف، وقام بامتصاص كل الغذاء منها دون أن يسمح لها بالحصول على أى نوع من أنواع الغذاء.

ثم جاء اليوم الذى وصلت فيه أوراق شجرة القرع العريضة إلى أعلى حتى حجبت نور الشمس تماماً عن شجرة الصفصاف التى أصبحت متعبة وتساقطت أوراقها، وأصبح جذعها ضعيفاً.

هنا أدركت شجرة الصفصاف خطأها الكبير، فشجرة القرع تقوم بامتصاص غذائها وحجب الشمس عنها ولا تهتم بها على الإطلاق. إنها حتى لا تشاركها أى حديث. وتذكرت شجرة الصفصاف أصدقاءها العصافير الصغيرة التى كانت تغرد كل صباح على أغصانها، وكانت تبنى أعشاشها الجميلة بين أوراقها، وتطعم صغارها كل مساء بين أغصانها، دون أن تحاول خدشها أو جرحها أو مضايقتها.

وأحست شجرة الصفصاف بالندم الشديد على ما حدث منها تجاه العصافير، وطلبت من البحيرة أن تنقل لهم شديد اعتذارها، وأن تقول لهم رسالتها الأخيرة، بأنها نادمة على أنها تركتهم يرحلون وتتمنى لو تستطيع أن تراهم مرة أخرى أخيرة قبل أن تقضى شجرة القرع عليها تماماً.

ونقلت البحيرة أحزان شجرة الصفصاف إلى العصافير التى ما إن سمعت الحكاية حتى رثت لحال شجرة الصفصاف ولم ترضى على الإطلاق عما حدث لصديقتهم القديمة. فرغم أنها قد طردتهم من ديارهم، إلا أنها حملت أباءهم وأجدادهم لسنوات طويلة، فقرروا أنه قد حان الوقت لمساعدتها.

وانطلقت العصافير على الفور حيث شجرة الصفصاف وبدأت تستخدم مناقيرها فى إبعاد شجرة القرع عن شجرة الصفصاف حتى نجحت فى إبعادها تماماً عنها. حينئذ أحست شجرة الصفصاف بالامتنان لأصدقائها المخلصين الذين عادوا إليها.

قالت العصافير لشجرة الصفصاف: “لقد أبعدنا عنك شجرة القرع، ولكننا لا نزال نحترم رغبتك بعدم وجودنا قربك فلهذا…” ولكن شجرة الصفصاف قاطعتهم قائلة: “بل بالعكس يا أحبائى.. أنا المخطئة فى حقكم.. وأنا أعتذر لكم بشدة، وكل ما أتمناه هو أن تسامحونى وأن تعودوا إلى أغصانى لنعيش معاً فى سعادة.”

وبالفعل فى اليوم التالى، بدأت العصافير فى العودة إلى شجرة الصفصاف التى بدأت تستعيد قوتها وحيويتها شيئاً فشيئاً، وتستمع بسعادة إلى أغانى العصافير كل صباح وتبتسم لصغارها وتسمح لهم بالجلوس على أغصانها فى أى وقت.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *